الإصلاح والعقد الاجتماعي العربي ج8


 

يذهب لويس ألتوسير في مؤلفه “مونتسكيو والتاريخ” حين يتحدث عن رواد العقد الإجتماعي “أن ما يوحد بينهم هو طرحهم لنفس الإشكالية التي يمكن صياغتها في السؤال التالي ما هو أصل المجتمع المدني أو الدولة؟”، ويضيف بأنهم يشتركون أيضا في الحل المطروح والذي يتكون من مفهومين “حالة الطبيعة” والعقد الإجتماعي، لذا يتوجب مبدأ العقد الإجتماعي للمرور من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية.
وفي حديثه عن الإنسان يرى طوماس هوبز أن الناس طالما أنهم يعيشون بدون سلطة مشتركة تهيمن عليهم جميعا يكونون في وضع يطلق عليه إسم حرب الكل ضد الكل. وحالة الحرب هته التي يتحدث عنها هوبز ناتجة في رأيه عن تجدر الشر في الذات الإنسانية، في حين يرى روسو أن الإنسان دو طبيعة خيرة ودو أوصاف إيجابية.
يتحدث جون لوك أيضا في كتابه “مقالتان في الحكومة المدنية” عن حق الملكية وحق الدفاع عنها مما يولد العنف لذا يتوجب سن قوانين لحل المشاكل، وهو نفس الطرح الذي يراه سبينوزا حين يرى أن البقاء للأقوى وأن القانون الذي يسود الطبيعة هو قانون الغاب.
كلها أفكار ميزت مرحلة نهاية العصور الوسطى ووضع حد لهيمنة الكنيسة وسيطرتها، مما ولد الكثير من الأفكار والمبادئ لتنظيم الأفراد والجماعات داخل المجتمع الواحد وكذا العلاقات بين الدول كما نادى بذلك كروسيوس حين دعا إلى قيام علاقات بين الدول أساسها العدل والمساواة.
لن نطيل كثيرا الحديث عن هته الحقبة التي سبقت تشكل مفاهيم الدولة المدنية الحديثة أو الدول الوطنية، كلها أسماء اصب في خانة مجتمع متعايش سلمي يسوده القانون والعدالة الإجتماعية و لجميع المواطنين نفس الحقوق والواجبات.
السؤال الذي يطرح نفسه بحدة : هل عاشت المجتمعات العربية المعاصرة تحولات عميقة تسمح لها بالإنتقال إلى دول وطنية حديثة؟ وهل هي قادرة في الوقت الراهن على عقد عقدها الإجتماعي؟ كما أن هناك نقطة مهمة يجب الإشارة إليها وهي هل عرف المجتمع الإسلامي عقدا اجتماعيا في تاريخه.
الإسلام هو آخر الديانات السماوية وهو شريعة كاملة لتنظيم العلاقات بين الفرد وخالقه وبين الأفراد فيما بينهم، وهو ما يبشر بمفاهيم تكون المجتمع والدولة فهو ينظم أيضا علاقات الفرد والجماعة ببعضهم وعلاقتهم بالحاكم.
كما أن الإسلام لم يبث في الشكل الذي يمكن أن تقود به الدولة لكن ركز على ضرورة تحقيق العدالة والمساواة والشورى واعتبرها راسخة وثابتة ولا تتغير ولا تتبدل. وترك شكل الدولة للزمان والمكان والمتغيرات، كما عرف التاريخ الإسلامي فصل السلط الثلاث التشريعية، التنفيذية والقضائية.
عرف الإسلام والمسلمين أيضا نظام البيعة وهو بمثابة عقد اجتماعي يجمع الناس فيما بينهم وعلاقتهم بالحكم، حيث بني هذا النظام على أساس العدالة والمساواة وكذلك الشورى حيث قال أبو بكر الصديق “إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني” ، وهذا دليل على نجاعة هذا الرابط بين الحاكم والمحكومين وتواصله.
لكن المجتمعات العربية والإسلامية عرفت تحولات كبيرة وخصوصا في العصر الحديث مع انهيار الدولة العثمانية وتعرضها للإستعمار. فكانت دول ما بعد الاستقلال لا تملك شكلا حقيقيا للدولة تميل تارة نحو الدين تارة نحو نماذج غربية، فاختلطت أوراق الدين بالسياسة وأصبح السياسي فقيها والفقيه سياسي وبرزت تيارات العلمانية والإسلام السياسي.

2 تعليقات

  1. ظلت المجتمعات العربية – وخاصة بعد الثورة الصناعية وبروز نماذج الدولة العصرية – متأرجحة بين التمسك بمفهوم الاسلام على اعتباره دينا ودولة وبين متطلبات الدولة المدنية المعاصرة التي تعتمد في الاعم الاغلب على قوانين وضعية وتترك امر الدين كعلاقة خاصة بين الانسان وخالقه . لذا تجد المواطن العربي يفضل الدولة الدينية ليثبت انه مؤمن ومتمسك بتعاليم الاسلام وعقائده لكننه يفضل العيش في البلدان الاوربية التي تديرها انظمة حكم مدنية علمانية حيدت الدين وحصرته في الفاتيكان !!. وهذه مفارقة عجيبة واشكالية عويصة جعلت بعض المتصدين لقيادة العالم العربي في حيرة من امرهم ويتحركون ببطئ وحذر اذا ما ارادو اصدار قوانين جديدة .طبعا هذا الامر لا يشمل الحكومات التي عملت ببرنامج التخادم بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية .

  2. شكر لمساهمتك اخي حميد .
    هده اشكاليتنا التارجح بين هدا وهداك لم نصنع شيئا داتيا ياخد بعين الاعتبار الخصائص الدينية والثقافية نتمنى ان نجد حلا يوما وهدا ما نسعى لتحقيقه.
    دمت اديبا اخي

اترك رد