نساء لطفية الدليمي في الليالي السومرية..فهم للتراث وموقف منه

 

التراث تأريخ غير رسمي ، جامع لما هو واقعي وخيالي ، ما هو حقيقي ووهمي ، ذاكرة جمعية لسير وحكايات الإنس والجان و الخالدين من الآلهة والفانين من البشر في نصوص من السرد كنصوص الوجود والخليقة والموت والطوفان ، تلك النصوص الطليقة الدينامكية الشاملة الحيوية المتجددة والدافقة، نصوص تمضي فيها الفكرة من صيغة الحكي إلى صيغ التمثل الشعري والترميز والتلغيز والتكرار الذي تستدعيه الصياغات الملحمية والدينية في سفر سومر وبابل. وإذا كان القصد من التعامل مع التراث تصحيح ما يحدث فيه أو قد يحدث ، لا إحيائه فان المسرح هو الأقدر على التناغم مع تلك الصياغات عبر تطويع المادة التراثية واستثمارها في البناء الدرامي الرابط بين المسرح والتراث. ولقد حالت الأنفة دون توفر كاتب يخوض في ذلك المسرح الذي يرتبط بأساطير شعوب وثنية مقابل استقرار معاني الإسلام في النفوس استقرارا لم يسهم في دعم استمرارية ما كان في بابل وآشور والفراعنة والفينيقيين من مسرح كانت له وظيفة تراعي زمنها وضروفها مثلما سمح لأنماط مؤسسة على الراوي أو المداح أو الحكواتي أو القوال أن تعج في أوساط المسلمين عبر أشكال تعبيرية غير فاعلة في الصيرورة الثقافية إلى أن جاء مارون النقاش في العام 1848م ليغاير ما أتت به هذه الأنماط عبر مسرح منظم يستمد حيويته العارمة وتألقه الدائم من نهله المستمر من التراث ، مخترقا العوامل التي أجهضت استمرارية المسرح كي يغترف من المنبع ويعيد صياغته بما يوازي نهجه العقائدي السائد ومستثمرا حرية التحوير على اعتبارها منفذا للتعبير عن المنجز الإبداعي المستند على الركيزة وحصيلة التجربة التي تحدد موقفه من الحياة دون اختراق التابوات أو المساس بها خوفا من فتوى قد تحرم اللعب على خشبة المسرح على اعتباره موطنا للدنس
المولعون بالتراث العراقي القديم يجدون فيه اليوم إبداعا فنيا مدهشا وقيمة أدبية متجددة ومصدرا غنيا للاستلهام ما أغرى مبدعة عراقية كبيرة كلطفية الدليمي أن تفتش عن مصادر إلهامها القصصي والمسرحي فيما بعد في ثنايا الملاحم والأساطير الرافدينية والتراث الإسلامي بالتحديد (1 )

نشأت لطفية الدليمي ( 2 ) مع جيل علماني و محيط محتدم بالتصورات السياسية وأحلام اليوتوبيا الأرضية وفسحات من الحرية وتواصل مع تيارات فكرية مختلفة ما دعاها لأن تجتهد في اكتشاف طريقها الخاص عبر البحث والتجريب كي تتوصل إلى اسلوب ولغة تميزان نصها الإبداعي المتسم بحريته وتجلياته ، ذلك لأن الكتابة عندها هي المضاد للعقائد المتشددة والمعبر إلى ممكنات الحرية0 وفي تعاملها مع تراث سومر وبابل استلهمت ثيمات الملاحم والنصوص وفجرت المواقع المحملة بالرؤى 0 واسطرت الوقائع الراهنة في إطار نصها المغاير للنص الاسطوري الذي غالبا ما تخترقه مدخلة فيه أبنية جديدة لمواقف وشخصيات تبتكرها مع الحرص على أن لا تنسف دور المصدر وسطوعه خلال أجزاء من النص الجديد . قد تتجنب قدسية شواهد الماضي القريب لتغور في السحيق منه عبر وعي متقدم وموقف واع لذات خلاقة تؤطر منجزها بوجهة نظر لموقف تأويلي ينهض نصها على رؤية فكرية تحرك أقنعته بما يكشف عن البيئة الأيدلوجية التي تتحكم بالصراع المقنع برداء الاسطورة والمغاير للصراع في الاسطورة الأم بعد أن آمنت بتشكل وعي المبدع من معطيات تؤثر في تأسيس شخصيته ، ما قد يدعوه إلى استخدام النفس الاسطوري في كتابة نصوص معاصرة ذات بعد كوني تختص به الاسطورة ، تلك التي تلج في الإيمان الديني وطقوس العبادة وأسرار الوثنية عبر خيال رمزي فسر به الإنسان مشكلات المصير البشري.

ومن اهاب الاسطورة خرجت الملحمة ، تلك الصيغة الفنية الملائمة للعصر البدائي في تغلب الخيال والانفعال على العقل ، ويمكن لملحمة جلجامش أن تمثل هذه الصيغة.

ترجع ملحمة جلجامش في أصلها السومري إلى مطلع الألف الثالث قبل الميلاد ( 4 ) وهي بذلك من أقدم النصوص الأدبية المعروفة بما فيها نصوص هوميروس المتمثلة بالإلياذة والانياذة اللتين جاءتا بعد الملحمة بأكثر من ألف عام 0ويمكن متابعة تطور هذه الملحمة عبر العصور الاكدية والبابلية والآشورية من خلال تعدد نسخ الملحمة العائدة إلى أزمنة مختلفة.

ولما كانت هذه الملحمة تحمل تفسيرا لصراع الإنسان مع الحياة وبحثه عن سر الوجود من خلال قلقه من الظواهر الطبيعية فإنها تناولت من خلال مغامرات بطلها ( جلجامش) مواضيع إنسانية حساسة مازال الكتّاب يتناولونها على اعتبارها من مكونات السلوك النفسي الإنساني في كل الأزمنة والأمكنة ، من خلال توظيف الملحمة في خلق عمل فني يستمد حيويته وأبعاده وشموليته من تلك الملحمة .
يظهر جلجامش في ملحمته ملكا مؤلها،ثلثاه اله وثلثه الآخر بشر..وعلى الرغم من صفة الإلوهية التي يحملها تكوينه الإنساني الاسطوري فانه ظل كأي إنسان عادي يخاف ويقلق من نهايته المحتومة.

(( كان طوله احد عشر ذراعا وعرض صدره تسعة اشبار0ثلثان منه اله وثلثه الآخر بشر0وهيئة جسمه مخيفة كالثور الوحشي0وفتك سلاحه لا يصده شيئ0 وعلى ضربات الطبل تستيقظ رعيته )) ( 5 )
تعسف جلجامش بالشعب واغتصب العذارى (6 ) ولم يدع حبيبة لحبيبها حتى ضج منه الشعب وصلى للآلهة أن ترسل لهم من ينقذهم من جوره 0تستجيب الآلهة فترسل لهم انكيدو ولما عرف به جلجامش خشي بطشه وحين يلتقيان يتصارعان ثم يصبحان صديقين حميمين ويقتلان في غابة الأرز المارد خمبابا. وقد فتنت عشتار ببطولة جلجامش وعرضت عليه الزواج إلا إن جلجامش يرفضها فتغضب وتطلب من والدها آنو أن يثأر لها فيرسل الثور السماوي ليخرب مدينة الوركاء فيتصدى له جلجامش وانكيدو ويقومان بقتله ويستل انكيدو فخذه ويضرب به وجه عشتار فتحكم عليه بالموت مما يدفع جلجامش للبحث عن سر الحياة بعد ان يحزن لموت خله وصاحبه انكيدو لكنه يتأكد من أن البشر فان ،وعندئذ يعود إلى مدينته حزينا مذعنا للواقع ويعمل على تجديد الهياكل والاسوار.

ومن اهاب هذه الملحمة قد تخرج مسرحية أكثر التزاما بجانب العقل فتعمد إلى التحليل الواعي الذي تعجز عنه الملحمة استنادا إلى نمو الحضارة وصحوة العقل التي تتيح للإنسان أن يمعن في مصيره وان يقييمه على أسس معاصرة تبتعد عن المجانيات الاسطورية.
وقد يوصل الإعداد المسرحي للملحمة إلى شكل فني مغاير لها ليتطابق مع سياق جديد يفرزه النص المعد عبر عمليات تعديل في النص الملحمي بما يقدم قراءة جديدة لموضوعته ، تحمل إسقاطاتها على الحاضر وتمنح لعملية الإعداد جدواها . فهل إن هذا ما فعلته لطفية الدليمي في مسرحيتها ( الليالي السومرية) (7) التي اعتمدت في كتابتها على ملحمة جلجامش وما تزخر به الملحمة من إمكانات فنية وجمالية وطروحات فكرية ودينية ودنيوية لكي تأتي بمسرحية هي اقدر على التناغم مع تلك الصياغات عبر تطويع المادة التراثية واستثمارها في البناء الدرامي الرابط بين المسرح والتراث ؟..

باستثناء الحضور النمطي لنساء الملحمة والمؤسس على البعد الجنسي الباعث على المتعة الجسدية أغفلت هذه الملحمة ادوار نساء أوروك في تحريك الأحداث والتأثير فيها رغم إن سياقات العيش في تلك المدينة تشير إلى امتلاء المعابد بالناسخات والشاعرات والعرافات اللائي لم تكن الخصوبة والولادة مهمتهن الوحيدة استنادا إلى مشاركتهن للرجل في الحياة وجهدهن في صيرورته إلى التمدن ، كما إن في مصاف الآلهة تحتل الإناث ( اورورو ، ننسون ، عشتار ) أدوارا رئيسية في تحريك أحداث الملحمة . ولقد انتبهت لطفية الدليمي إلى ذلك الحضور النمطي للنساء وتجاوزته في كتابتها لمسرحيتها ( الليالي السومرية ) لتسجل مغايرة للملحمة تجلت في تأسيس مساحة لحضور نسوي لافت ، يثري الصراع التراجيدي المبني على مفهوم البطولة في المسار الكلاسيكي القائم بين الإنسان والموت ، الفرد والسلطة ، وبين مفهوم القوة الجسدية ومواجهتها للفعل المنتج للمعرفة . لكن هذا الحضور لا ينحو بأحداث الملحمة إلى مسارات تخل بسطوعها بقدر ما تجعل النص المسرحي أمينا لما جاءت به الملحمة من افكار.

المغايرة هنا تكمن في الجزء لا الكل ، ذلك الجزء المتعلق بحضور المرأة حضورا يتجاوز ذلك النمط المرسوم لها في تلك الملحمة.. وقبل أن نخوض في تفاصيل هذه المغايرة سنتوقف عند شكل المسرحية كي نشير إلى الفارق بين البناء الملحمي والسياقات التي جاء بها النص المعد (8 )

امتدت أحداث مسرحية الليالي السومرية على مساحة الملحمة بطولها وعرضها ، وكأنها تحاول إعادة كتابتها على وفق تقنية تضيف إلى السرد الملحمي سياقات تحدد شكل المسرحية مقارنة بالملحمة فتحيل الجو الاسطوري المتحكم بأحداث الملحمة إلى صيغة معاصرة مثلما تؤسطر الوقائع الراهنة في إطار النص المعد

سمت المشاهد التي تألفت منها الليالي السومرية بـ ( ليال ) وكأنها توحي بأجواء ألف ليلة وليلة وتتلبس أهاب شهرزاد وهي تروي ما حدث في تلك الليالي التي لا يربطها صراع متنام استنادا إلى افتقاد وحدة الموضوع إذا ما اعتبرنا إن لكل ليلة أحداثها الخاصة التي لا تخدم سوى تنامي القصة عن طريق السرد . أما الفكرة الأساسية للمسرحية التي هي نفس فكرة الملحمة فتأتي حسب ما روته الملحمة مع سياقات ترتكز على السرد الملحمي أول ما ترتكز ويجيء في المسرحية على السنة العديد من الشخوص الثانوية المؤلهة أو البشرية مستقيا معلوماته من نص الملحمة مع محاولة التحرر من صيغة الملحمة المعتمدة على التكرار والإعادة واستباق ذكر الحوادث قبل وقوعها ..

صوت امرأة (9) : جلجامش العظيم ، على ضربات الطبول تستيقظ رعيته، جلجامش الذي أحسن الإله العظيم خلقه وحياه الإله شمش بالحسن وخصه الإله ادد بالبطولة0هو الذي رأى كل شيْ ، فغني باسمه يا بلادي، انه ذو الهيئة البهية البطل سليل اوروك…
وقد يستثمر السرد الملحمي في الحوار الذي يجري بين الشخوص الرئيسية لغرض تحريك الأحداث التي تخدم البناء الدرامي في المسرحية

كما في الحوار التالي الذي يجري بين مجمع الآلهة وصوت البشر وبين إلهة الخلق اورورو والذي ينتج عنه قيام إلهة اورورو بخلق انكيدو

كورس الآلهة: ( 10 ) نحن مجمع آلهة أوروك ، نناشدك أيتها الإلهة اورورو يا من خلقت الثور الوحشي الجبار جلجامش الذي يضطهد الناس بمظالمه ليل نهار ابن لوكال بندا المكتمل القوة هو الذي فتح ممرات الجبال وحفر الآبار عبر المحيط إلى حيث مطلع الشمس. من ذا الذي يضارعه في الملوكية

صوت الرجل : أنت خلقت هذا الرجل فاخلقي الآن غريما له يضاهيه في القوة والعزم
تهبط اورورو من فوق المرتفع وتتجه إلى الشاطيء. تغسل يديها في الماء
اورورو : على هيئة الإله آنو سأجعله وسأمنحه القوة والبسالة..

كما ترتكز السياقات على الحديث الجانبي الذي يفصح عن الفعل الداخلي للشخصية يحرك الشخصية ويمنح للمتلقي معرفة
نصابا: ارفع يدك عني واجلس هناك (لنفسها ) ترى .. هل سأنجح في تغيير هذا المخلوق المتوحش ؟.. هل سيتبدل مصيره إذا ما كسوته بالثياب وعلمته بعض المعارف؟

وتنفرد بعض ( الليالي ) ولاسميها ( اللوحات ) لأنها قد تبدو قائمة بذاتها في البناء الدرامي ولا ترتبط بغيرها إلا في تقديم معلومة قد تخدم في وصول القصة إلى نهايتها ، تنفرد بذلك الفعل المسرحي و الحوار بين الشخوص اللذين يحيلان إلى التوتر الفكري والعنف العاطفي ويحدثان تغييرا في الأحداث وتضادا بين القوى المتكافئة دون تنافس في المشهد (اللوحة ) بين ذلك السرد الذي يجعل المشهد مراوحا بين البناء الدرامي والملحمي ، أي بين التأريخ ومسرحته

ينهض انكيدو(11 ) وهو ينظراليها. يمد يده الراعشة إلى الزهرة الحمراء في شعرها0تخلع المرأة (نصابا ) وشاحها الخارجي وتلقيه على كتف انكيدو0ينظر إلى نفسه مزهوا وتأخذ يده في يدها

انكيدو: إلى أين تمضين بي ؟
المرأة : إلى الحياة ، إلى حيث يجب أن نكون يا انكيدو
انكيدو : وهذه البراري ،والرعاة ، والظباء ونهر الفرات ؟00ااهجر كل هذا ؟00وماذا سأفعل هناك؟
المرأة : ستعرف .. ستعرف كل شيء وستتعلم كل يوم أمرا جديدا
تأخذ يده وتسحبه إلى العتمة ويختفيان
وإزاء الصعوبة في التنقل مابين مزاج شعري متوهج وبين السرد الملحمي المحكوم بالمنطق والبناء الدرامي الجانح إلى الخيال يأتي الحوار على لسان صاحبة الحانة ( سيدوري ) مفرغا لشحنات شعرية مضطربة في تصارعها مع عقلانية الحدث في الليلة الرابعة من نص المسرحية
سيدوري : افرح يا جلجامش (12 )
افرح هو ذا قدر الناس
افرح لم لا تفرح
زهر حولك يتفتح
وشموس تتالق
وغدير يتدفق
فافرح لم لا تفرح ؟
وجه حبيبتك يلوح في الأفق
والليل يحاصر ورد الشفق
وأنا أتراني ي جلجامش
ارقب هذي الدنيا من باب الحانة
وحدود البحر
أنسى ما مر
وانتظر الآتي
فأملأ يومك بالحب
وتوهج ليلا كالشمس وأنت تعانق
سيدة القلب .. وافرح ، اعمل وافرح
جلجامش : والموت ، الموت يا سيدوري؟؟
سيدوري : تنشد زمنا آخر للإنسان ؟
تطمح في عمر ثان ؟
عد من حيث أتيت
قدر الإنسان الموت

تبدو سيدوري سيدة للقلب تسعى لكي تخلب لب جلجامش وتدعوه إليها ، لكنها لا تخلو من حكمة تشير إلى أن قدر الإنسان الموت على وفق ما قررته الكاتبة في لياليها السومرية
لا أحد يملك ( 13) أن يخلد في دنيانا غير الحجر نخط عليه
الأخبار وأسرار ممالكنا
أتصير رقيما من طين مفخور ؟
أتصير مسلة ؟
أتغدو صنما كي تخلد يا جلجامش ؟

هكذا تسحب لطفية الدليمي سيدوري إلى منطقتها ، تتماهى معها بعد تأكيد دورها المؤثر في أحداث المسرحية ، كما إنها تتشظى إلى الشخصيات الأخرى التي ابتدعتها عبر اجتهاد تحكمه رؤية تنصف المرأة وتقوض الأعراف الذكورية التي سادت في الملحمة والتي تعطي المرأة وظيفة محددة تتعلق بإمتاع الرجل وإشباع غريزته الجنسية.

الغانية شمخت التي أرسلها جلجامش لإغواء المتوحش انكيدو والإتيان به اليه..تكشف عن نهديها أمام انكيدو لإغوائه وعن عورتها لتدعوه إليها حتى يشبع من مفاتنها ما جعل الكاتبة أن تقف بالضد مما جاءت به الملحمة فتبتدع شخصية (نصابا ) سيدة الغلال و الأجوبة فتطعم انكيدو رغيف الخبز وتجيب على ما في ذهنه من أسئلة واخيرا..

نصابا: (14 ) صرت تحوز الحكمة يا انكيدو، وأصبحت مثل اله ، فعلام تمضي جوالا في الصحراء مع الحيوان ؟.. تعال الان. سآخذك إلى أوروك ذات الاسوار.. الى البيت المقدس حيث يعيش جلجامش الكامل الحول والقوة المتسلط على الناس كالثور الوحشي ، لتواجهه ويعرف أحدكما الآخر.. ليتوازن العالم

ينهض انكيدو وهو ينظر اليها0يمد يده الراعشة إلى الزهرة الحمراء في شعرها..تخلع المرأة ( نصابا ) وشاحها الخارجي وتلقيه على كتف انكيدو. ينظر إلى نفسه مزهوا وتأخذ يده في يدها .

الذي حدث مابين نصابا وانكيدو أغاض شمخت بعد أن ألغى مهمتها المكلفة بها من قبل جلجامش فقررت الانتقام من نصابا بدس السم في شرابها ولكنها أخفقت ، جاء ذلك في كلام مقتضب جرى على لسان الراوية ليوفر أحداثا كان لها أن تتحقق على وفق بناء درامي يتجاوز الشجار الذي نشب بين الغانية ونصابا في مطلع الليلة الثالثة والذي لا يرقى إلى مستوى الحوار المسرحي الذي قد يتقدم بطريقة جدلية ويؤدي إلى تغييرات وتحولات غير متوقعة

إضافة إلى نصابا ابتدعت الكاتبة شخصية العرافة التي ظهرت كصوت خفي لامرأة رائية تنذر وتوجه الأحداث فتقوم بمواجهة مجتمع أوروك والرد على مجلس شيوخها ، مستدعية طاقات النساء وذكائهن وإمكاناتهن ودهائهن لتمسك بمصير المملكة في غياب جلجامش وهو يبحث عن إجابات لأسئلته المحيرة عن سر الخلود والموت والحياة إلى حين عودته بعد بحث مضن في بحار الموت ومتاهات الحياة وفي قناعته إن سر الخلود يكمن فيما يتركه المرء من أثر .

كما تصرفت بملامح شخصية الإلهة اورورو الخالقة للبشر على عكس ما يرتأية المجمع الالوهي . إنها تخلق انكيدو صنوا لجلجامش وغريما له يضاهيه في القوة والعزم ويصارعه لإحداث توازن في العالم يكف جلجامش عنده عن إيذاء شعب أوروك كما تخلق نصابا بهيئة امرأة وذاكرة من أوروك 0لكنها ،وكاجتهاد من الكاتبة تتمادى في خلق المزيد من البشر خلافا لتطلعات الآلهة الذين يخشون من أن تنشب الحروب بين البشر حين يتكاثرون ، وذلك لكي تحيط جلجامش علما بأن في الأرض أندادا له يعرفون فن الحياة وبأس الحرب
وهذا اجتهاد يحمل نبوءة ما يحدث الآن حيث تتداعى عروش الاستبداد بفعل الإرادة الجماهيرية

هؤلاء النسوة حركن المصائر في الليالي السومرية ودفعن بمغامرة البحث عن لغز الموت والخلود إلى أقصاها لتصل إلى نقطة التفجر النهائية . جعلت النساء يدرن دفة الصراع من خلال تقاطع أدوارهن وتباينها وتأثير مواقفهن في صيرورة جلجامش وتحولاته المتتالية عبر التجارب والغوايات حتى ينتهي به المطاف إلى التراجع عن فكرة الرحلة المزمعة إلى مياه بحر الموت للحصول على نبتة الخلود معيدا النظر في موقفه من الموت والحب والحياة فيعمر أوروك ومعابدها كي تتحقق له شهوة الخلود.
ما فعلته لطفية الدليمي إذن إعداد مسرحي لملحمة جلجامش أوصلها إلى شكل فني يغاير الملحمة عبر عمليات عدلت في نصها وقدمت قراءة جديدة لموضوعتها بما تحمل من إسقاطات على الحاضر المعاش بما يجد مبررا منطقيا لذلك الإعداد

هوامش
1- كما نجد في قصتها ( الشهود والشهداء )التي تجري أحداثها في أواخر العصر العباسي وقصة (هو الذي رأى ) التي حملت رموزا وإشارات خصت ملحمة جلجامش ورواية
( مسلة النساء ) وهي رواية تتمازج فيها الأزمنة وتذوب الحدود مابين عصر سومر وبابل والعصر الحديث في إطار فكرة معاصرة مبنية على مفاهيم فلسفية ضمن أجواء تاريخية قديمة إضافة إلى نصوصها المسرحية الليالي السومرية وقمر أور وشبح جلجامش المستوحاة من ملحمة جلجامش 0ناهيك عن اهتمامها في البحث الذي تجلى في كتابها ( المرأة المبدعة في حضارات العراق القديمة ) الذي تضمن قراءة ثقافية كشفت عن منجز حضاري للمرأة في بلاد وادي الرافدين
2 – كاتبة وروائية
رئيسة تحرير مجلة “هلا” الثقافية التي صدرت في بغداد
عملت لسنوات مديرة تحرير مجلة “الثقافة الأجنبية” -بغداد
أسست مركز شبعاد لدراسات حرية المرأة 2003بغداد
عضو مؤسس للمنبر الثقافي العراقي 2005
عضو مؤسس وأمين عام الجمعية العراقية لدعم الثقافة
أصدرت حتى الآن أكثر من 20 كتابا بين الرواية والقصة القصيرة والنصوص والترجمات والدراسات وكتبت المسرح والسيناريو ولها خمس مسرحيات
الندوات التي أعدتها وقدمت دراسات فيها:
ندوة عن المنجز الثقافي للمرأة العراقية في القرن العشرين – مركز شبعاد2004
ندوة عن نهب وتدميرالتراث الثقافي العراقي والآثار والمتاحف والمكتبات العراقية -مركز شبعاد2004
ندوة وسيمينار عن عالم الاجتماع على الوردي – للمنبر الثقافي العراقي2005

قدمت بحوثا عديدة ودراسات في ملتقيات وندوات ثقافية في اسبانيا -ألمانيا -تونس – المغرب – مصر – الأردن – الإمارات العربية.

في الدراسات لها:
نفي الانثى من التاريخ
صورة المرأة العربية في الإعلام المعاصر
دراسات في مشكلات الثقافة العراقية
دراسات في أوضاع المرأة العراقية خلال الحروب السابقة وبعد الاحتلال
دراسات نقدية في أدب الشباب
دراسة في : كتابة المرأة والحرية
3- اخرج ( الليالي السومرية ) الفنان سامي عبد الحميد وقدمتها الفرقة القومية للتمثيل على هامش مهرجان بابل الدولي في العام 1994
4 – د.يوسف حبي ، الإنسان في أدب وادي الرافدين ، الموسوعة الصغيرة83 ، دار الجاحظ للنشر ، بغداد1980 ص94
5 – نص ملحمة جلجامش ، ترجمة طه باقر ، منشورات وزارة الإعلام ، بغداد1975 ص56
6 – إيليا حاوي، ايسخيلوس والتراجيديا الإغريقية ،سلسلة أعلام المسرح الغربي 1 ،دار الكتاب اللبناني- بيروت1980 ص10
7 – لطفية الدليمي ، الليالي السومرية ، دار فضاءات للنشر ، عمّان
8 – كحالة من الاختلاف بين الملحمة والمسرحية اهتم النص المسرحي برسم المنظر الذي يشغل فضاء المسرح كما جاء في بداية المسرحية
( برية قرب الفرات0 مساء تظلله العتمة0قصب واسل وصفصاف وتلال 0 أجمة شجر0 وفي الخلفية شبح زقورة وأمامها سور أوروك مغبشا في ضباب المساء وتمثال اله يشمخ في اليسار مغمورا بضوء احمر ) والتماس مع البيئة عبر الإشارة إلى قرع الطبول وصرخات الاستغاثة وضجيج جموع بشرية وعواء وقطع من الموسيقى التصويرية0 كما اهتم النص بتصميم الأزياء للشخوص الإلهية والبشرية معا ( تظهر الإلهة أورورو برداء سومري منقوش بكلمات سومرية مذهبة له حواف حمراء وعليه وشاح وعلى رأسها طوق الأقحوان وأوراق الخوخ )
9 – نص مسرحية الليالي السومرية ، مجلة الأقلام ، العدد 5-6 حزيران|1992ص23
10- نفس المصدر السابق
11- نفس المصدر السابق ، ص25
12 – نفس المصدر السابق ، ص26
13- نفس المصدر السابق ، ص 27
14- نفس المصدر السابق ، ص25

المصادر
1- ملحمة جلجامش ، طه باقر،منشورات وزارة الإعلام، بغداد1975
2- الليالي السومرية ، لطفية الدليمي ، مجلة الأقلام ، العدد5-6|حزيران|1992
3- ايسخيلوس والتراجيديا الإغريقية ، سلسة إعلام المسرح الغربي1 ، دار الكتاب اللبناني ؛ ط1 بيروت1980
4- الإنسان في أدب وادي الرافدين ، د0يوسف حبي ،الموسوعة الصغيرة83، دار الجاحظ للنشر ، بغداد 1980
5- المعجم المسرحي ،ماري الياس وحنان قصاب حسن ،مكتبة لبنان ، بيروت1997
6- دار فنون عربية (موقع الكتروني )
7- منعطف المخيلة البشرية ، صموئيل هنري هوك ، بحث في الأساطير ن دار الحوار ، اللاذقية 1983
8- مجلة الحياة المسرحية العدد 72 – دمشق

لا تعليقات

اترك رد