بريطانيا والاتحاد الأوربي.. زواج بدون حب ينتهي بالطلاق


 

تقع الجزر البريطانية في عرض المحيط الأطلسي في شمال غرب أوربا، يفصلها عن القارة الأم بحر الشمال وبحر المانش وهي التسمية الفرنسية

ويسميه الإنجليز القناة الإنجليزية. وبحكم هذا الانفصال الجغرافي، ظلّت بريطانيا تحيا منعزلة عن بقية الدول الأوربية لقرون طويلة في كنف إمبراطورية قوية يحسب لها ألف حساب.. دولة عظمى اتسع نفوذها في أنحاء العالم حتى باتت تُعرف عن جدارة باسم الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، معتمدة في فرض سيادتها وبسط نفوذها وقهر أعدائها على أسطولها القوي وخبرتها العسكرية. وكان لهذه العزلة بالغ الأثر في نفوس البريطانيين. وقد استمر تأثير هذه العزلة حتى بعد انهيار الإمبراطورية وهو ما أكده المؤرخ (فرنون بوغدانور) الذي قال: “الآن بطبيعة الحال لقد انقضى عهد العزلة منذ زمن طويل، لكن ربما ما زال لذلك شيء من التأثير في نفوس البريطانيين الذين لا يريدون علاقات مع القارة.” ولعل عدم رغبة البريطاني في إقامة علاقات وثيقة مع أوربا القارة هو ما يفسر رفض بريطانيا الالتحاق بالدول الستة المؤسسة للمجموعة الاقتصادية الأوربية الموقعة على معاهدة روما 1957. لكن سرعان ما أدركت بريطانيا أهمية الانضمام إلى هذه المجموعة الفتية، فالتعاون المثمر بين الدول المؤسسة سمح للجارتين فرنسا وألمانيا بتحقيق نمو اقتصادي معتبر. فاضطرت بريطانيا إلى مراجعة موقفها والتخلي عن عزلتها، فطلبت الالتحاق بالمجموعة الاقتصادية الأوروبية سنة1961، لكن فرنسا – خصمها التاريخي اللدود – اعترضت طريقها، وعارضت التحاقها حيث استخدم الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديجول حق الفيتو.
وفي يوم 1 يناير جانفي 1973، تمكنت بريطانيا أخيراً من الالتحاق بما أمسى يُعرف باسم “الاتحاد الأوروبي” بعد رحيل الرجل الفرنسي القوي الذي ظل يقف في وجه بريطانيا الجنرال ديجول.

لكن العرس لم يدم طويلا، فسرعان ما أدركت بريطانيا خطورة هذا الاتحاد على حريتها وسيادتها واستقلالها. فالاتحاد الأوربي أبدى رغبة شديدة في بناء دولة واحدة عظمى وهو ما كان يتعارض مع مبادئها ورغبتها في مشاهدة تعاون بين حكومات الدول الأعضاء وليس زوال سلطتها. وقد عارضت المرأة الحديدية رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر فكرة إنشاء أوربا فيدرالية تسحب السلطة من حكومات الدول الأعضاء. لكن الاتحاد الأوربي ظل يسن قوانينه ويفرضها على الدول الأعضاء ومنها بريطانيا، وقد اتسع نطاقها ليشمل العمل والمحيط والضرائب وغير ذلك حتى أن بعض التقارير قال إنّ نحو 70 بالمئة من التشريعات البريطانية تصدر من الاتحاد الأوربي!

إضافة إلى وزر القوانين الأوربية المعقدة وآفة البيروقراطية ورغبة بروكسل في إقامة دولة أوربية عظمى، استاء البريطانيون أيضا من الأزمات المالية المتلاحقة التي أخذت تعصف ببعض الدول الأعضاء مثل اليونان وهو ما كلف الخزينة الأوربية أموالا طائلة.
وما زاد الطين بلة والأمر تعقيدا التحاق دول أوربية أقل ثراء بالاتحاد الأوروبي مثل بولندا ورومانيا وتوافد أعداد كبيرة من المهاجرين من هذه البلدان إلى بريطانيا بحثا عن العمل وحياة أفضل. فراح البريطاني ينظر إلى الأعداد الغفيرة للمهاجرين الشرعيين من دول شرق أوربا وغير الشرعيين من دول العالم الثالث بحيرة وقلق. فهذا المهاجر سينتزع منه الوظائف والسكن وفوائد أخرى وسيتنافس على مقاعد الدراسة مع أطفاله وسيقطف ثمار عرق جبينه وسيثقل كاهل خزينة بلاده. وهذا المهاجر قد يعجز عن تعلم لغته وقد يرفض الاندماج في مجتمعه وقد يشكل خطرا على هويته وأمنه. وهذا ما أكده البروفيسور ماثيو غودوين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كنت الذي قال إنّ بعض شرائح المجتمع يشعر كما لو أنّ التأثيرات الخارجية مثل الهجرة تهدد روح الهوية الوطنية.
وكيف لا وقد سجلت الهجرة إلى بريطانيا السنة الماضية رقما قياسيا (636000) بزيادة قدرها (84000) حسب تقرير مكتب الإحصائيات البريطاني. وهذا ما يفسر اختيار المناطق التي عانت من توافد الأجانب عليها التصويت بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ولعل أفضل مثال على ذلك مدينة (بوستن) التي يشكل فيها مهاجرو أوربا الشرقية أكثر من 10 بالمئة من السكان حيث حطم فيها التصويت بالانسحاب رقما قياسيا (76 بالمئة)! هذا الوضع أثار جدلا واسعا في أوساط المجتمع البريطاني المحافظ وكان مادة دسمة لوسائل الإعلام التي راحت تتناول هذه الظاهرة بإسهاب وتنذر بما تحمله ظاهرة الهجرة من أثار وأخطار.

وهذا ما حمل البريطانيين أخيرا، وقد بلغ السيل الزبى، على اختيار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في استفتاء يوم 23 يونيو جوان 2016 بنسبة (52% خروج و48% بقاء، أي 17 مليون خروج و16 مليون بقاء).. وهي نتائج فاجأت الكثير من البريطانيين وصدمت شركاءهم الأوربيين والعالم برمته، لا تضاهيها ربما إلا مفاجأة فوز دونالد ترامب بالانتخابات الأمريكية في الضفة المقابلة للمحيط الأطلسي وهو فوز لم يكن يتوقّعه أحد في العالم في بادئ الأمر. وحتى رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون لم يكن يتوقع مثل هذه الخسارة التي كلفته وظيفته وأثارت مخاوف كبيرة من انهيار العملة البريطانية وانسحاب الشركات الأوربية والعالمية من بريطانيا ونقص الاستثمار الأجنبي فيها، وأكثر من كل ذلك خطر مطالبة اسكتلندا باستقلالها من المملكة المتحدة بعد أن صوت مواطنوها بالبقاء في الاتحاد الأوروبي.

وتهب الرياح بما لا تشتهي السفن، وينتهي زواج بريطانيا – الاتحاد الأوروبي بعد 43 سنة من العيش في عش واحد.. زواج لم يقم أبداً على أساس الحب والإخلاص وإنما على أساس المصلحة والشك والتخوف من الطرف الآخر. وها هي الحسناء بريطانيا تختار استعادة حريتها والعودة إلى عزلتها – التي لم تعرف السعادة بدونها – بعيدا عن شريكها الأوربي هذا الرجل المتملّك الذي يتدخل دوما في شؤونها.. شريك جائر لم تشعر يوما بطعم الحرية والسيادة والسعادة بجواره. إنه بلا ريب “طلاق العصر” وهذا الطلاق ينذر باحتمال انسحاب أمم أخرى حماية لحريتها وخدمة لمصالحها وينذر حتى باحتمال انهيار الاتحاد الأوروبي برمته.. ومهما كان فإن انفصال بريطانيا من الاتحاد يؤكد حتماً ما ذهب إليه الرئيس الفرنسي شارل ديجول عندما عارض التحاق بريطانيا بالاتحاد الأوروبي قائلاً إنّ بريطانيا لا تنتمي إلى هذه المجموعة.

لا تعليقات

اترك رد