مهارة الاتقان الطبي ، والابداع التشكيلي عند الفنان علاء بشير

 

بمناسبة اقامة معرضه الشخصي في لندن ٢٧/٩/٢٠١٦ الثلاثاء بعنوان – لوعة الذاكرة – . في مدينة نوتنكهام البريطانية على قاعة جمعية الفنانين .

اختلافات وتوافق بين منهجية مهارة الاتقان الطبي الجراحية التقويمية – التجميلية, والميول التشكيلة بفرعيها النحتي والرسم عند الفنان علاء بشير , وبعيدا عن وجهات النظر والاعتراضات التي تلقاها جراء مضمون صدور كتابه بعد 2003 باللغتين النرويجية والعربية ( دارالشروق في القاهرة ) حول ما اشار له عن سبب ما حصل للطبيب وزير الصحة انذاك , ومسوءولية الشعب العراقي , وامتداد امراض العدوانية التي تجسدت بمراحل متعددة على الصعيد السياسي والاجتماعي من سحل الجثث والعبث بها قديما وحديثا , ومساهمة الشعب في صنع الرموز والسلوكيات , وبالرغم من اتفاقي مع وجهة نظره التحليلية حول هذا الموضوع بشواهد تاريخية مسجلة وثائقيا , الا ان تناولي هنا يخص جانب اخر يتعلق بامكانياته واتجاهاته المتفردة بقطبيها الطبي والتشكيلي .
تسري في عروق الفنان – علاء بشير – هواجس واندفاعات هائجة نحو مشاعر هيجان حب الرسم والنحت منذ النشيء , ففي الوقت الذي يدرس في كلية الطب بجامعة بغداد كان يدرس في معهد الفنون الجميلة فن الرسم , لقد كانت تاسيساته الاولى لفن الرسم اتجاه واقعي انطباعي , وهي مراحل الاتقان والاداء الاكاديمي نحو اتجاه تلقائي لتجسيد ما يثير مشاعر الفنان من انعكاسات اثر الواقع من المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه , ومن اولى الاثارات التي تحرك وجدان المشاعر عند الفنان – علاء بشير – هي انعكاسات المشاهد العنيفة في القتل وسحل الاشلاء الحية والميتة للجثث , اذ يرى بام اعينه سرور وفرح تلك النماذج من المجتمع بما يحصل , يقابلها سلوكيات ترميم المدثورات والتشوهات بعمليات التجميل والعناية من خلال اختصاصه الطبي – العلمي – انها مشاكل عدوانية ونفسية متوارثة ومتراكمة في غالبية المجتمع العراقي , انها حقائق يوردها ويستنتجها الفنان – علاء بشير – من خلال مزامنته لتلك الاحداث زمانا ومكانا , سواء على صعيد الاحداث السياسية في الانقلابات وما حصل في عام 1958, او على الصعيد الاجتماعي من عنف واحقاد وغدر وصراعات دائمة , ان تلك الاحداث التراجيدية العنيفة تثير التساوءلات والتحليل والاستنتاج لدى الفئات الواعية ومنهم الفنان – علاء بشير – بروءية تحليلية تنعكس على نتاجه الابداعي الهادف , وباسلوب سوريالي يتصل بالمشاعر السايكلوجية , التي تتداخل في بنيتها التكوينية ، واقعية الاحداث ورمزية المفردات بتنفيذ واداء سوريالي , واود ان اشير هنا الى ما ذكره الفنان – البشير – بان الاسلوب السوريالي له جذور تاريخية تتجسد بتماثيل في عهد الحظارة الاشورية من خلال تنوع اجزاء واطراف المنحوت متجسدا باختلاف الجسد عن الراس والارجل والذنب , اي كل واحد يعود الى فصيلة من الكائنات , عكس ماهو متوارد اعلاميا بان السوريالية حديثة يتزعمها الفنان – سلفادور دالي – علما بان هنالك من سبقوه حديثا امثال – مارك شاغال – الفنان الروسي والفنان – جيور دي كيريكو – اليوناني والالماني – ماكس ارنست – الذي ابتكر الكولاج كذلك , الا ان من تصدر هوءلاء جميعهم لا يسبق عام 1923 , وبذلك فان ما اشار له الفنان – علاء بشير – هو تاكيد الى عمق واصول تلك المدرسة من حظارة وادي الرافدين , وفي الحقيقة من خلال تلك المعلومات اضافة الى ما سلكته انا شخصيا في اختيار هذه المدرسة , تشير النتائج ان اختيار الاداء الاسلوبي اولا لاتلتزم بشروط المدرسة كليا وتقليدا كاملا لمن سبقوه , بل ان الاداء الاسلوبي هو اتجاه تلقائي منغمر داخل هواجس الفنان بغير الخضوع الى محددات الاتجاه القسري , وانما شعور وميول فطرية تتعلق بالفكر والتركيبة السايكلوجية للفنان , ولو كان التفسير عكس ذلك لما خضعت اتجاهات الفنانين لرغباتهم التلقائية المنسجمة مع الذات والخروج عن تلك الحالة والقيام باداء واختيار اسلوب يتوافق مع الحداثة ارضاءا الى الاتجاهات المشاعة , لذلك فان اختيار الفنان للاسلوب هو شعور داخلي فطري يصاحبه الوعي من خلال توضيفه بالافكار والتقنية العالية التي تميزه عن الاخرين من ذات المدرسة , والفنان – علاء بشير – تجسدت عنده تلك الصفات التعبيرية المتفردة والمتميزة عن غيره بمناخ يلتقي مع السوريالية من حيث الخيال والتدرج اللوني بصفائه النقي , اي ليس بعشوائية التقنية – التجريدية – التي لاتلتزم باصول المفردات الرمزية والتدرج اللوني ذو الصفاء المثير ,من هذا نستنتج ان تلقائية الاداء الفني التشكيلي للتنوع الاسلوبي , هو اداء يتوافر زمانا ومكانا في كل العصور

14595765_966169683491515_7621120982798695402_n-jpg

الا ان تلك التسميات لفرز تلك الانواع من المدارس ظهر حديثا في الفن الاوربي تحديدا , بسبب استمرارية ديمومة الفنون التشكيلية في النحت والرسم , اما في مجتمعاتنا العربية تحديدا اوقفها الظمور والديمومة بعد غياب الحظارات القديمة واقتصر على الخط والزخرفة المعمارية التي لاتتجسد فيها اشارات المدارس الفنية الحديثة بدءا من الكلاسيكية الحديثة ومرورا بالانطباعية التاثيرية والرومانسية والواقعية والسوريالية والدادائية والتكعيبية والتجريد وغيرهما , وهذا ما يتوافق مع اشار له الفنان – علاء بشير الى جذور المدرسة – السوريالية – عمقا – زمانا, ومكانا , وكذلك الامر ينطبق على المدارس الاخرى , بتسمياتها الحديثة , ولقد تجسدت تلك التسميات بسبب نضوج نتائج استمرار الديمومة لها في الدول التي ازدهر فيها الفن التشكيلي خاصة بعد عصر النهضة , اما بواطن الاتجاه يكمن في داخل كل فنان تشكيلي , سيما في اماكن نضوجها المبكر ومنها الرافدين ومصر وغيرهما.

مهارة الاتقان الطبي ، والابداع التشكيلي عند الفنان علاء بشير...للكاتب والفنان ماضي حسن #فن #العراق

– مفردات الرموز ومحتويات المعنى –
ان استخدام الرموز للمفردات التكوينية في اعماله الفنية , لها دلالات هادفة ضمن محورها الاساسي هو خط التماس بين الحياة والموت , تلك المشاهد بكفيها التاريحي ومشاهدته المباشرة ابان الاحداث التي شهدها تسجيلا في اعماله وشاهدها منذ الطفولة كحوادث القتل العنيف والقاسي , كان لها تاثير كبير في اختيار اسلوبية الهواجس السايكلوجية بالاداء السوريالي التعبيري وبين اختيار مفردات الرموز الشاهدة للعيان , كاستخدامه للعين الشاخصة للاحداث ومتوزعة في اماكن متفرقة من تكوينات اعماله , وفي الوقت ذاته ترمز إلى الذاكرة بكل انواعها ومراحلها التشخيصية طبقا لتفسيراته , مع العلم إن العين ما هي إلا وسيلة لتوصيل شكلا وحدثا إلى العقل الذي يخزن ويجدد نشاط الذاكرة ، فهنالك بعض الناس فاقدي البصر ، ولكن تصل مصادر الذاكرة من خلال السمع ، أو بالعكس ، كذلك استخدام – الغراب – المستمد تاريخيا من واقعة جريمة قتل هابيل من قبل اخيه قابيل , اذ كان وجود هذا الطير علامة لتشخيص الحدث , اما الاحداث التي تزامنت مع حياته بالمشاهدة والتشحيص فكان لها وقع مباشر وموءثر انعكس على تراجيدية الاسلوب , ومنها قتل وسحل الجثث امام عينيه من قبل عامة اناس ليس لهم علاقة مسبقة مع هوءلاء الاشخاص ذوي المناصب , وانما بمجرد السماع الى عملية الانقلاب هبو مسرعين الى الانتقام والسرقات , دون وازع من ابسط الالتزام بالقوانين والاعراف الانسانية , تلك الحوادث تثير ردود الافعال والموقف المشهود لدى ذوي الاحساس الانساني المتمثل بمحبي الجمال – الاستاطيقيا – ومحبي النظام الحياتي المعتدل , عندئذ يتجسد التعبير اما بقصائد شعرية او استنتاج تاريخي جريء ومدون ، او بفن تشكيلي هادف يثير الشعور عند المتلقي اشتراكا مع المنتج – الفنان – بهذه الكيفية تجسدة اعمال الفنان -علاء بشير – استجابة الى هاجس الاثارة والتساوءل والحوار مع الذات ,

14572973_966169553491528_5975714746809349574_n-jpg

تلك الانعكاسات تم تطبيقها باداء تكنيكي تسودها روءية السطوح الملساء او نسيج ناعم الملمس , ولكن باستخدام التكنيك اللوني يتوحى للمشاهد صلابة السطوح ببريق معدني من خلال استخدام التدرج اللوني المتقن المختوم ببريق الالوان الفاتحة , اما في طريقة بناء التكوينات الفنية للعمل , فانه يدع فضاء واسع لكي تتنفس التكوينات بمساحتها الواسعة للركود , كي تدع للمشاهد السروح والتركيز على التكوينات المثيرة , وبتقنياتها العالية , ان طريقة الاداء التكنيكي للاعمال عموما تتسم بالتباين الفاصل بين انسيابية المساحات المتجهة افقيا وعموديا , الا ان هذه المساحات تتسم بثراء الاداء المتدرج والمتقن الذي يوصل اثارة المعنى , وجمالية الشكل , اما في اعماله التخطيطية فانها تتسم بمهارة الخطوط المختزلة , دون وازع من التعقيدات الاضافية , وبهذه الطريقة تبث الاهداف الاشارية للعمل بشكل مباشر , فضلا عن اتسامها بثقة المهارة للخطوط المتزنة غير المرتعشة

14520570_966169580158192_7551789091123629025_n-jpg

ومن ابرز ما قام به الفنان – علاء بشير في هذا المجال معرضه الشحصي عام 2009 , ولقد استخدم ذات المفردات الرمزية سواء في اعماله الزيتية او التخطيطية , مثل الكرسي , التفاحة , السمكة , او من الاساطير التراثية البابلية والفرعونية , اما في مجال – النحت – فانه استخدم خاصية الطين المرنة لسهولة تجسيد افكاره السوريالية وما يلائمها من اداء ومظهر ايحائي , ولقد كانت اعماله النحتية تجسيدا لمعانات الانسان , واثار الدمار والجراح , لاسيما بعد قيام مهامه كطبيب معالج لتلك الحالات ابان الحروب التي تعاقبت منذ بداية الثمانينيات , وكان له اول معرض للنحت على طين الفخار عام 1992 تحت عنوان ( افكار من تراب) ولقد تم اختيار احد الاعمال باسم ( اللقاء ) اضافة الى عمل ( الصرخة ) الذي يمثل حادثة ملجاء العامرية .. واخيرا وليس اخرا , باختصار الفنان علاء بشير من مواليد عام 1939 في العراق , تخرج من كلية الطب – جامعة بغداد عام 1963 حصل على شهادة الاختصاص بالجراحة التقويمية – التجميلية عام 1972 – من بريطانيا , وفي هذا الاختصاص كان متميزا ومشهورا , ولقد ذاع صيته أكثر في هذا المجال , بعد ان اجرى عملية جراحية اعاد فيها يدا مقطوعة , بالة حادة , عام 1983 في مستشفى الطواريء لشخص اجنبي .

14568046_966169456824871_5429141086124555398_n-jpg

لا تعليقات

اترك رد