الاعلام سلاح العصر ذو الحدين..دمار او إصلاح


 

مع تطور الثورة المعلوماتية تطورت أدوات صناعة الاعلام التي تشكل في واقع الأمر السلطة الرابعة بشكل غير رسمي لأنها تراقب السلطات الرسمية الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية.

هذه السلطة غير الرسمية هي العين الساهرة للمجتمع للحفاظ عليه دون الظلم والإجحاف . وهنا تأتي أهمية حرية التعبير عن الرأي التي تمنح المواطن إمكانية الإعلان عن مواقفه تجاه قضايا تمسه وتمس حياته بواسطة الإعلام، أي أداة التعبير عن رأيه ليحول دون ضياع حقه وحق الجتمع بواسطة السلطات الثلاث…وهذا هو الدور الأساسي لوسائل الإعلام كسلاح للدفاع عن الحريات الفردية والإجتماعية وفقا للقانون .

يفترض أن يكون الاعلام أداة المواطن وسنده وسلاحه لمواجهة الصعوبات و للدفاع عن الأمن الفردي والإجتماعي، إلا أنه الأمور ليست وردية كما نشاء ففي احيان كثيرة تاتي الرياح بما لا تشتهي السفن ، لان حقيقة هذا السلاح في الواقع هو ذو حدين فتارة يصبح أسيرا وبيد السلطات نفسها التي يريد مراقبتها وتارة أخرى يتحول إلى سلاح بيد الباحثين عن الشهرة والمال .

وهنا يأتي دور بعض الاقلام الماجورة التي تصطاد بالماء العكر لتستغل قوة “السلطة الرابعة” وتسخر إمكانياتها الهائلة لصالح فئة معينة أو نظام معين أو اتجاه او عقيدة معينة، دون الالتفات لاحتياجات وإهتمامات الفرد والمجتمع، وتعمل بشكل مباشر أو غير مباشر بهدف تكوين أفكار ونشر مفاهيم وصياغة معتقدات لصالح سلطة مالية أو دينية أو سياسية، دون الأخذ بعين الإعتبار الأسس والتشريعات التي تخدم الشعوب والمجتمعات.

وعلى هذا النمط يمكن القول أن الإعلام سلاح خطير وشديد الأهمية قد يفوق احيانا انواع كثيرة من الأسلحة الفتاكة نظرا لإمكانياته الهائلة في الغزو الفكري والثقافي والحضاري ليكون عجينة يمكن تسخيرها لصالح الخير أو تجييرها خدمة للشر ، بحسب مصلحة أو توجه من يستخدم هذه الاسلحة .

لا يخفى على أحد أن ثورة وسائل التواصل الإجتماعي وضعت سلاح الإعلام بكل قوته بأيدي الصالح والطالح وهذا ما نجده جليا في نمو وانتشار الإشاعات والاكاذيب بسرعة البرق في الفيسبوك والتويتر والاينستغرام وغيرها من شبكات التواصل الاجتماعي وباتت سمعة الناس معرضة للخطر لأن الرقابة الإيجابية على هذه الوسائل صعبة للغاية وليست من السهولة التحكم بها ،وتحولت هذه الوسائل ساحة حرب إعلامية حديثة تارة تراها في خدمة قضايا الشعوب والأهداف الإنسانية النبيلة وتارة أخرى تخضع للمال والقوة فهي تحاصرنا وتخترق حياتنا الخاصة دون إستئذان وباتت خصوصية الأشخاص مهددة . ولا تزال قوانين تنظيم أنشطة وسائل الإعلام الحديثة هذه في مراحلها الأولى ، لذا ضحايا هذا السلاح سيبقون معرضين لأخطاره لأجل غير مسمى.

ولا ننسى هنا التطور العددي السريع للقنوات الفضائية التي غزت كل بيت ووصلت المجتمعات من كل حدب وصوب، ساعدت في هذا الانتشار وكادت أن تكون الأسلحة الأكثر فتكا في مجال الإعلام ،فلو استخدمت لخدمة المال والسلطة بدلا من خدمة المجتمع وتخلت عن خدمتها للاهداف الإنسانية النبيلة وسارت في ركاب المال والسلطة ، فإنها ستكون بمثابة اسلحة دمار شامل من العيار الثقيل من حيث الفعل والتأثير في كل مجالات الحياة اجتماعيا وفكريا وثقافيا وإنسانيا .

ان الاخطر من كل ذلك أن تتحول وسائل الإعلام المقرؤة والمرئية إلى أدوات بيد الإرهاب والتطرف والطائفية والجريمة المنظمة التي تمارس من قبل فئات أو حكومات ونرى بأم أعيينا كيف يروج أصحاب الأجندات المتطرفة والطائفية والإرهابية لعقائدهم الظلامية مستغلين الثورة الإعلامية.

وكي نعرف أهمية ودقة الإعلام ينبغي علينا أن ندرك بأن التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات وانتشار القنوات الفضائية ومواقع التواصل التي حولت العالم حقا إلى قرية صغيرة، ساعد هذا التقدم بشكل واضح وجلي في تطوير “صناعة الاعلام” بكل ايجابياتها وسلبياتها وهي ترتكز في عملها على ثلاث مقومات أساسية وهي المرسل والمتلقي وطريقة الإرسال .. وتعتبر طريقة الإرسال هي الأقوى والأكثر تأثيرا وهنا يأتي دور المرسل في تحديد نوع الرسالة التي يبثها سواء إيجابية كانت أم سلبية وبناءا على هذا فإن المرسل إن اتخذ من سلطة المال والسياسة أو سلطة الإرهاب والتطرف حليفا له ،سيكون بإمكانه التحكم في تكوين العقل الجماعي وتنظيم الرأي العام وخدمة اجندات واهداف لطالما سعت تلك السلطات لتحقيقها .

لذا ينبغي على الاعلام الابتعاد عن الأنانية الفردية والفئوية والمصالح الضيقة بغية جعل صناعة الأعلام سلاح يدافع عن الإنسانية ويخدم البشرية ،ومن هنا يقع على عاتق الاعلام مسؤولية توعوية وتربوية مهمتها نشر أسس الوعي الثقافي والتعليمي والسياسي للفرد والأسرة بهدف خلق مجتمع متطور ومنتج وبناء جسور متينة من التواصل بينه وبين المتلقي نظرا للدقة والحساسية الشديدة التي تؤثر على صعيد مستقبل المجتمعات البشرية برمتها .

اذن لابد أن تكون لنا وقفة عند هذا السلاح الخطير وتأثيره الفعال على الناس عامة للحيلولة دون انتشاره السلبي من خلال قلب المفاهيم وتسييره أو تسخيره او لصالح من يتحكم فيه، وينبغي لمن يتحكم فيه أن يدرك بأنه يحمل أمانة إجتماعية وانسانية في الدرجة الاولى .

ومن هنا لابد من التكاتف عمليا لنشر الوعي الثقافي في المجتمع وان نتخذ من هذه الصناعة المتطورة سبيلا للحق ومؤازرة للمظلوم وتحقيق آمال الفرد وطموحات المجتمع بما يتناسب والمصالح العامة كي يتمتع كل منا بحياة حرة كريمة في أمان وسلام دون قهر أو خوف أو قلق .

19 تعليقات

  1. احسنت
    الاعلام هو الأساس فعلا، وللأسف بعض الشواذ في هذه القرية الصغيرة هم من يحاولون إعادة توجيه عجلة الاعلام الصحيحة والصادقة الى أداة تشوية واختراع الأكاذيب وتجهيل الامة.

  2. كفيت ووفيت استاذة ليلى .. فعلا شابوه
    أحسنتي لطرحك هذا الموضوع الذي اصبح عدوا وحليفا في نفس الوقت

  3. موضوع مميز ست ليلى … واعتقد لايوجد اثنان اليوم يختلفون على ان الاعلام لايشكل خطر على المجتمع وخصوصا على العقول المنغلقه نوعا ما بعد تطور التكنلوجيا وكأننا اصبحنا مكشوفين لكل شي

  4. كفيت ووفيت استاذة ليلى …فعلا شابوه
    بصراحة موضوع مهم جدا بل ومن اهم القضايا التي لابد ان تطرح وتناقش
    أحسنتي

  5. فعلاً الاعلام سلاح ذو حديين وسلاح خطير جداً . تجد اليوم هذا السلاح بيد ثلاث مجموعات اولهم الانتهازيين والمطبلين للسلطات وثانيهم عند من يحمل لواء المعارضة وايضا يستفيد من موقفة وثالثهم بيد الفرسان الحقيقيين ولكنهم قليلين جدا في زمننا هذا …. تحية لكي المبدعة ليلى عيسى

  6. اولا تحياتى ليكى على هذا الموضوع الهام جدا جدا . وفى جملة واحدة رأى ان الاعلام فى زماننا هذا اما ليغى نهائيا افضل من الاثار السلبية التى ترتب عليها تغير المجتماعات العربية للأسوء فى كل شئ . واما يظهر اصحاب الضمائر اليقظة و يحاولوا اعادة هيكل شكل الاعلام لما يتناسب مع المتطلبات الاخلاقية و تطوير المجتمعات . وشكرا

  7. ليت كل إعلامي صاحب قلم شريف يفهم الرسالة التي توجينها لهم لانهم فعلا يتحكموا بمصائرنا … اشكر الاستاذة ليلى على هذا الطرح الراقي للموضوع وأتمنى مزيد من التقدم والنجاح

  8. الإعلام الناجح هو من يكون دائما له هدف واحد.فقط .هو الصدق والشفافية .بكل شي ..فعلا نحن بحاجة إلى إعلام خالي من الشوائب ومن التصدعات الغير مقبولة …تحياتي واحترامي لقلمك ونقاء روحك واسطر مقالك الراقي دوما .ليلى الراقية

  9. قال جوبلز ..أكذب ثم أكذب ثم أكذب إلى أن يصدقك الناس أو يعلق شيئ..وهذا وان دل..فإنه يدل على أنه منذ أن تحول الإعلام من أداة تثقيف وتوجيه وتوعيه..إلى أداة للدعاية الحربية والحزبية والطائفية والعقائدية سواء السياسية منها أو الدينية..عندها تحول الإعلام من أداة للبناء إلى أداة للهدم..ومع التطور السريع للاعلام ..ولد معه ألف ألف جوبلز وتطورت ادواتهم بالكذب..نعم الأستاذة الفاضلة ليلى عيسى الإعلام سلاح ذو حدين..لم يستخدم منه الا… حدا واحد.

  10. قال جوبلز ..أكذب ثم أكذب ثم أكذب إلى أن يصدقك الناس او يعلق شيئ..وهذا وان دل ..يدل على أنه منذ أن تحول الإعلام من أداة تثقيف وتوجيه وتوعية وإرشاد..الي أداة للدعاية السياسية والحزبية والحربية والعقائدية.. سواء السياسية منها أو الدينية ..تحول الى ادة للهدم بعد أن كان اهم أداة من أدوات البناء ..ومع تطور أدوات ووسائل الإعلام السريع..ولد مع هذا التطور ألف ألف جوبلز ..متعدد العقائد والتوجهات..وتطورت أساليب الكذب والهدم..الأستاذة الفاضلة ليلى عيسى..أي نعم الاعلام سلاح ذو حدين لم يستغل منه الا …حدا واحد.

  11. صحيح كلام جميل الاعلام هو سلاح ذو حدين اما عمار او خراب جميل جدا احسنتى وديما فى تقدم يااارب

  12. إن العالم اليوم منقسم على خياراته السياسية ، فكل منهم يستعمل الاعلام بجميع اشكاله وباقصى حدوده لدع هذه الخيارات ، محقة كانت هذه الخيارات او غير محقة والمعلومة صحية كانت او مفبركة المهم لكن المهم ان يكون هذا الاعلام في خدمة مخططاته ، وكما ان التاريخ كتبوها الاقوياء ( كتاب وابواق السلاطين ) ، والمؤسف اليوم ايظاً الاعلام بيد الاقوياء من الذين يمتلكون السلطة والعلم والقدرة والمال وهم يظخون بكمٍ هائل من المعلومات المغالطة والغير حقيقية على قاعدة اكذب ، اكذب حتى يصدقك الناس ، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها غزو العراق وتدمير سوريا وبعض الدول الاخرى ، وآخر هذه المعلومات المفبركة ما اعلنته اليوم الاجهزة الأمنية المصرية بألقاء القبض على مجموعة كانوا يقومون بفبركة صور وافلام وانتسابها الى احداث وقعت في حلب ، وهذا هو الوجه المدمر للأعلام والمعلومة الصحيحة والشفافة
    ان ما موجود اليوم من اجهزة حديثة للتواصل الاجتماعي تحت ايدينا وان كانت مخترقة من قبل اجهزة عالمية ومحلية ، فهي بلآخر شرٌ لابد هنه طالما اصبحنا لا نستطيع الاستغناء عنه ، وفي اكثر المواقع اذا حُسنَ اسعماله فهو مفيد ايظاً اذ يقرب المسافات ويجمع بين المتباعدين ويسهل الوصول الى المعلومة العلمية والمهنية واستعمالات اخرى كثيرة . شكراً سيدتي مع تمنياتي لك بلتوفيق .

  13. لواء دكتور حفنى خليفه
    مصر
    احسنت أستاذتنا ليلى . مقال رائع مزدوج المحاور وهو اُسلوب رفيع ومنهج فريد اذ يجمع الحديث بين الدمار والإصلاح وبين الاعلام والتكنولوجيا وبين مسؤلية الفرد ذاتة متبقى الرساله الاعلاميه وبين الاعلامى مرسلها
    ان الحديث نظرة فوقية هاويه لايليق ان يتعمق ليمس دور للسلطه والمال والتوجه دون الحياديه
    سيدتى ان هذا المقال هو أساس متين وعلمى لدكتوراه او ما بعدها دون أية مجامله انها نظرتى المتواضعة
    حياك الله ومزيد من هذا الفكر

  14. احسنتي يادكتوره ليلي لان الاعلام دوره الحقيقي نقل الحقائق للناس بدون تزييف اوتضليل ولابد ان يتسم بالنزاهه والحياديه وان يعمل علي تسليط الضوء علي السلبيات من اجل مجتمع راقي وحياه افضل

  15. تحياتي لصاحبة العقل والقلم الذهبي
    يبدو انه زمن الاعلام
    فمن يملك المايك والكاميرا يملك السلطة وربما المال وهنا على السلطات مراقبة أصحاب المايك والكاميرا والقلم ايضا تشريعيا وتنفيذيا حماية للاوطان

اترك رد