عن الفوضى والعبث والجنون !


 
(لوحة للفنان جاسم محمد جاسم)

استكمالاً لحديثي السابق عن افتراض اللغة، بكونها تفسيراً نهائياً للحياة، وبوصفها الإطار الذي يضم تنويعات الوجود برمتهِ، وهو افتراض لا يدعمه سوى عجز الإنسان عن الاهتداء إلى تفسير اقل ضرراً وصعوبةً عليه. فاللغة أسهل التفسيرات المتاحة للوجود الغامض المريع، وجود قاتل منذُ لحظة الاحتكاك بغلاف بطن رقيقة حتى لحظة الاصطدام بأرض قاسية رطبة !

بين الاثنين، يبقى الفرد إن قُدر له، أو تجرأ على استخدام عقله كما يقول كانط، أسيرا لهاجس التفسير اللا مألوف، التفسير الخارج عن متون التوارث، الانتقال، السلالات، إلى اجتراح فهم خاص، بعيداً عن اللغة وتعقيدها .

يمكن حينئذ ان تكتشف ان ثمة وسائل يمكنك معها الصمود ومواجهة العسف اللغوي، لكن ما هي وسائلك الجديدة لمواجهة سذاجة تفاسير اللغة ؟

في الواقع كلنا تزودنا الطبيعة، بمضادات للتفاهة والسطحية، مضادات تقينا الوقوع في فخ الميتافيزيقا المخدرة. اعني تمنحك الطبيعة قدرة هائلة على العبث، والفوضى والجنون حتى !

لكن الذي يحصل، ان ثمة تضامن غير معلن، بين من ساهما بتكوينك البايلوجي، والمجتمع المحيط الذي سيساهم في تكوينك السايكولوجي، في ردم هذه الفراغات القابلة للامتلاء بتفسيرات لا مقدسة عن الحياة، سيتفقان على قمع روحك الأولى، لإحلال روح أخرى بديلة، مسالمة، مطمئنة للوجود، مستسلمة، وديعة، راغبة في الاجتماع، عازفة عن الفردانية، سيحشوانك، بقيم بديلة، ينزعان عنك وحشيتك الأولى، لصالح مدنية الموجود المتسالم على قبوله لا صحته بالتأكيد !

الترويض الذي يمارسه الطرفان بحقك، كفيل بنزع جلدك العبثي، الفوضوي، المجنون، وسترتدي تحت ظلالهم، جلداً بديلاً، فالمجتمع لا يحتمل المزيد من العبث، الفوضى، الجنون !

في مجتمعات دينية كالتي نعيش في كنفها، ثمة فوبيا من وجود لوني مغاير، اللون الديني، اكثر الألوان وداعةً، اكثرها قرباً من الحقيقة! هذا الادعاء الذي لا يخضع لأي للمناقشة، او الرفض او الاحتجاج !

كيف تنجو من محرقة الترويض هذه؟، لا ينجو حتى أولئك الذي يصابون بهواجس العبث، الميل نحو الفوضوية، الإشهار بالجنون، هذه الفئات سيجري في اللاحق، ان نجت من المحرقة الأولى، ترويضها، مرةً بأساليب ناعمة ( مناهج التعليم المستمدة من قيم ما ورائية- مؤسسات خدمة اجتماعية تنخرط لاكتشاف مواهبك، وهي في واقعها مؤسسات قلع أظافر الاختلاف، ودمج الشواذ في قطعان الجماعات)، حين تفشل هذه المؤسسات مجتمعةً، فلا حل سوى القمع !

القمع الاجتماعي الذي يبدأ من النفي الداخلي، إلى الإقصاء، إلى العزل مروراً بالتنميط والقولبة، وصولاً الى التصفية، فمجتمعات مثل هذه لا ترضى ان يتنطع المتنطعون، وأن يشذ عن قطيعها الشواذ فذئاب الشياطين ستكون بالمرصاد ! وللحديث صلة ايضاً…

لا تعليقات

اترك رد