الدّولة الموازية : إنتاج و إعادة إنتاج الفساد


 

و أنت تتجول بإحدى أزقة حيدرة بالعاصمة الجزائرية ، أو حتى على الناحية المقابلة حيث أزقة القصبة التاريخية ، قد تسمع هنا أو هناك أحدهم يدندن بسنفونية شعبية تقول : ( كي يغيب القط يلعب الفار ) ، هذا مثل شعبي عندنا يعني : حينما يغيب القط يلعب الفأر ، و لربما قد نجده أيضا في مناطق أخرى من البلاد العربية باختلاف قططها و فئرانها .. إلا أن الأكيد ، أن من عاشر القطط سيعرف معنى وجود القط في البيت و القيمة التي يحملها ذنبه ( ذيله ) حينما يلوح به يميناً و شمالا و هو يجوب أرجاء المنزل ، حيث يستحيل للفئران عندئذ أن تتخذ من ساحة المنزل مسرحا لها للعب لعبة العريس و العروسة ، مثلا ! .. أما حينما يغيب القط عن البيت و تخلو ساحته الشاسعة من عبقه و ذبذبات ذنبه ، فإن الفئران ستخرج من جحورها جحافل و فيالق ، حيث سيتولى ذكورهم لعب لعبة ( الرولمة ) في حالة من الهوس و جنون السباق نحو الأريكة السوداء ، و نسائهم سيخترن لطبيعتهن الأنثوية لعب لعبة ( الكريدة ) يتنافسن خلالها من أجل تركيب الحجارة الصغيرة فوق بعضها بمهارة فائقة تنذر بخطر داهم يهدد مكانة ذكور الفئران ! ، في حين سينزوي أطفالهم خلف أمهاتهم للإكتفاء بلعب لعبة ( شادي مادي قالي راسي أدي هاذي ولا هاذي ) هذا حينما تسند مهمة صناعة القرار للأطفال .

على بعد سنوات مضت ، تحدث ميشيل فوكو عن المؤسسة الجامعية في مناضرة له أمام نعوم تشومسكي حول الطبيعة البشرية ، فقال بأن الجامعات تقوم بإنتاج و إعادة إنتاج ثقافة الطبقة المهيمنة .. تماما كما تكلم عن ذلك بيير بورديو بخصوص النظام التعليمي المدرسي . إلا أن ما أعنيه أنا هو شيء آخر لا علاقة له بالطبقة السياسية الحاكمة ولا الفئات ذات الرأسمال الثقافي المسيطر ، بل إن ما بتنا نشهده هو العكس من ذلك ! .. إذ أصبحت فئات أخرى يتم إنتاج و إعادة إنتاج ثقافتها الرديئة .. فأضحى الأمر أشبه ما يكون بدولة داخل دولة أخرى تسير بالموازاة معها جنبا بجنب ، كالأم و إبنتها العاقة ! .

فلتحذر ، و لتراجع خطابك ، إن الرداءة ليست فقط على مستوى الطبقة الحاكمة و إنما هي أيضا موجودة على مستوى الطبقة المحكومة ، بل قد تكون بصورة أبشع و أضل ، ( و لا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) المائدة آية 8 ، و الأدهى و الأمر أنها أضحت تنتج و تعيد إنتاج ردائتها عبر مؤسسات الدولة و باسم الدولة ! على وقع أنغام : يفعلوها الصغار و يوقعوا فيها الكبار ! .

لا يزال بعض الناس يعتقدون أن السلطة هي فقط في يد صاحب السلطة الفعلي ، في حين أن الشواهد الحية تقول أن ( البواب أفندي ) على سبيل المثال لا الحصر بات له ضلع في اتخاذ قرارات مصيرية لا يملك فيها لا ناقة ولا جمل ، فيحول سلطته المحصورة بين المدخل و المخرج نحو اتجاه أبعد من ذلك ليصبح طرفا فاعلا في صنع القرار الاداري ! ، ليقع الآخرون ضحية سلطة موازية عابثة قد يصل الأمر بها الى حد اللعب بمصير الآخرين ، كأن يدخل الحارس مفتول العضلات أو السكرتيرة المترنحة مثلا ، أو عامل الصيانة أو موظف أو مدير أو … في تعطيل المسار المهني لأحد الموظفين ، أو تعطيل المنظومة التعليمية ككل لا لشيء سوى لأن هذه الطبقة التي استفادت من ( غياب القط ) مولعة بالمسلسل الكرتوني توم آند جيري ، لا سيما تلك الحلقات التي يظهر فيها جيري مولعا بحب إحدى الفأرات الرشيقات فيخترق القانون من أجل أن ينعم بأكل وجبة جبن الشيدر معها على الأريكة السوداء ! .

هذه الدولة التي تم التأسيس لها في ظل فراغ غريب نشهده اليوم على الساحة السياسية هي أردأ و أبشع بكثير مما قد يقوله أحدكم عن النظام العام ، فكثيرا ما تصادفنا نصوص قانونية من إخراج الهيئة التشريعية في الدولة يتم فيما بعد على مستوى الدولة الثانية الموازية تحريف مسارها أو تعتيمها أو إسقاطها حتى ! ليتم مقابل ذلك إنتاج قوانين موازية مبنية على مبدأ ( الكيل بمكيالين ) ، حينها ستكون أنت أيها القارىء خاضعا حتما لسلطة اللعبة إياها التي يعشقها أطفال الفئران ( شادي مادي قالي راسي أَدِي هاذي ولا هاذي ) . لذلك لا داعي من أن تكون على طول الخط أشعبيا ، بمعنى ( تكذب الكذبة و تصدقها ) ، بل افتح عينيك جيدا على الحقيقة و لا تصدق سوى الحقيقة فلطالما وجدنا القانون بين يدي صناع القرار الكبار و لم نجده بين يدي من هم تحتهم ، و لطالما كان هناك أصحاب السلطة الفعلية مغيبون عن حقيقة ما يجري تحتهم ! فجحور الفئران قد استفحل فيها العفس و الرفس على القانون أكثر بكثير مما وجدناه على مستويات أعلى .. هكذا حينما يغيب القط فتؤسس الفئران امبراطورية داخل دولة القانون ، و بعدها يأتي أحدهم ليشير بالبنان متهما النظام العام ، أو القانون ، في حين أن القانون واضح و بريء و إنما ما يجب الإشارة إليه بأخمص القدم هو القانون الموازي الذي إختلقته تلك الطبقة التي استغلت غياب القط لتمارس هوايتها في تقليد جيري و هو يخطط للاستحواذ على أريكة توم ذات المقاس الخاص ! .

نعم ، لطالما انطبع في ذهن الناس أن السلطة الحاكمة ظالمة جائرة مستغلة ، تُمارس ال ( حقرة ) اتجاه شعبها ، في حين أننا نجد أكثر من ذلك أن ( البواب أفندي ) يمارس هو الآخر تلك ال ( حقرة ) على نفس أبناء طبقته ! ، هذا كلما سمحت له الفرصة لاستغلال السلطة المخولة له ، فهؤلاء لو أعطيت لهم فرصة للتسيير العام سيكونون حالهم حال الشيوعية حينما نادت سنين طوال بالمساواة و رفع الغبن و الظلم عن الفئات المهمشة و لكنها بمجرد وصولها للحكم استبدت و جارت ! . لذلك أقول ، إذا كان بيير بورديو تحدث عن دور المؤسسة التعليمية في إنتاج و إعادة إنتاج ثقافة الطبقة الحاكمة و المسيطرة ، فإنني أرى أن هذه الآليات ( الجامعة تحديدا ) تعمل على إنتاج و إعادة إنتاج ثقافة تلك الطبقة الموازية للطبقة الحاكمة ، متمثلة في الصغار اللذين يديرون هذه المؤسسات بمنطقهم الغابي الخاص بعيدا عن النص القانوني ، من المدير نزولا إلى البواب أفندي ! ، هذه الطبقة الموازية التي استغلّت الفراغ السياسي لتؤسس لمعايير و قيم و قواعد موازية لقانون الدولة قوامها هو الازدواجية المعيارية أي الكيل بمكيالين و أهدافها هي الظفر بشريحة جبن شيدر عبر دهاليز الدولة الموازية على غرار الأب الروحي لها و المدعو ” معالي الفأر جيري ” .

و مما لا ريب فيه ، أن أحد أسباب تشكل الدولة الموازية تلك ، هو كما ما أراه ، يأتي من معاناة الطبقة المسيرة لها من مرض السادية ! ، فالهوس بالسلطة و التحكم بالآخرين لدرجة تعطيل مصالح الناس و الدفع بهم الى تجرع الخسائر لهو من الأمراض المزمنة ذات الأصول السادية ، لذلك يتردد عندنا بالجزائر مثل شعبي يقول ( خاف من الجيعان كي يشبع و ماتخافش من الشبعان كي يجوع ) بمعنى (خف من الجوعان حينما يشبع ولا تخف من الشبعان حينما يجوع )، فالجوعان إذا ما أسندت إليه السلطة سيصاب بحالة من اختلال المعايير ( اللامعيارية) ، بعد أن استبدت به هواجس الليل فتوجس من نفسه خيفة ! ، تماما مثل الذي يفقد السلطة التي كانت بين يديه فإنه يصاب أيضا باختلال المعايير مما قد يودي به إلى الانتحار مثلا ، هذا حسب ما توصل اليه اميل دوركايم في دراسته عن الانتحار ، إلا أن الحالة التي أتكلم عنها أنا لا تودي بصاحبها إلى قتل نفسه ( الانتحار) لأنه لم يفقد السلطة ولا أمواله ولا مكانته و إنما هو امتلك سلطة لا يستحقها فحدث الاختلال المعياري الذي سيودي به إلى قتل الناس و ليس قتل نفسه ، و القتل هو ليس بالضرورة قتلا ماديا ، و انما قد يكون قتلا معنويا ! …. إي ورب الكعبة ، هذا حينما يشبع الجوعان ! .

1 تعليقك

  1. هذه امراضنا الاجتماعية ، خاصة في البلدان التي برز وسيطر فيها الاسلام السياسي، تجدين فعلا طبقا البوابين الذين يسيطرون على مراكز القرار ويغيرون مسار القوانين، ويعيدون انتاج الفساد.. سلم يراعك واهلا وسهلا بك في منتدى كتاب الصدى.. تحياتي

اترك رد