التطرّف


 

بداية , وعندما أردت أن أكتب عن التطرف , وجدت أن التطرف هذا قد ملأ الجزء الأكبر من حياتنا ومجتمعاتنا , بل وحديثنا وإتهام بعضنا لبعض .

بل أن كثيرا منا عندما ينعت شخص لا يتوائم مع فكره أو طريقة حياته فيقول عنه أنه متطرف .
فهل عندما يصف شخص شخصا آخر بأنه متطرف , هل يكون منطبقا عليه هذا الوصف ؟
أم أن تلك الكلمة أصبحت متداولة دون إدراك لمعناها ودون معرفة بها ؟
وهل فعلا يوجد علاج لها في حالة وجودها في شخص ما ؟
فما هو التطرف ؟
التطرف من وجهه نظري هو سلوك من شخص يتسم بأنه يزيد عن حد الإعتدال سواء في الفعل أو عدم الفعل .فهو خروج علي القواعد الفكرية والأساليب والمعايير السلوكية الشائعة في المجتمع .

وأن الشخص عندما يتبني فكرا معينا فأنه يدافع عن فكره وعن المباديء التي يؤمن بها بكل قوة , ويصل للعنف أحيانا .
والشخص المتطرف لا يقبل نقاشا حول تغيير تفكيره في أمر معين لأنه يعتقد أن تفكيره وقناعاته فقط هي الصحيحة .
بل أنه إذا زاد التطرف عن حد معين فأنه يحول الشخص لكاره لكل من يخالفه الرأي ويجعله يخلق مما يخالفون فكره أعداء .
ولذلك فإننا نري عندما تخرج أي جماعة بفكر متطرف فإنها تستعمل العنف ضد المجتمع الذي يخالف أفكارها ولا يؤمن بمبادئها .
وليس التطرف دائما في الفعل , فقد يكون التطرف أيضا في الترك .

فمثلا التطرف الديني ممكن يكون بالتشدد في الفرائض وتطبيقها , ومكن يكون أيضا بالإلحاد وعدم الإيمان والبعد عن الدين كلية.
ويوجد التطرف في الدين أوالعلاقات الشخصية أو العمل أو كثير جدا من نواحي الحياة .

كما يوجد تطرف في المظهر وطريقة إرتداء الملابس ليظهر البعض أنه علي قدر من التحرر أو علي قدر من الإلتزام .

والشكلة أن أغلب الأشخاص المتطرفين يميلون إلي إستعمال العنف في تصرفاتهم وفي توصيل أفكارهم . وقد يكون هذا العنف لفظيا أو سلوكيا أو يتطرف البعض فيري العزلة عن المجتمع هي الحل لأن المجتمع لا يوافق علي أفكاره ويرفضها , فيجد الإبتعاد هو السبيل وذلك نوع من التطرف الذي يؤدي غالبا بالشخص إلي الإكتئاب وعدم القدرةعلي العمل والعطاء .

وأسوأ أنواع التطرف هو التطرف الديني لأن الشخص المتطرف دينيا يكفر غيره ويري نفسه هو الوحيد الذي يعرف ربه ويرضيه , وينظر للآخرين نظرة إحتقار تملأها الثقة بأن من علي غير فكره وقناعاته سوف يذهب إلي النار , بل أنه غالبا لا يتخيل إطلاقا أن الله غفور رحيم , ولا ترتضيه فكره أن من يذنب ممكن أن الله يغفر له ويتساوي معه – من وجهه نظره طبعا- ويدخل معه الجنة .

بل إن التطرف قد يتسبب في الغلو الشديد منه في إقدام الإنسان علي إنهاء حياته بيده , والإقدام علي الأنتحار ليدخل الجنة أسرع كما يعتقد هو .

وللتطرف أنواع فيوجد تطرف إجتماعي وتطرف سياسي وتطرف ديني
ومن التطرف الإجتماعي التعالي من بعض البشر علي البعض الآخر , ونظرتهم أنهم أفضل من غيرهم مجتمعيا .
وذلك يحدث من بعض الأغنياء وتعاليهم علي الفقراء أو من بعض ذوي الحسب وتعاليهم علي الطبقات الأخري , أو بعض أصحاب المناصب وتعاليهم علي العامة من الشعب .

وذلك موجود منذ بدء الخليقة , فكثيرون يرفضون مصاهرة غيرهم لأنهم يجدون أنهم أقل منهم قدرا أو مالا .
ويوجد كذلك التطرف السياسي وغالبا التطرف السياسي والديني يؤدي إلي صراعات كبيرة جديدة وعنيفة جدا تصل إلي حد القتل وتؤثر علي المجتمع تأثيرا سلبيا كبيرا

ومن نتائج التطرف عموما التأثير سلبا علي التطور الفكري والتقدم العملي بسبب إهدار الطاقات الإنسانية والبشرية والفكرية وإستخدامها فقط في العنف .

ويؤدي إلي التدهور الثقافي والعلمي والفني وقتل أي إبداع لدي الشخص لإنشغال العقل والفكر بالتدمير والعقاب والإنتصار علي مخالفيه .

بل إن التطرف في أسوأ حالاته يقسم المجتمع إلي طوائف تحارب بعضها بعضا مما يؤدي إلي القضاء علي دول بأكملها .
لذا لزاما علينا جميعا كأفراد وكدولة محاربة هذا التطرف في كل صورة من صوره .

والسؤال هل القانون يعاقب علي التطرف ؟
وكيف لنا كمجتمع وكدولة معالجة التطر ف؟
أو من الناحية القانونية فهل هناك عقاب علي الأفكار المتطرفة . بالطبع لا يوجد عقاب علي الفكر مالم يخرج من حيز الفكر إلي حيز التصرف والتنفيذ .
وكذلك لا يوجد عقاب علي الفعل المتطرف طالما لا يوجد في قانون العقوبات نص يجرم الفعل . حيث لا جريمة ولا عقوبة بغير نص .
والأهم كيف لنا كمجتمع وكدولة مجابهة هذا التطرف ومحاربته والقضاء عليه ؟

بالطبع الحل الأول والأمثل هو الديمقراطية بإتاحة الفرصة للنقاش مع هؤلاء المتطرفين . ويكون النقاش من أشخاص ذوي علم وخبرة وقدرة علي الإقناع .
وكذلك بعرض المشكلات عبر وسائل الإعلام والحديث عنها وعدم تجاهلها . فالقائمين علي أي دولة يعرفون طريقة تفكير وسلوك أفرادها , وبالتالي يعرفون الفكر المتطرف ويعرفون كيف يحاربونه بالفكر المضاد .

فعلي سبيل المثال عند محاربة الفكر المتطرف الديني فيجب إستضافة علماء لديهم القبول والقدرة علي الإقناع ليتحدثون عبر الإذاعة وشاشات التلفاز والجرائد عن سماحة الدين ويذكرون مواقف من مواقف الصحابة والتابعين والرسول صل الله عليه وسلم توضح مدي تسامحه وتسامحهم في السلوك مع الآخرين .

وفي التطرف السياسي مثلا يكون محاربته بنشر أكبر قدر من الديمقراطية في التعبير وفي إتاحة الفرصة لكل شخص في التعبير عن رأية وفي حرية إختياره دون شعور أنه مضطهد لأنه لا يينتهج سياسة الدولة في أمر ما .

وأن يتم ببث برامج توضح وتشرح الأفكار السياسية وأن الحرية هي العامل الأول فلا تقوم خيارات علي أي أساس غير الإقتناع المجرد من الأهواء.

فلا يتم إختيار مثلا بعض المرشحين لمجرد القرابة أو لإعتبرات قبلية أو وعود بمنافع شخصية .

ويمكن محاربة التطرف الإجتماعي والذي هو غالبا أقوي التطرفات والتي ليس من السهل القضاء عليها وذلك لأنها منذ الأزل ونشأت لإعتبارات عصبية وقبلية تأصلت , ثم نمت و إزدادت فأصبحت لفروق مالية وأوضاع وظيفية .

ولكن يمكن القضاء علي ذلك التطرف المجتمعي عندما يشعر الفرد بأن الدولة لا تفرق بينه وبين أي شخص فيها وتكون الحقوق والواجبات بالتساوي الفعلي وليس كمسمي فقط ولا كنص مادة قانوني كما هو منصوص عليه بالدستور وإنما كواقع متعايش .
عندئذ سوف يقل التطرف المجتمعي .

والتطرف حقيقة هو من أسوأ الامراض النفسية والسلوكية التي تصيب البشر عموما , وأتمني أن نتخلص منه لخلق مجتمع سوي قادر علي العمل والعطاء والتقدم .

لا تعليقات

اترك رد