أنشودة الحياة – الجزء الثالث (نص مفتوح) – ٥٣


 
(لوحة للفنان صبري يوسف)

٥٣

تدمي قلوبَ الأشجارِ
تجرحُ صمتَ الجِّبالِ
تلطِّخُ حبقَ الرَّبيعِ
تعكِّرُ الماءَ الزُّلالِ

عيونٌ مغبَّشةٌ بالضَّبابِ
شموخٌ على أنقاضِ (الكراتينِ)
رؤى مشنفرة بالسُّمومِ

الأرضُ أكثرَ بركةً مِنَ الإنسانِ
أكثرَ عطاءً
أكثرَ خيراً

استقبلَتْ الأرضُ الإنسانَ
منذُ فجرِ التَّكوينِ

حضاراتُ الإنسانِ بُنْيَتْ
على وجهِ الأرضِ
أليسَتْ ناطحاتُ السُّحابِ
مرتكزةٌ على صدرِ الأرضِ؟

تخبِّئُ الأرضُ بينَ أحضانِهَا
كلَّ ملذَّاتِ الحياةِ
تغدقُ خيراتِها على الكائناتِ
كلَّ الكائناتِ

لا تميِّزُ كائناً على آخر
هي أمُّ الكائناتِ
نهايةُ الكائناتِ

يولدُ الإنسانُ فتستقبلُهُ الأرضُ
بنسيمٍ عليلٍ
بأكاليلَ الورودِ
تهبُهُ عطاءاتٍ من لونِ السَّماءِ

كَرَمُ الأرضِ يضاهي
كَرَمُ الإنسانِ بآلافِ المرّاتِ
يتمتَّعُ الإنسانُ بجاذبيّةِ الأرضِ
بكنوزِ الأرضِ
خيراتُ الأرضِ لا تُحصى
جبالٌ مكتنـزةٌ بالوفاءِ
الأرضُ هي روحي الّتي أتنفَّسُ بها
هي أمِّي
هي أبي
هي أخي
هي أختي البكرُ

الإنسانُ ضئيلٌ جدّاً
أمامَ جبروتِ الأرضِ
أمامَ عبقريّةِ الأرضِ

يحتاجُ الإنسانُ
ملايينَ السِّنينِ الضَّوئيّة
كي يفهمَ جزءاً بسيطاً
من أسرارِ الأرضِ

لا تعطي الأرضُ
أسرارَها الحميمةِ للإنسانِ
الإنسانُ غيرُ وفيٍّ
غيرُ جديرٍ بمعرفةِ خبايا الأرضِ
الإنسانُ يجنحُ نحوَ الجَّشعِ
تتمحورُ في لبِّ الإنسانِ
أنانيّةٌ لا تليقُ بكرمِ الأرضِ
يولدُ الإنسانُ في صباحٍ باكرٍ
عالقاً بينَ جناحيهِ
ندى الحياةِ

ينمو
وتنمو معه بذورُ الفسادِ
يلتقطُ من قاعِ الأرضِ
ترَّهاتِ الحياةِ
تاركاً كَرَمَ الأرضِ
خيراتِ الأرضِ
كنوزَ الأرضِ
متشبِّثاً بقشورِ الأرضِ
المغلَّفةِ بالغبارِ
متشبِّثاً بإيديولوجياتٍ معفَّرةٍ بالدَّمِّ

بعيدٌ بُعْدَ الأرضِ عنِ السَّماءِ
عن جوهرِ الأرضِ
عن مغزى الحياةِ
عن شهقةِ الصَّباحِ

يموتُ الإنسانُ فتحتضنُهُ الأرض
اِحتضاناً سرمديّاً
تستوعبُ الأرضُ قباحاتِ الإنسانِ
لا تميّزُ الأرضُ الأشرارَ عَنِ الأخيارِ
تحتضِنُهُم جميعاً
عبرَ رحيلِهم الأبديِّ

الأرضُ تحملُ بينَ أحضانِهَا
أريجَ القداسةِ
ترشرشُ بركاتَها عبرَ زخَّاتِ المطرِ
عبرَ أمواجِ البحارِ

شتَّانَ ما بينَ الأرضِ والإنسانِ
بحارٌ من الفسادِ تترعرعُ
بينَ أجنحةِ الإنسانِ
بحارٌ مِنَ الخيراتِ
تولدُ يوميّاً من أحشاءِ الأرضِ

لا تعليقات

اترك رد