كريم السلطان


 

العبودية حالة من حالات العقابِ الإنساني، نشأت منذ أول صراع بشري حصل في التاريخ، ومورست على الناس رغما عنهم؛ نتيجة وقوعهم فريسة بيد سلاطين وحكام وخلفاء من أصحاب الشراهة، فأصبح العبيد (رغما عنهم) وسائلاً لرفاهية ملوكٍ وخلفاءٍ وسلاطين وكهّانٍ وتجارٍ وآلةً مجانية وقودها السياط والعذاب، ناهيك عن زوجاتهم وأخواتهم اللاتي تحولْنَ إلى سلع تباع وتهدى، حتى أصبحت العبودية تورّث للأبناء، واستمرت إلى أن بدأت تظهر الأفكار والمثل العليا والأديان والرسل وحرية الإنسان وكرامته، تدعوا إلى وأد هذه الحالة فمرضت العبودية ولم تمت!

فقد ظهر بعد ذلك عبيدٌ من نوعٍ آخر، بلباسٍ معاصرٍ تحت غطاء ومسميات عدة، حاملين جينات أجدادهم العبيد الذين أرغموا على ذلك سابقا، ليتخذوها اليوم مهنة لهم يسعون خلالها نحو سلطان يلوذون به من شر ويطمعون فيه إلى خيرٍ ما، والسلاطين المعاصرون كُثُر، فهناك حزبٌ سلطان و شيخُ عشيرةٍ سلطان أو رجل دينٍ سلطان، أو حاكم دولة أو زعيم سطان، أو قد تكون دولة بهيئة سلطان، وكل هؤلاء السلاطين لهم عبيدهم المنتجبين الذين تطوعوا لخدمة السلطان الجليل، وقد يكون ضمنُ هؤلاء سلطانا من جهة، وعبدا لسلطانٍ أعلى من جهة ٍ أخرى.

وبما أن وقود (عبد) الأمس هي السياط ، ووقود (عبد) اليوم هو المال (وشتان مابين الوقودين)، فإن الأخير تجده باذخ الكرم في عطائه لسلطانه، من خلال الدفاع عنه ضد الأعداء المناوئين ، وكريما جدا جدا ومستقتلا في رد الأقوال المنسوبة إليه – والتي هي افتراءٌ وبهتانٌ- من وجهة نظر كريمنا وعبدنا الجديد حتى وإن كان فساد سلطانه كالشمس في رابعة النهار, ولشدة هذا الكرم في الثناء جاز أن نسمي هذا العبد المخلص بـ ( كريم السلطان).
وميزة ( كريم السلطان هذا) بأنّه يمتلك من النزعة الجدلية الشيء الذي يجعل الحاكم أو الشيخ أو رجل الدين أو الدولة السلطوية ( المحببة لديه) هو المنقذ الوحيد للبلاد وظل الله في الأرض منزهٌ عن أي مثالب وحاملاً لكل المناقب.

سألت أحد أقاربي ذات يوم: لماذا لم تنتم إلى حزب أو حركة رغم ثقافتك وشعبيتك؟ فقال: لو انتميت لأي جهة سأجبر ذات يوم بأن أدافع عن مواقف حتى وأن لم أكن مقتنعا بها، وأدافع عن شخصٍ حتى وإن بدى لي بعد فترة بأنه (كلب وضيع) حسب وصفه، (وبالتالي أصير عبدا مملوكا بالضرورة)

وأثبت صحة هذا القول ما نراه اليوم ونسمع عنه من أصواتٍ نشاز لعبيد كرماء جدا تجاه سلاطينهم، يملؤون الشوارع والأسواق والمقاهي وشاشات التلفاز، ارتضوا لأنفسهم مهنة الدفاع عن أشخاص فاسدين وجلادين مجرمين بحق الله والوطن والإنسان، متناسين دماء الأطفال والأمهات والأيتام والثكالى الذي كان سلطانهم سببَ ضياع طفولتة أولئك وشباب الأمهات والأرامل، السلاطين الذين ابتعلوا الدين والدنيا معاً, يظهر عبيدهم المغلفين بمسميات وهمية يدعون بتصريحاتهم لحرية الفرد، متناسين بأنهم باعوا أنفسهم وحريتهم ولن يستطيعوا شراءها حتى ولو بسلطان، فمصيبتنا هم هؤلاء العبيد بالجينات (الكرماء) الذين إن لم يجدوا من يستعبدهم صنعوا لهم مستعبِدا جديداً يلوذون به، والمصيبة الأخرى بأن أغلب دعاة الحق والحرية هم أ ُسراء أنفسهم وسلاطينهم.

لا تعليقات

اترك رد