المحبرة الخاوية!


 
(لوحة للفنان سامي ابو العزم)

الشوق يستبد بي ،وحرقة القلب تدفعني أن أمضي في هذا الطريق،منذ أن رأيتها وهي تمشي منكسرة شعرت بأن ثمة سرا تخفيه وراءها،ثيابها الممزقة وشعرها الأشعث يخبران أن هذه الفتاة ربما كانت في محنة ما،الثعالب دائما تسكن الأماكن التى تتركها الحراس غافلة عنها،ولربما فرط ثقة،كل الآلام التي تحرق القلب طالعتها على صفحة وجهها،الغضب المكتوم والسر المنطوي،يدفعني الفضول لأن أقترب منها، حتى إذا ما دنوت ،إنها هي!
يا لهول المفاجأة مريم !

وهل يعقل أن أجد مريم في هذه الحالة من الأسى،ذلك القلب الطيب،والخلق السامي،الطهارة التى تمثلت في تلك الأنثى لقبا، ونزهناها من الظنون فيما سلف،لعل في الأمر ما يخفى علي.

حاولت أن أكلمها ،تولت دموعها الإجابة عنها،ترى منذ متى لم نلتقي،لقد ارتحلت عن البلدة ثلاثة أعوام ،كنت قد عقدت العزم أن أطلب يدها،ربما تأخرت كثيرا،وما حيلتي وليس معي من الدنيا غير قلم ،وما به غير بعض مداد،وهل تصلح الكلمات المسطرة طعاما،أو هل تبقي لمحتاج رغيف خبز ناهيك أن تفتح باب بيت لاثنين يسعدان بالمطعم ،أو يرزقان كساء!

سأنتظر حتى تخبرني،لكن الوقت في هذا الموضع بشي بالريبة وهي فوق هذه الظنون التى قد تنتاب الوالغين في الإثم!

أشارت إلى مصباح بعيد ضوءه خافت،شعرت أن هذا المكان ربما كانت قد أتت منه ،تذكرت لقد أعلمتني أختي بأنها قد تزوجت من ذلك التاجر المسن ،كان يكتنز الحبوب ،والأموال تتكدس مثل الأجولة في مخزنة،الفئران ما كانت تسكن إلا بين يديه،لقد كان شخصا كريها،ما الذى جعلها ترضى به؟

الفقر ربما؟
أو لعل المتبطلين هم من تقولوا عليها السوء،لم يتقدم إليها غيره،الآن أدركت أنه هو من أطلق الجرذان لتأتي بها إليه،حين ذاك وبعدما نال منها بغيته،ألقى بها هكذا،إنه يعتاش على الطاهرات ثم بعد على مذبح البراءة يغتال أعمارهن،لقد كنت أنا وهي ضحية الخمول،كان بوسعي ألا أرحل هذه الأعوام الثلاثة،لو كتبت في الصحيفة عنه؟

سأفعل من غد ،بل الآن هكذا حدثتها ،ابتسمت في حياء يغلبه الأنين،أخرجت القلم والورقة ،لكن ويا للهول لقد أتت الفئران وقرضت سن القلم ،استباحت الحقيبة وعبثت بها ،لقد جعلتها مخزنا لنفايات تاجر الحبوب،قلت لأضع إصبعي في القنينة وأكتب بالرمز صورا معبرة ،وجدتها فارغة!

لا تعليقات

اترك رد