سوقيَّة الخطاب السياسي العراقي


 

تميز الخطاب السياسي العراقي بعد العام 2003 بالسوقية وانحدار عالي المستوى للنخب السياسية باستخدام مفردات الشتيمة والابتذال وعدم التهذيب وتدني ثقافي مرعب ، وقد عكست لغة الخطاب السياسي الواقع السيء الذي يعيشه العراق ، كما عكس حالة تدني الوعي الاجتماعي من خلال التصفيق لهذا الطرف او ذاك وما من حياء ، وحتى بعض السياسيين الذين يتصنعون التوازن في الخطاب لا يستطيعون حفظ التوازن الكاذب فغالبا ما يتقيأون ما شربوه عبر وسائل الاعلام وهذا ليس بغريب فالتحليل النفسي يقول ان الشخصية هي انعكاس حقيقي للبيئة والثقافة التي تحملها.

وهذا أرجعني الى قول امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام. ( ما أضمر أحد شيئا إلا وظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه ) ويبدو ان السياسي العراقي يضمر أشياء ً في قلبه تظهر فجأة على لسانه ليتعرى ويكون في اعلى درجات الصدق بعد ان كذب مدة طويلة ، تقمص فيها الرزانة والهيبة والذكاء والتشدق بالكلمات ، لكنه في اول امتحان يظهر كشخصية مستفزة غير قادرة على التحكم بردود الأفعال وضبط النفس وهاتان ميزتان مهمتان لكل سياسي محترف لكن للأسف يبدو ان كل شئ في العراق يسير بالقلوب ومغشوش وغير حقيقي .

ان التراشق البذئ و سفالة ثقافة الخطاب السياسي يعكس القلق الداخلي لدى المشتغلين بالسياسة من جهة وعدم المعرفة بحرفية السياسة وإنعدام اللياقة او الدبلوماسية من جهةٍ اخرى ، فقد كشف الاعلام عورات الكثير من السياسيين في المواقف الحرجة امام الجمهور وأظهر سوقيتهم وشوارعيتهم وكأنهم رواد للمقاهي التافهة الرخيصة ، فكانت ردود أفعالهم انفعالية وأحيانا غبية وساذجة، وانا على يقين انهم حين يراجعون مقابلاتهم التلفزيونية يتمنون لو انهم لم يتلفظوا بما قالوا. ولا اعتقد ان سياسيا ً يحمل قليلا من الاحترام لنفسه ولشعبه يتلفظ بما تلفظ به هؤلاء ، فما شاهده العراقيون في برنامج بالحرف الواحد بين كاظم الصيادي وناجح الميزان هو صورة حقيقية عن سوقية الخطاب وانحدار في السلوك. السياسي ، ومما يزيد من سوء المشهد بان احدهم يحمل شهادة دكتوراه ، وما شاهدناه هو مقطع من مشهد تتصف به لغة الخطاب السياسي في العراق ، فهذان كان نموذجين لقبح المشهد ، اما الباقون فليسوا بأحسن حال من هذين النموذجين ، ًباستعراض بسيط لتصريحات بعض النماذج سيتضح لنا ضحالة الخطاب، بهاء الاعرجي كان نائب لرئيس الوزراء يظهر غيضه وغضبه بعد أن إنتفخت اوداجه على مغادرة المنصب فيقول : انه سيضع منْ عارضه تحت قدمه لتكتمل صورة البذاءة في القول والعمل عند هذا الرجل ، اما الدكتور أياد علاوي الذي عاش شطرا كبيرا من حياته في الغرب والتي يفترض ان يكون قد تعلم شيئا من الروية والتروي في ردوده يصف مركزه بالحذاء وهو بذلك يكشف عن شخصيته الحقيقية التي حاول ان يخفيها لمدة طويلة عن العراقيين ، تلك الشخصية التي لم تفارقها الشتيمة والسباب في اي جلسة خاصة ، فهو يصف منصب سيادي بالحذاء ، اما وزير الخارجية الذي يجب ان يكون دبلومسياً في كل حركاته وأفعاله وأقوله هو الاخر ينحدر في سوقية عجيبة حينما يصف نفسه بكلمة يرددها الشقاوات فيقول باللهجة العراقية ( ألما يعرفني خل يعرفني انا بايع ومخلُّص) هل من المعقول ان ينطق وزير خارجية و متشدق بالثقافة والمفردات العربية بهذا المنطق ، لكن كما يقول المتنبي ( وتأبى الطبائع على الناقل ) شخصية اخرى يحتل منصب وكيل وزير التربية يصف المعلمين بالحمير ولا أردي اي تربية يقودها هذا الرجل ، ونائب يمثل الشعب ومنتخب من قبله يدعى مطشر السامرائي حين يستمع الى مطالبات الناس بقطع راتبه التقاعدي فيصف الشعب العراقي بالدايحين وهي كلمة تدل على إهانة واستخفاف كبيرين ومعناها ( البهائم التي تسير بغير هدى ) ومتحدث باسم كتلة سياسية كبيرة محسوبة على الخط الاسلامي يخاطب نائبة بكلمات سوقية وصبيانية هابطة تحمل ايحائات جنسية ، و في مكان اخر يتحدث عن نائب في البرلمان انه ذيل اعوج لكلب مسعور ويقصد بالكلب زعيم سياسي كبير . اما الوزير المخضرم والقيادي الكبير في ايام المعارضة وهي الذي تقلد مناصب وزارية عديدة بعد السقوط، وله تاريخ طويل عريض بالجهاد يصف زملائه ورفاق دربه بـ ( الكاتلهم الهبري ) أي الذين كانوا فقراء ومعدمين وهو يتبجح بالغنى والثراء الذي تمتع به حينما كان رفاقه جوعى ، يالها من مشاهد مقرفة لا تنم عن سمو ورفعة في النفوس . والأكثر غرابة من هذا كله ان هؤلاء لا يعتذرون للشعب العراقي بل يصرون على هبوطهم وسوقيتهم ويدافعون عنها.
فقد وصفهم. سيد البلغاء بمقولته الشهيرة ( المرء مخبوءٌ تحت طي لسانه ما ان تكلم عُرف ) وانا اقول صحيح اللي اختشو ماتو.

1 تعليقك

  1. مقال غاية في الاهمية وتحية للاستاذ الكاتب علاء الخطيب .. السياسيين بشكل عام في كل بلدان العالم هم عبارة عن مراحل زمنية عابرة لها بداية ولها نهاية الاوطان والشعوب هي الوحيدة الباقية الى الابد وبطبيعة الحال في البلدان الديمقراطية فان كل سياسي يضع بصمته في صفحة تأريخ الاوطان والشعوب وكل من هؤلاء السياسيين بسلبياته او ايجابياته يمثل ثقافة ووعي الفئة من المجتمع الناخبة له الا اننا نرى السياسي في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة يسعى راكضا لتقديم استقالته في اول اخفاقة له في عمله بدافعين الاول ثقافة السياسي نفسه وصدقه والثاني إدراك السياسي لثقافة ووعي ناخبه لذلك تأتي الاستقالة بمثابة الاستغفار عن خطأ ارتكبه وربما غير مقصود ولكنه الحق ضرر بمصلحة الوطن والشعب ، أما في العراق فلا هذا ولا ذاك فالبلد يضيع ويقتل كل يوم ولا السياسي يقدم استقالته ولا الشعب ايضا يقدم استقالته ولذلك فإن كل ماذكر في هذا المقال القيم من حقائق تدمي القلوب للسيلسيين الذي جاؤوا على غفلة من الزمن ونتيجة فراغ قسري في تأريخ العراق السياسي الحديث والمعاصر كلها تمثل الحالة السلبية في المشهد السياسي العراقي التي باتت مكشوفة امام الشعب العراقي والعالم اجمع منذ فترة ليست بالقصيرة ومن المفترض انها ستزول بزوال هذه الطبقة السياسية بعد انتهاء مرحلتها وعمرها ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ضمن هذا المخاض العقيم والفوضى المستمرة متى يكتشف الشعب العراقي سلبيته التي ارتكبها بحق الوطن وبحق نفسه عندما جاء بهؤلاء الطارئين على مهنة السياسة وعلى الثقافة والانسانية عموما باعتبار ان الشعب باق ببقاء الوطن الى الابد ،متى يكتشف الشعب سلبيته فيقدم استقالته ؟

اترك رد