مشاجب الهزيمة


 

حين لا نجد مخرجاً لهزائمنا وفشلنا، نبحث عن أي مشجب لكي نعلق عليه معطف الهزيمة..! وما أكثرها اليوم معاطفنا وما أكثر ما لدينا من المشاجب..!! ومن أهم وأعظم المشاجب التي نعلق عليها معاطف الخيبات والانكسارات هما ” إسرائيل” ومن ثم تأتي بالدور الثاني ” إيران” وأما أمريكا وبعد خسارتها الكبيرة في حربها مع العراق وأفغانستان لم نعد نراها مشجباً نعلق عليه أي معطف؛ إذ أنها اخذت دور السمسار السياسي والمقاول الذي يأخذ المشاريع من الداخل ومن تحت الطاولات.

بينما نحن منشغلون في البحث عن مشاجب لهزائمنا الفكرية والنفسية والسياسية وحتى العقائدية. متكاسلين نشعر بالخمول ولا رغبة لدينا لتطوير الإمكانيات الاقتصادية وليس لدينا من رؤية واضحة لاستغلال ثرواتنا الطبيعية من أجل خلق بنية اقتصادية متينة تتماشى مع التطور الحاصل في العالم المتقدم. ولا نملك قوة عسكرية ولا جيوش تملك العقيدة الوطنية؛ إذ الجيش مجرد منصب وسلطة يستغلها أصحابها في السطو والهيمنة على موارد الدولة. والسلطة العسكرية تعمل لصالح الحاكم وحمايته وليس لحماية الشعب والدفاع عنه.. فالجندي لا يشعر بالانتماء لأنه مدفوع بالقوة إلى تنفيذ الأوامر العسكرية التي تصدر من القيادات العليا. على عكس الجندي الإسرائيلي الذي يشعر بالولاء لقوميته الإسرائيلية لأنها مصدر فخره وتميزه والتي تسعى إلى جعل المواطن الإسرائيلي في الصدارة. فتجده يدافع بعقيدة وانتماء مطلق لدولته.

إسرائيل عملت على تطوير استراتيجيتها العسكرية والسياسية والارتقاء بها إلى مستوى الاستراتيجية الكبرى، من خلال رؤية استراتيجية سياسية قوامها الشرق الأوسط والخليج- والبحر الأحمر- وصولاً إلى السواحل الغربية للمحيط الهندي في الجنوب وسوريا ولبنان والأردن والعراق في الشمال وقد

أنشأت قيادة عمق في البحر الأحمر؛ إذ أنها تعتبر منطقة البحر الأحمر، والخليج كإحدى المناطق المشمولة في هذه الاستراتيجية… نشرت قوات في المناطق التي تشكّل المجال الحيوي والاستراتيجي لها في البحر الأحمر والمتوسط وفي المحيط الهادي.

أثناء انشغال الدول العربية في صراعاتها الداخلية للتمسك بالسلطة. عملت إسرائيل على تطوير رؤيتها في إعادة ترتيب أوراقها الاستراتيجية.. ما بعد النزيف العربي.. والفوضى التي حدثت في البلدان العربية وأهمها واخطرها ما حدث في سوريا.. تلك الأحداث دفعتها للبحث في نظرية ” الفراغ وملأ الفراغ” ومع اختلال توازن القوى، رأت أنه لابد من إعادة توزيع القوى ما بين الدول واقصاء الجيوش العربية.. فلم يعد للجيوش العربية دوراً فاعلاً بعد انهيار الجيش العراقي بعد أن كان من الجيوش العربية العظمى.. وكذلك الجيش الليبي .. والوضع المصري المضطرب أثناء ثورات الحرية والانقلابات التي جعلت من مصر منشغلة في شأنها الداخلي وصرف نظرها عن العداوة ما بينها وما بين إسرائيل؛ ومن هنا أصبح الجيش المصري العملاق لا يشكل أي خطر على دولة إسرائيل. وأخيراً ما حدث في سوريا وهو بيت القصيد إذ لم يعد الجيش السوري مصدر تهديد لحدودها.. وكذلك انشغال حزب الله في الشأن السوري والتفرغ التام لدعم المشروع الإيراني. جعل إسرائيل تشعر بالهدوء والاسترخاء ولف الساق على الساق لتأخذ دور المتفرج على الديكة العربية وهي تتصارع فيما بينها.

وبما أن الجيوش العربية قد تآكلت وتهالكت.. مما أحدث فراغاً عسكرياً.. وترى إسرائيل بأن ليس هناك أجدر وأقوى منها في ملأ هذا الفراغ.

وبكل ذكاء ودهاء سياسي واستراتيجي عملت إسرائيل على اشراك بعض الدول الكبرى معها في منطقة الشرق الأوسط شرط أن تتناغم تلك الدول مع مصالحها الاستراتيجية. وقد حددت ذلك من خلال ثلاث أطراف ..

الطرف الأول: وجود عسكري ممثلاً بالولايات الأمريكية في منطقة الخليج العربي.. وفي العراق بالتنسيق مع تركيا بدعوى إدارة الحرب ضد ” الإرهاب ” وهذا الوجود سيكون الظهير والحليف لإسرائيل

الطرف الثاني: وهي القوى الإقليمية تتمثل في كل من وايران- وتركية- وروسيا.

الطرف الثالث: هم العرب ودولهم المتهالكة.. وهم الطرف الأضعف والخاسر في تلك المعادلة.

وبالمقابل ايران هي الأخرى لم تقف مكتوفة الأيدي، فقد انتهجت نفس الاستراتيجية الإسرائيلية في التوسع والتمدد الفارسي ليكون لها حصة من حصة من الشرق الأوسط.. وأعدت برنامجها وخططها واستطاعت من خلال النزعات الطائفية التي أثارتها في الخفاء في بعض البلدان العربية مثل العراق والبحرين وبعض المناطق في السعودية للتوغل وإكمال مشروع الخليج الفارسي. وكما استطاعت التسلل إلى العمق السوري من خلال الأزمة وأعلنت نفسها شريكاً وحليفاً أساسيا في الأزمة السورية شاء من شاء ورفض من رفض..

أليس من الإنصاف أن نعترف بذكاء إسرائيل وايران وبأنهما تستحقان التقدير لا التحقير؛ دول تخطط على مدار السنين وتنفذ ما خططت له بكل احترافية وعبقرية.. دول تطور من ذاتها على جميع المجالات الاقتصادية والعسكرية والعلمية.. دول لديها طموحات كبيرة حتى وإن كانت استعمارية. إذن لماذا لم تفعل الدول العربية ذات الشيء لتصبح أمه لها كيانها لا أن تكتفي بدور “الكومبارس ” والتابع..أن تكونوا أمة ترفع من شأن شعوبها لا أن تقتل شعوبها..

صار من المستحيل علينا أن نخدع أنفسنا ونبقى كعادتنا في خلق الأعذار وتعليق خطايانا على مشجب الوهم ونظل على ما نحن عليه إما الشتائم والتقليل من شأن الدول العظمى وإما التواكل على الله والجلوس في قارعات الحلم ننتظر معجزة إلهية تنتهي إسرائيل وإيران هكذا بلمح البصر دون أن نفعل أي شيء..

فلترفعوا القبعات احتراماً وتقديرا للأعداء الأقوياء؛ لأنهم استحقوا احتلالكم بقوتهم العسكرية والسياسية.. ولأنهم يملكون إيماناً بعقيدتهم حتى وإن كانت عقيدتهم مبينة على باطل؛ ولنعترف بأننا لا نملك لا القوة العسكرية والكفاءة العلمية ولا نملك لا العقيدة ولا الولاء لعروبتنا ولا أوطاننا .. فلتقطوا معاطف الهزيمة من مشاجبهم والبسوا الخيبة وظلوا كما أنتم تقتلون بعضكم البعض.. وتتشرد شعوبكم ليأتي القادة الإيرانيون يتبخترون وبكل غرور في مدنكم المدمرة يمشون بأحذيتهم العسكرية المتسخة بالدماء فوق جثث شعوبكم ….!!!

لا تعليقات

اترك رد