جيل جديد … بلا ذاكرة!!


 

بثت قناة (الحرة)، وضمن برنامج (حديث الخليج) لقاء مع الكاتب البحريني المعروف، حسن مدن، تحدث فيه عن راهن المنطقة وشجونها المختلفة، ورؤيته للمستقبل، وقد لفتت انتباهي في حديثه عبارة، قالها وهو يتحدث عن واقع دول الخليج ومستقبلها في ضوء ما تشهده المنطقة، اذ قال ان في الخليج اليوم جيل جديد بلا ذاكرة، من الشباب الذين تربوا في زمن الخير، ولم يشهدوا ما كان اهلهم يعيشونه سابقا، ليقارنوا بين زمن العوز والحرمان وبين ما صاروا عليه من نعمة، وهؤلاء الشباب يريدون المزيد، ولابد من التعامل مع هذا الواقع وتدارك الامر قبل فوات الاوان .. وانقل هنا بالمعنى القريب من النص.

هذا الكلام ينطبق ايضا على واقعنا العراقي، وباكثر من صورة، فالعراقيون الذين عاشوا فقراء في ظل العهد الملكي، لم يهتموا كثيرا لمفردات الديمقراطية وغيرها، لانهم كانوا يريدون خبزا وفرته لهم الثورة، وصاروا يشعرون بالامتنان لها، ويغفرون لها حتى خطاياها، بينما الامر اختلف بعد حين، اذ بعد ان استقرت الاوضاع وظهر جيل جديد وكبر في العهد الجمهوري، صارت له تطلعات مختلفة، لانه لم يشهد الفارق الذي شهده آباؤهم، ولهذا لم يشعروا بالامتنان تجاه احد، ومن ثم التمرد على الانظمة التي كانوا يشخّصون اخطاءها ولم يسامحوها كأهلهم، والامر نفسه ينطبق على الجيل الذي ولد نهاية الثمانينيات، وفتح عينيه على الحصار ومآسيه، ولم يعرف ان العراق كان يعيش بشكل مختلف اقتصاديا وثقافيا، بعد ان تحوّل العراق الى (سوق هرج ) كبير، وغابت فيه معالم الحياة المدنية. انه جيل لم ينتظم في الصف بانتظار ان يصل الى شباك التذاكر كي يدخل السينما او المسرح كالسابق، ولم ياته قاطع التذاكر في حافلات نقل الركاب او (المصلحة) كما تسمى شعبيا، ليقطع تذكرة مكتوب عليها عبارة (ساعد المحصل باصغر نقد كاف)! ولم يجد الانضباط في الشارع، ولا النظافة، ولم يجد ايضا الرصيف الذي يسيرعليه، ثم جاءت الطامة الكبرى بعد الاحتلال الذي اشاع ثقافة السلاح والموت المجاني والفوضى ، اي ان ابن العاشرة الذي تربى في ظل الحصار استمرت معه هذه الفوضى وبشكل اقسى، ليصبح رجلا وهو لايعرف، ان بلده كان في مقدمة بلدان المنطقة من حيث التحضر والمدنية والرخاء الاقتصادي الى حد ما، وهنا تكمن صعوبة المهمة التي تواجه الدولة العراقية والقائمين عليها، ان كانوا جادين في بناء المجتمع من جديد على اسس صحيحة، اي ان البناء يجب ان يستحضر اشاعة قيم المدنية والضبط الوظيفي والسلوكي في مؤسسات الدولة وفي الشارع، وفي المدرسة، وفي كل مكان ليتعلم الجيل الجديد الاشياء المثالية، وان لم يطبقوها كلها. وكذلك لينتظم من سبقهم في الحياة الجديدة التي ستفرض ايقاعها على الجميع.

لم اتحدث عن التاثيرات السياسية لهذا ، لاننا عشناها ونلمس اثارها اليوم، لكني على يقين من انه اذا ما اشيعت الحياة المدنية وانتظمت الاشياء، فان السياسة والموقف منها وفهمها بشكل صحيح سيكون تحصيل حاصل .. بالضرورة!!

لا تعليقات

اترك رد