هل توجد ارادة سياسية حقيقية لاصلاح النظام الجبائي في تونس؟؟


 

يشكل النظام الضريبي المرآة الحقيقية للعدالة الاجتماعية والديمقراطية . فهدف الضرائب في الدول الديمقراطية هو تأمين التوازن والاستقرار في مجتمعاتها , وذلك بتحقيق العدالة الضريبية في توزيع الدخول والثروات بين المواطنين , وفي تمويل ميزانية الدولة والمساهمة في عملية التنمية الاقتصادية . ومن ثم يلعب النظام الضريبي الجيد دورا محوريا في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية , من خلال نقل الضريبة من مجرد أداة مالية الى أداة للنهوض بالقطاع الاقتصادي والتأهيل الاجتماعي .

الا أن النظام الجبائي في تونس , يعاني من العديد من الاشكالات والنقائص . فملف الضرائب في بلادنا هو أحد الملفات التي تعبر بوضوح عن الخلل الجسيم في المجتمع , وتؤكد عن عدم وجود عدالة اجتماعية . وبالرغم من خضوع هذا النظام الجبائي لمنظومة قانونية محددة , الا أنه يشكو من اختلالات عميقة , منها تنامي الغش والفساد والتهرب الضريبي , مما زعزع أسس قيم العدالة الضريبية , التي باتت مطلبا شعبيا وخاصة ونحن في تونس نمر بظروف اقتصادية طارئة وصعبة ابان ” الثورة ” .

وأمام المطالبة بالشغل والحرية والكرامة الوطنية , تعالت الأصوات الى ضرورة اصلاح حقيقي للنظام الجبائي وارساء العدالة الاجتماعية . فهل الحكومة التونسية الحالية قادرة على تحقيق العدالة الجبائية ومقاومة الفساد وظاهرة التهرب الضريبي ؟؟؟

لقد كانت الجباية تاريخيا , وفي عديد البلدان , صلب وأساس معركة الديمقراطية والتنمية في بعدها الانساني , حيث الجباية هي مستقبل بلد مثل بلادنا يفتقر للثروات الطبيعية ويعول فقط على عطاء أبنائه وقدرتهم على خلق الثروة, ويطمح لتأسيس نظام سياسي يكون فيه دور الشعب أساسيا في تسيير شؤونه . لكن واقع نظامنا الجبائي , رغم المجهودات التي بذلت , مازال يشكو من نقائص كبيرة , لعل من أبرزها خرق لمبدأ الرقابة الجبائية وتطويعه لفائدة أشخاص أو جهات معينة , وهو ما أدى الى استشراء الفساد وتفشي ظاهرة التهرب الضريبي دون محاسبة . وأصبح الغش الضريبي ظاهرة بنيوية بتونس وتعتبر رياضة وطنية , بل تكاد تكون حقا مكتسبا تمارسه كل فئات الملزمين باستثناء الأجراء , نظرا لاقتطاع مساهمتهم الضريبية من المنبع , وبالتالي هم الضحية الأولى لهذا النظام الجبائي التونسي باعتبار أن مساهمتهم في الضريبة تطورت , كما وقع اهتراء الدخل الصافي للأجور بحكم الضغط الجبائي الذي يقدر ب 22% سنة 2016 وتعتبر هذه النسبة من أرفع النسب العالمية . في حين هناك حيتان كثيرة يملكون الملايين ولا يدفعون الضرائب , وان دفعوا فهم يدفعون الفتات , فضلا عن بعض القطاعات من يصرحون بدخل أقل من نظرائهم في القطاع العام . وهذا ما يؤكد أن المنظومة الجبائية في تونس غير عادلة وليست فعالة , وكانت مطية للاثراء غير المشروع على حساب الطبقات الوسطى والفقيرة !!! , فهي لا تحترم مبدأ المساواة أمام القانون ولا يمكن لها أن تساعد على التوزيع العادل للثورة والمداخيل وتوجيه النفقات العمومية في مشاريع من شأنها أن تحسن من ظروف المواطنين . فمن المسؤول على حجم هذا الخلل ؟؟؟

بصراحة هي مسؤولية مشتركة لكن الذنب بالأساس يعود الى كل الحكومات المتعاقبة , لأنها لم تضع نظاما يضمن خضوع جميع المواطنين للضرائب العادلة , كما يحدث في كل دول العالم , فمن يكسب لابد أن يدفع , ومن غير الطبيعي أن نترك نسبة قليلة من المجتمع تتركز في أيديها ثروات ضخمة , وتقوم بالمقامرة على سعر العقارات والخدمات وووو , فهذه ” الكروش الضخمة ” تستحوذ على كل شئ دون ضوابط وأغلبهم لا يعملون في المجالات الانتاجية الزراعية والصناعية , وانما في نشاطات أخرى هامشية ومربحة .
لذا يجب أن يتحمل الجميع فاتورة الاصلاح الاقتصادي ولابد من نظام ضريبي عادل لا يترك أحدا من المستحقين خارجه . فالنظام الضريبي العادل هو أولى الخطوات التي يجب أن تسير عليها حكومة ” الشاهد” بكل جدية والعمل على تكريس القانون و لاسيما تفعيل الفصل 10 من دستور جانفي 2014 , الذي ينص على أن الجباية واجب وطني مع وجوب تحقيق العدالة الجبائية .

ولاشك أن تونس تحتاج اليوم الى قانون للطوارئ الجبائية في بلد تقدر فيه الديون الجبائية غير المستخلصة بنحو 14 مليار دينار , أي حوالي نصف ميزانية البلاد !!! لذا أمام تحديات تونس الاقتصادية والاجتماعية أصبح الاصلاح الجبائي ضرورة ملحة ومستعجلة , قائما على أسس سليمة قوامها القانون والمساواة في تطبيقه , لأن العدالة الضريبية هي من أهم آليات دفع الاستثمار وتحقيق العدالة الاجتماعية والحد من تفاقم عجز الميزانية العامة للدولة وخاصة القطع مع الاقتراض المهين لدى المؤسسات المالية العالمية لضمان مستقبل زاهر لأبنائنا بعيدا عن هيمنة القوى الأجنبية .

لا تعليقات

اترك رد