هل وافقت الولايات المتحدة على انتزاع روسيا نفوذا في حلب مقابل التهدئة في شرق أوربا؟


 

هناك أمر واقع سيفرض على العرب، ووصلت اللعبة إلى أقصاها، والتي بدأت منذ احتلال الولايات المتحدة للعراق، وكانت الأداة إيران لتنفيذ مخطط الولايات المتحدة الذي يغير من خارطة سايكس بيكو التي تعتبرها الولايات المتحدة من مخلفات الدول الاستعمارية ما قبل الولايات المتحدة، وأسرعت الولايات المتحدة في استثمار ثورات ما تسمى بالربيع العربي التي عززتها بالاتفاق النووي مع إيران وترك إيران تنفذ ما ترنو له وفق المخطط الأمريكي ووفق توازنات جديدة حتى وإن كانت إيران تستعيد مجدها الإمبراطوري الفارسي، لكن من أجل أن تمنع الولايات المتحدة روسيا من تحقيق الوصول إلى الخليج العربي عبر السيطرة والهيمنة على المحور الباكستاني الأفغاني الإيراني.

لكن روسيا تتابع تنفيذ هذا المخطط، واستثمرت الصراع في شرق أوربا ووجدت أن تقفز إلى منطقة الشرق الأوسط وبالفعل تركتها واشنطن لتحقيق عدد من الاستراتيجيات أهمها أن إيران أصبحت غير قادرة على مواجهة السعودية وتركيا في سوريا، والهدف الآخر استنزاف روسيا في منطقة الشرق الأوسط واشغالها عن شرق أوربا.

في المقابل مارست الولايات المتحدة زيارات مجاملة إلى دول الخليج على أرفع المستويات من أجل تخدير دول الخليج وعلى رأسها السعودية، لكن السعودية كانت على قدر عالي من اليقظة من أن الولايات المتحدة قررت أن العرب لن يكونوا جزءا من حلول مستقبلية، ولن تقبل السعودية الاكتفاء بإرسال الولايات المتحدة تطمينات لها، ولم تعد السعودية تثق في أمريكا ولا في وعودها، وأن هناك مرحلة جديدة قائمة على المصالح الاستراتيجية رغم ذلك وقفت الولايات المتحدة أمام تشكيل السعودية التحالف العسكري الإسلامي لمحاربة الإرهاب، بل وتقف أمام التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن لاستعادة الشرعية، ووقفت أمام تنفيذ القوة العربية المشتركة التي اختلف العرب على مركز القيادة المشتركة.
مثلما كانت الثورات العربية القشة التي قصمت ظهر الدول العربية، كذلك كانت الأزمة المالية عام 2008 القشة التي قصمت ظهر الولايات المتحدة، لكن استثمرت الولايات المتحدة ثورات الربيع العربي لمواصلة تنفيذ مخططها عبر مرتزقتها إيران ووكلائها في المنطقة لتنفيذ خرائطها في الشرق الأوسط، لكن لم تتمكن دول الخليج من استثمار الأزمة المالية التي ضربت الغرب منطلقة من الولايات المتحدة عام 2008، ولكن استثمرتها الصين وبدأت تتحكم بالغرب، فطوفان السيولة في الصين يعيد ذكريات المغول حيث لدى الصين من المال الذي يغذي شرايين اقتصادها الآن أكثر مما لدى منطقتي اليورو واليابان مجتمعتين، ووصل الرنمينبي إلى أدنى مستوياته له منذ 8 أعوام مقابل الدولار أصبح العملة الثامنة الأكثر تداولا في العالم وبدأت الصين تتعامل بعملتها مع السعودية وتركيا وروسيا ودول أخرى ما جعل المستثمرين يحتفظون بعملتها، ورئيس مفوضية الاتحاد الأوربي يحذر من أن مجموعة السبع العظام خلال 20 عاما لن تكون ضمنها أي دولة أوربية.

الولايات المتحدة تريد وقف الصحوة الخليجية بقيادة السعودية التي نجحت في تحقيق التقارب السعودي الروسي الذي استطاع أن يعيد التوازن للسوق العالمي النفطي، وأصيبت الولايات المتحدة بغضبة عنيفة نتيجة الشراكة الخليجية البريطانية وحضورها القمة الخليجية ال37 في المنامة والتي صرحت بأن أمن الخليج من أمن بريطانيا وعلق وزير بريطاني بأن دول الخليج شريك استراتيجي، وبدأ رجال أعمال بريطانيون يحثون على سرعة التوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة مع دول المجلس، ما جعل واشنطن تعلن اعتزامها تعليق مبيعات الأسلحة للسعودية وتقييد دعمها للحملة العسكرية في اليمن على اثر زيارة رئيسة الوزراء البريطانية للخليج.

خصوصا بعدما استطاعت السعودية أن تخطو هي ودول الخليج نحو الحماية الذاتية الشاملة بقوات بحرية ودروع صاروخية وإقرار القيادة المشتركة، بل منزعجة الولايات المتحدة من إنهاء تركيا التبعية لأمريكا في الأغراض العسكرية خصوصا بعدما أطلقت القمر الاستخباراتي التركي ( جوكتورك 1 )، والولايات المتحدة منزعجة من التوتر التركي الأوربي حتى أصبحت تركيا حائرة بين الأطلسي وأوربا وشانغهاي بعد تلاسن وزير خارجية لوكسمبروج مع وزير تركي عندما قال بأن تركيا تستخدم أساليب نازية فرد عليه الوزير التركي اقرأ التاريخ، وبدأت تركيا مستاءة من حركة سفن الحلف في بحر إيجة وتربطها بموضوع السيادة.

الولايات المتحدة لم يعد يهمها الشرق الأوسط، ففي حوار المنامة في دورته الثامنة عشر في 10/12/2016 حيث حدث اشتباك أمريكي صيني عندما انتقد الجنرال ديفيد بترايوس بجانب وزير خارجية اليابان كنتور سنورو عن النشاط الصيني في أفريقيا وعن المشكلات في جنوب وشرق بحر الصين وأشار الجنرال بترايوس إلى أن الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم لكن ميزانية الدفاع الأميركية أكبر من ميزانية الدفاع الصين، وأن لدى الولايات المتحدة سفنا حربية وحاملات طائرات أكثر من كل دول العالم وليس الصين، وقال إن طائرتين سقطتا الشهر الماضي من على حاملة طائرات صينية بسبب صعوبة وعدم وجود الخبرة للهبوط على سطح حاملة الطائرات هذا محتوى حوار استراتيجي ولكنه يمثل استمرار شعور أمريكا بعظمتها ولكن وفق قلق الحفاظ عليها وهو ما أدخل العالم في أزمته الحالية.
بدأ حديث كيري الوداعي مع أوربا وكأنه يقفل باب اهتمام أوباما بحلب وتركها للإدارة الجديدة خصوصا بعد الضغوط الأميركية الكبيرة على المعارضة للعودة إلى المفاوضات دون شروط، ولكن حجاب رئيس الوفد السوري المفاوض قال بأن المعارضة تعود للمفاوضات بدون شروط مسبقة ولكن تحت مظلة القرارات الأممية 2254 وغيرها من قرارات خصوصا جنيف التي تدعو إلى تشكيل حكومة انتقالية، لأن الولايات المتحدة حذرة من حروب العصابات وتحالف جديد مع المتشددين التي تكون بدائل جديدة إن تخلى ترامب عن دعم المعارضة التي تقدرها الولايات المتحدة بأكثر من 50 ألف أو أكثر ولن يتخلوا عن القتال ويمكن أن ينضموا إلى الجماعات المتشددة، لكن ذلك يتعارض مع المطامع الإيرانية بعدما ضغطت أمريكا على الأسد ودفعته نحو التفاوض، ولن تسمح إيران بتحقيق ذلك.
أصبحت هناك مصالح متضاربة للولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران، فالولايات المتحدة نصبت جنرالات صقلتهم الحرب ويعتبرون إيران من الأخطار الوخيمة حيث وصف الجنرال ماتيس الاتفاق النووي مع إيران بأنه أبرم مع توقعات أن إيران سوف تخدع وقال إن أحد أبرز المزايا في الاتفاق ستكون لدينا بيانات استهداف جيدة إذا ما اضطررنا للقتال في مرحلة ما في المستقبل ما جعل الرئيس روحاني يأمر المنطقة الذرية بتطوير وإنتاج وقود نووي للسفن الإيرانية ما يعني أن أوامر روحاني تفتح الباب لتخصيب اليورانيوم بنسب عالية.
أوامر بوتين دمرت غروزني والمدن السورية تعرضت لقصف بساطي، وفي حلب تريد روسيا أن تعيد صناعة تاريخها القديم، ما جعل مسؤول أميركي بقوله أن روسيا انضمت إلى إيران وباكستان لتصبح ذات نفوذ في أفغانستان، ما جعل أميركا ترسل وزير الدفاع كارتر في زيارة مفاجئة إلى أفغانستان وقال سنبقى ملتزمين حيال أفغانستان.

بينما تركيا أعلنت عن سيطرة الجيش السوري الحر على الطريق بين الباب ومنبج في خطوة مهمة بمسرح عمليات شمال سوريا استعدادا لاقتحام مدينة البابا لتي تزعج إيران، لذلك حدث اتفاق روسي – تركي لخروج المعارضة من حلب، لكن وقفت المليشيات الشيعية التي ترعاها إيران التي تريد إرسال رسالة لروسيا بأن لديها حزب الله والنجباء والزينبيون ومليشيات شيعية من نحو 41 بلد تحت إمرتها التي تقدر بنحو 70 ألفا وهناك من يقدر ضعف هذا الرقم.

لكن المصالح الإيرانية الروسية ليست متوافقة خصوصا وأن روسيا لا تريد إغضاب تركيا ولا السعودية ولولا طيرانها لما تمكنت المليشيات الإيرانية ولا حزب الله والنظام من تحقيق هذا التقدم السريع في شرق حلب، وكان آخر ضربات للمرة الثالثة لنبل الزهراء بعدما قصف النظام درع الفرات بدعم إيراني، وأوقف الطيران الروسي دعمه للنظام في تدمر مما سمح لداعش إعادة السيطرة على تدمر حتى لا تملئ إيران مواقع داعش، فهذا يعني ربط الحدود السورية بالعراقية ووصول التمدد الإيراني إلى حلب أي أن هناك توافق روسي أمريكي رغم الخلافات بينهما، وهذا يعني مزيد من التوتر بين إيران وروسيا خصوصا بعد تقريع روسيا في مجلس الأمن على دورها في حلب حيث طالبت واشنطن وانضمت إليها فرنسا بمراقبين دوليين للإشراف على عملية الإجلاء في المدينة.

هناك أبعاد سياسية ومرتبطة بالتباين الدولي حول خريطة النفوذ الجغرافي، والوقائع تشير إلى أن قضية سيطرة داعش على تدمر لها أبعاد سياسية مرتبطة بتوازنات دولية، أبرزها عدم توصل الأطراف الدولية إلى اتفاق نهائي بشأن القوى التي يجب أن تسيطر على الجغرافيا التي يخليها داعش، كما أنها مرتبطة بالمفاوضات الأميركية – الروسية المرتقبة مع الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب.

وقواعد بقاء روسيا في سوريا وتحت أي عنوان، ولكن البعد الاستراتيجي ليست في إمكانية موسكو للدفاع عن تدمر بل هي خطوة مقصودة لأن السيطرة على حلب تمنحه الفرصة للاستمرار كتنظيم إرهابي يهدد سوريا من دون داعش في تدمر لا نافذة لروسيا وللنظام السوري بأن الإرهاب يتمدد وستفقد موسكو الحجة لمحاربة الإرهاب ووضعه بندا على قائمة المفاوضات مع الإدارة الأميركية الجديدة ذلك أن الإرهاب سيتفكك إذا انتهى في الرقة التي تقود أميركا المعركة هناك عن طريق الأكراد التي تقود قوات سوريا الديمقراطية، وللمرة الثانية تسقط تدمر في ظل القوات وقد تكون رسالة من روسيا للنظام وإيران بعدم تجاوز الخطوط الحمراء الدولية من أجل منعه من التقدم إلى الباب التي تولته تركيا، أو فرض نفسه مشاركا في معركة الرقة كما يطمح للتقرب من الولايات المتحدة على غرار تحرير الموصل التي تشارك المليشيات الشيعية التي تتبع إيران بعدما فرضت نفسها.

أي أن سيطرة داعش على تدمر سياسية وليست عسكرية مرتبطة بالتوازنات الدولية ومن يملئ فراغ داعش، فإذا ملأته إيران عبر مليشياتها فهذا عمليا تكون قد ربطت الحدود السورية بالعراقية ووصول التمدد الإيراني إلى حلب خصوصا وأن مليشيات الحشد الشعبي التي يسطر علهيا هادي العامري والذي يتبع للأوامر الإيرانية تسيطر على تلعفر الحدودية مع سوريا، بينما تسيطر قوات ( بي كي كي ) الكردية على سنجار الحدودية أيضا مع سوريا وهي قوات مدعومة من إيران، وبذلك تكون إيران ربطت المناطق الشيعية بعضها ببعض وهو سيناريو تطمح له إيران لإيصاله إلى البحر المتوسط.

ولا يمكن أن تسمح روسيا لإيران بتنفيذ مخططها في ظل الغياب الأمريكي وهي إجابة لمن يتساءل كيف أن العالم بترسانته الهائلة يفشل في القضاء على مثل هذا التنظيم، وكأن روسيا هي في مكان الولايات المتحدة تضع خطوطا حمراء لكل طرف في سوريا التي لا تسمح له بتجاوزها إلى أن تأتي الإدارة الجديدة للتوصل إلى تفاهمات جديدة.
الروسية في سوريا.

لا تعليقات

اترك رد