تذَّكر بغداد …. فما زال في الحنين بقية


 

كانت بغداد مدينة السلام والتسامح تشرب قهوتها بهدوء, وهي تحتضن ابنائها دون تمييز ، يتهادى في جوفها دجلة منتشيا بصوت علي بن الجهم وهو ينشد عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري ، وبين الرصافة والجسر ولدت ثقافة الليل في احضان سيدة المدن .
كان ليل الدنيا بهيماً مظلما كيئباً موحشا ً فأطلت شهرزاد تحكي حكاياها لشهريار تحت سماء ست البلاد ، فاطلق البغداديون مثلهم بغداد ست البلاد الذي يعكس حبهم وتعلقهم بمدينتهم التي تغنى بها الشعراء ، لم أكن اسمع بهذا المثل من قبل ان أشاهد الفيلم الوثائقي تذكَّر بغداد الذي عرض في لندن سمعته من سيدة عراقية يهودية تقوله بحسرة وبلسان عراقيٍ مبين ، قلت لها واين لندن من قولك سيدتي ، لم تأبه لسؤالي فتنهدت وفقالت وهل نسينا بغداد حتى نتذكرها ، لقد كنا في الجنة آه …. بغداد هي الجنة. ثم اردفت اما سمعت فيروز تقول:
بغداد والشعراء والصور ذهب الزمان وضوعه العطر
يا الف ليلة يا مكملة الأعراس يغسل وجهك القمر
اختصرت كلمات هذه السيدة كل ما أراد فيلم ( تذَّكر بغداد) الوثائقي ان يقوله رسالة بسيطة ومعبرة. لكنها عميقة وواضحة

تذكر بغداد هو عنوان الفيلم الوثائقي اليهودي الذي عرض في لندن والذي حضره نخبة مهمة من وجوه المجتمع البريطاني والعربي، مع حضور عراقي ضعيف. استعرض الفيلم حياة بغداد والبغداديين من بدايات العهد الملكي وحتى يومنا هذا، والأدوار التي مرت بهذه المدينة الجميلة، كما استعرض أهم إنجازاتها التاريخية ، فهي المدينة العربية الاولى التي سبقت شقيقاتها في ولادة التلفزيون عام 1956م فعرفته ، كما عرف البغداديون الكوكا كولا قبل ان يشربها أقرانهم ، فالمعمل الذي أسسه رجل الاعمال العراقي. نعيم دنكور كان الاول من نوعه في منطقة الشرق الاوسط، فهو وبقية المعامل كان يشكل صورة العراق الدولة المدنية. كانت كثير من المشاهد تعرض لأول مرة وهي من الارشيف الخاص لطبقة النخبة العراقية ، فقد وثق الفيلم حياة العوائل البغدادية الثرية والفقيرة على حدٍ سواء ، وأنماط العيش في فترات الثلاثينيات والاربعينيات والخمسينيات،وأظهر الفيلم حالة التسامح بين أهلها الطيبين قبل ان يغزوها الحقد ويصبح الفرهود ثقافة جديدة تنتشر بين سكانها الجدد .

img_4413

تذكَّر بغداد حكاية مدينة غزها الظلام بعد ان كان النور يسطع من سمائها لينير الارض، وقبل ان يسكنها ابناء القرى النائية . فتتحول يفضلهم الى خيمة لحفنة من المرددين لأغنية ( يا ذيب ليش تعوي).
لم تقتصرُ مشاهد الفيلم على التوثيق الفيلمي و الفوتوغرافي بل تعداه الى ذكريات عاشق استبد به الجوى اسمه أودوين شكور ليذهب الى بغداد ويتحسس شوارعها وطيبة أهلها ويقبل ذا الجدار وذا الجدارا يتلمس بيته القديم في البتاوين الذي غادره عنوة، فيستقل سيارة أجرة لرجل بغدادي بسيط يحاول ان يساعده بما يستطيع فينقله الى الأماكن التي يريد ويعرض عليه ان يستضيفه في بيته بعد ان عرف انه عراقي قادم من بعيد ليشبع روحه من أماكن احبها وتمنى يوما ما ان يرجع لها، يحاول أدوين ان يشتري بيتهم القديم لكنه فشل بعد ان علم ان الحكومات المتعاقبة قد باعته الى أكثر من واحد ، فلم يعدم المحاولة فقد اشترى بيتا وقال انه حلمي ألذي راودني منذ سنين ان يكون لي بيتا في العراق وها قد تحقق. رجع سعيدا ، وفي قلبه حسرة كبيرة على بلده ،
انتهت حكاية الفيلم ولم تنتهي حكاية أدوين ورفاقه فما زال في الحنين بقية.

img_4414

لا تعليقات

اترك رد