القانون لا يحمي المعقّلين


 

لا تربطني علاقة مودة بهذا الشيء الذي يعتمرونه على رؤوسهم لكن بعد أحداث المحافظات الجنوبية الاخيرة أثار انتباهي و انتباه الكثيرين إذ يبدو أنه قد تعرض لانتكاسة كبيرة قد تؤدي لتغييرات كبيرة على شكله أو هيئته أو لونه أو من يحق له أن يعتمره أو حتى أهميته المعنوية . الذين يضعونه على رؤوسهم يُرجعون كل معاني الشرف إليه ( الغيرة ، العرض ، الناموس بمعناه الدارج ، الخ ) بحسب التصنيف الشرقي لمفردة الشرف ، إذا ثبت العقال ثبتت هذه المعاني و إن سقط بعضها بالفعل و يسقط كل شيء إذاسقط العقال عن الرأس حتى وإن ثبتت تلك المعاني و لم يمسسها سوء . وصار لكل عشيرة موديلها الخاص من العُقل ( جمع عقال ) من هذا الغليظ الصغير الذي لا يتجاوز قطرُه قطرَ قطعةِ السميط و لا ادري كيف يثبتونه في الهوسات حيث يتقافزون وسط الأهازيج الحماسية ، إلى ذلك المستدق الأملس بذؤابتين تتدليان إلى الخلف أجهل الفائدة منهما ، غير أني رأيت ذات مرة مُعقّلاً يجلس في الطابق العلوي من باص النقل العام و لم يكن في الطابق غير تلميذين مشاكسين من تلاميذ المرحلة المتوسطة يجلسان خلفه ، و أنا في آخر كرسي أراقب ما يجري بقلق بعد أن ربط التلميذان ذؤابتي عقاله إلى المقعد دون أن يدري و هربا و لا أحد يعلم ماذا حدث بعد ذلك لأني أنا أيضاً هربت بعدهما مباشرةً هابطاً سلم الباص كل عتبتين بخطوة و نزلت إختيارياً خوفاً من اتهامي بالجريمة و تغريمي ثمن شرف هذا الرجل و عشيرته ( حشم ) إذ لم يكن ثمة غيري في الطابق العلوي .

طريقة إعتمار العقال تختلف من عشيرة لأخرى إذا أملته إلى اليمين فأنت من عشيرة غير تلك التي تميله إلى اليسار و هناك قصص بطولة نسجوها عن سبب إمالته يميناً و شمالاً ووسطاً و عليك أيضاً أن تلتزم بلون الشماغ ( الكوفية ) التي يتوسطها تبعاً لعشيرتك بغض النظر عن ذوقك بالألوان ، بيضاء بمربعات حمر أو سود ، بيضاء سادة ، خضراء سادة ، و السوداء .

لست واثقاً من دقة الرواية التي تتحدث عن أصل العقال برغم المعاني السامية التي تحملها ، يقولون أن كسرى أرسل يخطب إحدى بنات النعمان فأجابه بأنه سيعرض ابنته على كل شباب العرب فإذا رفضوها جميعاً سيزوجها له فغضب كسرى و أوثقه بعقال البعير ، أي الحبل الذي يعقل به البعير و قتله ، و من هنا جاءت تسميته إذ أن العرب لما سمعت بمقتل النعمان اعتمرت عقال البعير الذي أوثق به بدل العمامة رمزاً للشرف ، و لبسوا هذا التاج الوبري حتى سقطت الأندلس فصبغوه بالأسود حزنا و كمداً . ما نعرفه أن العرب كانت تعتمر العمامة كل تلك السنين المحصورة بين النعمان و أبي عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس

ليس مهماً من يهتم بالعقال و من لا تربطه به علاقة مودة مثلي ، المهم أنه بالنسبة لأصحابه و المغرمين به حافظ لقرون عديدة على رمز شرفهم قبل أن يهينوه بأنفسهم و يضعوه على مفترق طرق بعد هذا العمر الطويل وهذه الشيبة الجليلة . في عرفهم العشائري يقولون أن من يقترف عملاً شائناً و من تعرض لإهانة و هو يرتدي العقال دون أن يدافع عن عقاله و يحافظ عليه شامخاً فعليه أن لا يعتمره لأنه ليس أهلاً له و أغلب الظن أن صاحب الباص ذي الطابقين لما نهض من مقعده و سقط عقاله المربوط بالمقعد لم يعتمره بعد ذلك اليوم و إن لم يره أحد ، أو هذا ما يفترض أن يكون وفقاً لتلك الاعراف . أحداث المحافظات الجنوبية الأخيرة فضحت شيوخ مجالس الإسناد الذين ارتكبوا هتين الفعلتين معاً في يوم واحد فألغوا تاريخاً من رفعة الرأس و خيبت آمال صغار الهزّاجين و جماهير العشيرة بهم و قد تطيح بآمالهم و أحلامهم بوزارةٍ للعشائر و هم يمنون النفس بوظائف في دوائرها كمديرية الفصل العشائري أو شعبة الحَشَم أو دائرة النّهوة أو مديرية الكوامة العامة . أولى الفعلتين أن شيخ العشيرة لا يليق به أن يسيل لعابه لخمسة آلاف دولار ومسدس فيخون شعبه و يقبل بإسناد الفاسدين فيسقط في نظر عشيرته ، والثانية أن عُقُلهم و يشاميغهم مرغت بالوحل بعد فعلتهم الأولى و صارت مادة للتندّر و السخرية على الأنستغرام و تويتر و الفيسبوك و رأيناهم مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم و أفئدتهم هواء بينما تحيط بهم الجماهير الغاضبة ملوحة بالأحذية في وجوههم دون أن يجرأوا على الرد أو الدفاع عن عُقُلهم . شروط حفاظ العقال على موقعه انتهت بعد سقوطه مهاناً مضرجاً بالوحل و انتهت معه شروط بقاء العشيرة و محاولات النفخ بروحها بقانون المعقّلين . القانون لا يحمي المعقّلين .

2 تعليقات

  1. هكذا هي عين الطائر.. زاوية جميلة بمبدعها.. كل شيء في العراق اهين ومرغ في التراب والوحل اخي العزيز.. لم تعد هناك قيم ولا مثل، المال والسلاح اجبرا الجميع على التراجع وحطم النظام السياسي الحالي كل المثل التي يمكن للناس الاعتزاز بها واعتبارها نقاطا تقاس بها افعال وتصرفات ومواقف الجميع، العمامة التي لها احتراما اكبر بين الناس اهينت هي الاخرى، المعلم الذي هو قدوة الاجيال والذي كاد ان يكون رسولا، اهين ايضا، الام التي لو اعددتها اعددت شعبا طيب الاعراق ، اهينت وتعايشت مع الحرام والخطأ والظلم الخ.. لم يبق شيء.. تحياتي لقلمك الجميل استاذ عماد عباس

اترك رد