الفنان سامى أبو العزم و ما وراء المشهد

 

تتنوع تعريفات المشهد حسب القصدية والغاية والتوظيف للإصطلاح . فالمشهد فى حضور الشخوص هو الجمع من الناس . والمشهد فى المسرح والسينما هو الحركة فى إطار سينوغرافيا مصنوعة أو موظفة . والمشهد فى تعريفه الأشمل والأعم هو ما يقع فى نهاية مد البصر بعيدا كان ام قريب . وهو كل ما يقع تحت العين وتسيطر على أبعاده وحدوده . أما مشهدنا هنا هو تلك المساحة من التسطيح المحدودة الأبعاد ، والتى تروى منظرا أو تكوينا بصياغة صانعه . فالمشهد فى التصوير أو الرسم هو مساحة محملة بخط أو بلون أو بكلاهما معا . وهو يتسم بالثبات وعدم الحركة . وهو مرادف لمخلوق برى جامح يعتمد إخضاعه والسيطرة عليه على مهارة مروضه ومبدع تفاصيله . وما يملكه هذا الموهوب من براعة فى إستنطاق مكونات المشهد ، لتروى وتحكى وتسرد ما تحمله من رسائل وروايات مشفرة ومطموسة ، تخرج بالمتلقى خارج إطار وأبعاد هذا المسطح المحدود . لتكشف للمتلقى ما ورائها من تفاصيل تصنف وتحدد أهمية المشهد وثراءة وقيمته البصرية وغرضية غرسه ومردود طرحه وثمره . لتترك فى النفس إنطبعات متفاوتة ومتباينة تنخفض وترتفع مؤشراتها مرتبطة فى ذلك بقيمة المشهد وما يحدثه فى النفس من تفاعل حاصل جراء ما يكمن خلف المشهد .

screenshot_%d9%a2%d9%a0%d9%a1%d9%a6-%d9%a1%d9%a2-%d9%a1%d9%a4-%d9%a1%d9%a3-%d9%a2%d9%a3-%d9%a0%d9%a1-1

وتأتى التجربة المميزة للفنان الجاد والمصور / سامى أبو العزم . حاملة ذلك المشهد المركب رغم ظاهرية بساطته . تلك البساطة التى تستر خلفية تكمن مفاهيميا فى طيات العمل وتعبيريته . فسامى أبو العزم واحدا من هؤلاء القلائل الذين يمارسون فن التصوير من منظور كلاسيكى الآداء والتقنية قدر المستطاع . وإن كان يسعى إلى المعاصرة من خلال صياغة بعض المشاهد التى تحمل تجريدا ( إستبعادا ) لعناصر قد يرى غيره وجوب وجودها . وهو أيضا ممن يسعون إلى إيجاد الحقيقة الكامنة داخل المشهد وليست تلك البادية فى ظاهره . فهو يهوى تسجيل مشهد الداخل لشخوصه ، ولحظات صدقهم مع أنفسهم ، ووقفاتهم مع ذاتهم والتى تحمل مشاعر متفاوتة بين اليأس والأمل والعبوث والإجترار والندم والحسرة والتحسر والعتاب …. إلخ من تلك الحالات التى تتزاحم داخل بنى البشر والتى ربما لا تطفو على سطوحهم فى شكل ظاهر إلا فى لحظات إختلائهم بأنفسهم وما يصاحبها من معايير للصدق والشفافية مع ذاتهم . ولم تقتصر تجربة الفنان / سامى أبو العزم على تلك الحالات ذات العلاقة بالتشخيص وما وراء مشهده الذى قد يبدو فى ظاهره جامدا ذو سكون . إلا أنه يحمل فى داخله ذلك الحراك النفسى الكبير . فلم تقتصر تجربته على ذلك فقط . بل ذهبت إلى عالم الطبيعة الصامتة وما تحمله موضوعاتها من دلالات ذات شروحات وتأويلات فى خلفيتها ، وقد طرح فيها طرحا يتميز بمرونة التأويل للمتلقى . كما أتت تجربته بواحدة من أفضل النتائج والصياغات للمنظر الخارجى ولكن من وجهة نظر ذات علاقة بالتركيز على تفصيلة منه . وقد لعبت التقنية دورا واضحا وخادما لأسلوبه الفنى والذى أراه يحمل مزجا بين الواقعية والتعبيرية والتأثيرية . ذلك المزج الذى تختلف مقاديره حسب حاجة العمل ومفهوم الصياغة ومقتضيات التناول لدى / سامى أبو العزم .

screenshot_%d9%a2%d9%a0%d9%a1%d9%a6-%d9%a1%d9%a2-%d9%a1%d9%a4-%d9%a1%d9%a3-%d9%a2%d9%a4-%d9%a4%d9%a0-1

وفى إقترابى من تجربة الفنان / سامى أبو العزم والتى تطرح منجزا أراه من وجهى نظرى وثيق الصلة بالناحية المفاهيمية . سواء تلك التى تلعب فيها علوم السلوك دورا كبير ، أو تلك التى تحمل مسحات ذات علاقة بالعلوم الإجتماعية . فمشهده أبدا ليس مجرد لوحة تصوير زيتى نمطية تعتمد على عناصر اللوحة الزيتية ذات القيم الجمالية البحتة ، أو ذات المعايير التقنية الجيدة ، أو ذات الحلول التشريحية والتصويرية المتزنة لموضوعاتها ، بل تذهب إلى طرح تلك القضايا الذاتية الشديدة الخصوصية بكل منا ، والتى تدور فى أروقة قاعات المحاكمات الداخلية للشخوص والمراجعات الذاتية للنفس . فسامى أبو العزم واحدا ممن يتعاملون مع محفزات إبداع مختلفة ومغايرة ، وتحتاج لمستقبلات خاصة من المتلقى . وثقافة إستيعاب لإستقاء طرحه و تفهم مغزاه . ولكنه يتعامل مع ذلك الإختلاف وتلك المغايرة من خلال وسيط كلاسيكى رصين . وتناولات معتدلة لا تحمل الشرود والتجريبية المفرطة . فهو معتدل فى معالجاته ولكنه يتوقف ليهتم بتلك التفصيلات التى تخدم مفهومه .

%d9%a2%d9%a0%d9%a1%d9%a6%d9%a1%d9%a2%d9%a1%d9%a4_%d9%a1%d9%a8%d9%a1%d9%a0%d9%a1%d9%a3-1

ورغم خوضه لتجربة التشخيص والتى أجاد فيها بشكل كبير ونوع وضعيات شخوصه بصورة تظهر إمكانياته الجيدة فى التعامل مع النسب والتشريح والتعابير الجسدية والتعابير الخاصة بملامح الوجوه ، تلك الحالة من التعبيرية الكثيفة والتى تجعلنا نتوقف لنسبح فيما خلفها من مسببات ، وتدفعنا لهذا الإجترار المرتبط شرطيا بشخص المشهد وما هو عليه من حال يدفعنا لهذا الإجترار ، وتذكرنا بما يصادف تلك الحالات لدينا . فمشهد / سامى أبو العزم رغم ما يحمله من شجن إلا أنه ينتزع منا ذلك التعاطف ذلك التحيز له ، حيث أننا نجد أنفسنا قد بدأنا فى سماع ذلك الحوار الصامت والصادر من بطل المشهد ونستغرق فى تلك الحالة لفترة ليست بالقصيرة ، ومن ثم نجدنا نبادله هذا الحديث الإفتراضى ذو المسحات الفضولية عن مسببات حالته الظاهرة ، وتتصاعد وتيرة الحس فى أعمال / سامى أبو العزم مع تطرقه إلى مشهد الطبيعة الصامتة والذى أجاد فيه بشكل كبير وربما يكون متفوقا فى ذلك على مشهد التشخيص المشحون مفاهيميا ، فمشهد الطبيعة الصامتة قد منحه تلك الإختيارية فى الطرح والمعالجة . فنراه تارة يستعرض إمكاناته المهارية وموهبته الكبيرة فى التعامل مع موضوعه وإختيار تفاصيله وإستعراض ملامسه وتباينات الإضاءة فيه وتأثيرها الظاهر والذى يضيف إلى عناصر العمل هالة الجمال ، وهو بذلك يصدر لنا مدى ما هو عليه من إرتياحية وإسترخاء وإستمتاع بفعل التصوير ، نافيا ما كنا نشعر به من ضغط نفسى لديه عند تناوله لمشاهد التشخيص المشحونة بذلك الصمت المتوتر ، ولا أدل على ذلك من عمليه اللذان صور فيهما تلك الأقمشة التى تغطى الكراسى والتى أظهرت مصور من عيار ثقيل يدرك كيفية التعامل مع تلك الحلول للأقمشة وملامسها وثنياتها وتكسرات تدليها فوق هذه الكراسى ، وحتى إن كانا هذان العملان يحملان قصدية أو مفهوما يقبع خلف المشهد ، إلا أن حرفية تناوله للتقنية وطربات الفرشاة وتناغم الألوان والتنسيب الرائع لجملة عناصر المشهد تأخذنا إلى منطقة إستمتاع بحتة ومطلقة بطرحه التصويرى فيهما . ثم يعود بنا لنموذج أخر من نماذج الطبيعة الصامتة فى أعماله ، وهو ذلك الذى يصور حقائب السفر الثلاث على ما شاطئ البحر ، ذلك النموذج الذى لا يقل قيمة وثراءا عن مشهده فى لوحتى الأقمشة التى تغطى الكراسى من حيث إقرارنا بأننا أمام مصور قوى يملك موهبته ويتلاعب بأدواته فى حرفية ، إلا أنه قد حمل المشهد بخلفية مفاهيمية تتميز بوضوح يحمل درجة التأدب والمباشرة الرقيقة . فلم تطغى المفاهيمية على الجوانب الجمالية والفنية والتقنية ، ولم تتجبر الحرفية على الجانب المفاهيمة . وأجده قد قام بفعل يوازى فعل المطرب ذو الصوت العذب عندما يجمح إلى التجويد الموزون ليصنع ( عربه ) الخاصة والمميزة لصوته والتى يتحمل المستمع لنمطية لحنه ليصل إلى تلك المساحة من التطريب والتى تتوسط اللحن ويظل يطالب مطربه بالإعادة ليستزيد من متعة سماعه لمقطع بعينه ، وأجدنى أرى أن هذا العمل من أقوى مشاهده المطروحة فى تجربته ليس لمجرد إتزانه اللونى ومهارة تنفيذه وحلول الإضاءة فيه فقط ، بل لذلك التناغم الرشيق بينه وبين قصديته ومفاهميته والتى وقعت فى فهمى كونها إستعراضا لقضية ( الهجرة الشرعية ) . وإن كنت لا أدعى قصدية / سامى أبو العزم فى مشهده لتناول تلك القضية وطرح هذا المفهوم . كما أن هذا العمل الممتع بصريا قد أمتعنى بحلول السحب وأجواء البرودة ومشاق هذه المجازفة ، وكذلك الحلول الخاصة بالإضاءة الواقعة من مصدر يعلو المشهد ويخترق السحب محدثا لحظة الدفء فى هذا المشهد البارد المبتل . كما أتت معالجات الحقائب غاية فى التوفيق والتمكن والسيطرة . ليخرج المشهد نموذجا فنيا عالى القيمة الفنية والمفاهيمية .
screenshot_%d9%a2%d9%a0%d9%a1%d9%a6-%d9%a1%d9%a2-%d9%a1%d9%a4-%d9%a1%d9%a3-%d9%a2%d9%a1-%d9%a3%d9%a7-1

وقد تطرق الفنان / سامى أبو العزم أيضا إلى المنظر المركب والمتداخل والذى نفذه بشكل جيد وأوقعه فى منطقة وسطى بين المنظر الطبيعى والطبيعة الصامتة ، وأستعرض ذلك من خلال مشاهد المراكب فى الترسانات البلدية والتى تتعامل مع تلك إصلاح المراكب الخشبية الصغيرة وما تعج به تلك الورش من تناثر لتفصيلات من أخشاب بالية ومخلفات ذات علاقة بعملية الإصلاح . ولا نغفل تلك التجارب الخاصة بحلوله فى تناول المفردات الكلاسيكية لأعمال الطبيعة الصامتة . كلوحات الباذنجان . وكذلك نموذج الأحذية والذى تعامل معه من خلال وسيط ( الأكوريل ) الألوان المائية والتى أظهرت عملا جيدا نابضا ومتناغما من الناحية اللونية ومتناسقا من ناحية ( التضاريس اللونية ) إن جاز التعبير فى كامل المسطح .
%d9%a2%d9%a0%d9%a1%d9%a6%d9%a1%d9%a2%d9%a1%d9%a4_%d9%a1%d9%a8%d9%a1%d9%a2%d9%a5%d9%a3-1

إن تجربة مثل تجربة الفنان الرائع / سامى أبو العزم واحدة من التجارب التى أجدها تحمل خصوصية وتميزا وإختلافا ، إلا أننى أجدها واحدة من التجارب ( البخيلة فنيا ) إن جاز تعبيرى ، فهو يملك من الإمكانات والقدرات والموهبة ما يمكنه أن يصدر لنا كما أكثر تنوعا فى موضوعاته والتى أجزم بأنها ستحمل مفاهيما لا يتطرق إليها الكثيرون ، فسامى أبو العزم تتقاسمه تلك الإنسانيات المفتقدة لدى الكثير من المبدعين والموهبة الكبيرة التى يفتقدها العديدون غيره ، وربما تكون ملاحظتى هذه نابعة من رغبتى وأمنيتى فى أن أرى المزيد من أعماله الثرية والتى تحمل حسا خاصا ، وخاصة تلك التى يتناول فيها تجسيد مشاعر شخوصه وخلجات نفوسهم وموضوعات الطبيعة الصامتة التى يبدع فيها و تفصيلات المنظر الخارجى والتى تحتمل منه تلك الحلول الرائعة التى يجيدها . وهى واحدة من التجارب الممتعة فى قرائتها و التى تدفع المتلقى إلى الإستمتاع بظاهر المشهد والإستغراق فى ( ما وراء المشهد ) .

%d9%a2%d9%a0%d9%a1%d9%a6%d9%a1%d9%a2%d9%a1%d9%a4_%d9%a1%d9%a8%d9%a0%d9%a9%d9%a4%d9%a9-1

لا تعليقات

اترك رد