مرة اخرى


 
(لوحة للفنان احمد الخالدي)

مرّة أخرى.. صباح خير عابق بالياسمين، ما زال الجوّ منعشًا ونقيًّا،حركة التلوّث لم تبدأ في الشّارع بعد، هي رام الله ككثير من المدن العربيّةتستفيق متأخّرة يوم الجمعة، إنّه فنجان القهوة الأخير ممّا تبقّى نحتسيهسويًّا، لا تخشي شيئًا.. نستطيع أن نصنع المزيد، لكن لن أصنعها وحديهذه المرّة، سنصنعها سويّا.. ما رأيك..؟

عندي اقتراح آخر.. لمَ لا تُحضرين لنا فطورًا دمشقيًّا؟

أحنّ لدمشق في ظلّ أسري الذي بدون أفق، في مدينتي الأجمل رام الله،أسرٌ يطول وشوق لك يطول أكثر، هو الأسر حرمني من رحلة البحث عنك، عنأمل اللقاء بك، ولكن.. لمَ أخرج من لحظة الفرح معك الآن للتّحدث عن بعدناالقسريّ عبر الزّمان؟

دعينا في الفطور الدّمشقيّ المشتهى؛ طبق فول باللبن من مطعم المصريّ،هكذا أتذكّر اسمه، ربّما خانتني الذّاكرة بعد أكثر من ثلاثين عامًا خلت،صحن متبّل الباذنجان المشويّ من مطعم صغير -لا أذكر اسمه- كان يربضفي شارع على مشارف مدخل حيّ المزرعة بجانب وزارة المالية التي كانتتتصدّر أعلى ميدان الصّالحية، لا تنسي أن تقطفي لنا بطريقك بعضًا منحبّات البندورة والباذنجان، من أرض تلك القرية الصّغيرة التي يسمّونها”سيدي أداد”، نسبة للمقداد بن الأسود الكنديّ الذي يربض ضريحهبمدخلها، سنقليها بزيت الزّيتون.. استضافتني مرّة عائلة هناك قبل ثلاثةعقود، وفي الصّباح أكلت معهم هذا المقليّ الصّغير شرائح طوليّة بدونتقشير، حبّات من البندورة مفرومة بنعومة أنضجها الزّيت، ومنذ ذلك التّاريخدخل الباذنجان قاموس معدتي ولم يغادرها.

ما رأيك أيضًا بإفطارٍ من تلافيف الذّاكرة؟ نستعيد به لحظاتنا الجميلةالتي حرمنا منها وأبعدنا الزّمان ولعب القدر لعبته معنا وفينا؟

نعود بعدها لصنع القهوة واحتسائها مع لفافات تبغ في فيء أشجارزيتون، حيث نسغ سنديان يذوب في مبسم زنبقة برّيّة، لحظات توحّدوانصهار معتّق بتلاوين الزّمن، أنت أنا.. كلانا.

*من كتاب أطياف متمردة من منشورات دار فضاءات/ الأردن

شارك
المقال السابقالدّولة الموازية : إنتاج و إعادة إنتاج الفساد
المقال التالىمنزل عمتي
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد