منزل عمتي


 

هو منزل ريفي بسيط في بنائه واسع في فضائاته ومبني من الصخر المتوفر بكميات كبيرة في تلك المنطقة الجبلية، التي تعتمد في الاغلب على الصخر الذي يعد ارخص من الطابوق وباقي مواد البناء الاخرى المكلفة، اضافة الى تمتعه بخواص ومزايا تغلبت وبإقتدار على مواد البناء الحديثة التي اعتمدت على الشكل الهندسي والالوان الزاهية، حيث يحافظ الصخر في الصيف القائض على برودة الحجرات وتكفي المروحة الهادئة لتعطيك شعور الرضا بماتمنحه الطبيعة من بساطة ورقة واعتدال الجو.

ويتألف المنزل ايضاً من صالة كبيرة وواسعة اخذت اغلب مساحة البيت مع وجود المطبخ الصغير في احد اركانه وغرفة صغيرة في ركن أخر مع شباك خشبي صغير حفر ذكرياته على احد الجدران التي تقابل الجبلين المتجاورين حيث شكلا معاً المنظر الوحيد الذي يمكنك مشاهدته عبر تلك النافذة القديمة، إلآ تغييرات بسيطة في الازياء التي يرتديانها حيث يكتسيان بالبياض شتاءً والاخضر في الربيع والاصفر في الصيف والبرتقالي المحمر خريفاً .

وأعود الى تلك الصالة القديمة التي شهدت العديد من الافراح والذكريات والاحزان واحياناً الخوف، كما كان لعمتي حرصها الشديد في الحفاظ على اثاث منزلها البسيط والمصنوع في اغلبه يدوياً من الطاولة ومعظم اثاث المطبخ وحتى الافرشة داخل البيت والبسُط المصنوعة من شعر الماعز وصوف الخرفان، والوسائد التي ضمت في باطنها ريش الطيور التي كانت في الايام الخوالي تشكل افخر الاكلات وتربعت على عرش الذ المشويات وتبرعت بريشها لنضع روؤسنا عليها بعد ان نتخم بطوننا بلحومها الشهية، ولعل اكثر ماكان يشدني في هذا البيت هو الموقد الذي كان ينعم علينا بذلك الدفء المصحوب برائحة الخشب العطرة وهي تحلق بين اروقة الصالة القديمة لتضفي شعور الامان والسكينة على جالسيها وهم يتبادلون اطراف الحديث فيما بينهم وقد توهج ذلك الفانوس الصغير لينير بضوئه الخافت الركن الذي اعتادت ان تشغله تلك العجوز وقد ارتدت نظاراتها القديمة وهي تغزل بسنارتها المعاطف الصوفية الصغيرة دون ان تحدد لمن تصنعه … لكن المعتاد ان يكون من نصيب اي مولود جديد من العائلة فهي دائمة التوقع والاستعداد لمثل هذه المناسبات بل لاابالغ حين اقول ان النساء اصبحن يتفائلن بهذه المعاطف سواء كانت للاولاد او للفتيات فأن صادف وكانت العمة مشغولة بحياكة معطف ولادي فأن المرأة التي تكون حاملاً في هذه الفترة سينعم الله عليها بمولود ذكر … وهكذا مما تعشق النساء من التكهن .
وربما ذلك المنزل القديم الذي حافظ على كل معالمه رغم تقادم السنين ورغم الاثار الواضحة التي رسمتها الايام على اركانه وجدرانه … الا انه حافظ على قدرته الغريبة في زرع شعور الامان المشوب بالحزن والحنين الى الذكريات القديمة…ذكريات الطفولة واللعب في ساحاته المفتوحة والمطلة على سفوح الجبال التي افترشت بذلك البساط الاخضر بعد ان نقشت الازهار زخرفتها البديعة والتي تثبت كلما نظرت اليها قدرة الخالق تعالى وعظمته حيث كان كل هذا الجمال يصحبه الحان البلابل والعصافير والطيور المختلفة لتشكل لوحة السعادة المفرطة والفرحة الغامرة ونحن نتنقل من حقل لاخر ونطارد خرفان عمتي الصغيرة ودجاجاتها التي طالما عانت من وجودنا في بيتها، حيث كانت تلك المراة العجوز تنظر الينا بحرص بعد ان تفترش الارض وهي تبدأ استعداداتها الاولية لإعداد الطعام لنا الذي ماتزال نكهته تداعب ذكرياتنا رغم كل السنين الطويلة .

وعمتي هذه .. المرأة القديمة … التي تحمل كل عبق الماضي وتراثه واصوله واخلاقياته … كانت دائماً في نظري امرأة عجوز لم تكن صغيرة السن او انني لم استطع ان اتصورها او حتى اراها صغيرة السن ، ولم تكن ايضاً امرأة طاعنة خارت منها قواها وارتجفت يداها وخرف عقلها … بل توقفت عندها السنين وعجزت الايام ان تخطها خطوطها القاسية على وجهها السمح وثغرها الباسم، رغم انها ولدت العديد من الاولاد والبنات وترعرعوا في كنفها وغادروها بعد ان شقوا طريقهم في الحياة … وانتقلوا للعيش في المدن الكبيرة المزدحمة وبعد ان اصرت هي على البقاء مع ذكرياتها وايامها وسكونها، اصرت على البقاء رغم ان اغلب سكان قريتها هجروا منازلهم وانتقلوا للعيش في المدن وسكنوا البنايات العالية والقصور والبيوت الواسعة الحديثة التي تتمتع بمختلف وسائل الراحة الحديثة واصبحوا عبيداً لتلك الكلمة التي غيرت النكهة والرائحة وسلبت الامن والهدوء واحياناً حتى السلام … نعم هي التكنلوجيا …

هذه ذكرياتي او هي ملخص لها وتلك كانت بعض ايامي في بيت عمتي الذي اصبح الان … واهناً وحيداً … وفي غاية الحزن وبدأت تغزوه الرياح الباردة ويتوشح بالظلام ليلاً بعد ان توقف ذلك الفانوس الصغير عن التوهج وانطفأت نار الموقد وسكتت تلك الكلمات الواهنة وهي تردد الادعية وتقرأ سور القرأن التي كانت تضفي جو الطمأنينة على اركانه … نعم فقد قررت تلك العجوز الرائعة ان تغادر ذكرياتها وبيتها القديم … قررت ان تغادر الى غير رجعة وان تعمر وتسكن بيتاً اخر وتقص ذكرياتها لاناس اشتاقوا لها وانتظروها طويلاً … غادرت عمتي واخذت معها الذكريات ورافقها السكون وبات الجلوس بجوارها وارتشاف الشاي معها وهي تتحدث عن طفولتنا وايامنا وشبابنا واسرتنا في بيتها المتواضع وعشقنا لكلامها الذي طالما حدثنا عن قدرة الله وعظمته وحكمته، غادرت تلك المرأة القديمة بعد ان .. يأست من ان تجد من يحتاج اجوائها وترانيمها، وبعد ان عرفت ان اطفالنا الان قد انشغلوا ببرامج رياض الاطفال الحديثة واجهزة الحاسوب والموبايل وقصص العالم الرقمي فعرفت انه لم يعد احد يحتاجها ولم يعد لها مكان في هذا العالم، فقررت وكالمعتاد في قراراتها، ان ترحل وبهدوء .. والى غير رجعة …

لا تعليقات

اترك رد