المسلمون في بورما .. يعانون حملة التطهير العرقي و الديني منذ سنوات


 

مأساة المسلمين في بورما عار يندى له جبين العرب و المسلمين في كل مكان، و ما يتعرضون له من حملات و قتل و تهجير و تدمير و إغتصاب للنساء و إنتهاك أعراض لا يمكن تصوره، و لا يمكن تحمله، و نادرا ما نسمع به في دول أخرى و ما يتعلق بأقليات و طوائف أخرى، و أغلب الظن أن هذه الأقلية المسلمة المظلومة في أرضها و ديارها، لو كانت من أقليات و طوائف أخرى غير المسلمين لكان لها شأن آخر، و لكان لهذا النزاع حال أخرى ..

و أقرب مثل ما رأيناه خلال العقدين الماضيين في كل من جنوب السودان حيث قامت قائمة دول العالم الغربي و المتحرر و الديموقراطي و لم تقعد بحجة ” الإضطهاد ” الذي تتعرض له الأقليات المسيحية هناك، و تقرر من خلال تصويت في الأمم المتحدة تقسيم السودان إلى قسمين واحد شمالي يضم دولة السودان الأصلية، و آخر جنوبي يضم الدولة الوليدة للأقليات المسيحية التي كانت تعيش في السودان ..

كذلك الحال ما جرى في أحد الجزر الأندونيسية، و هي بالمناسبة تعتبر أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، و هي جزيرة تيمور، حيث وجدوا أن هناك أقلية مسيحية في الجانب الشرقي من هذه الجزيرة، و وجدوا أن هذه الأقلية ” مضطهدة “، و وجدوا و قرروا أنها تستحق أن تكون دولة، فقرر النظام الدولي عزل الجانب الشرقي من هذه الجزيرة الأندونيسية لتكوين دولة جديدة بإسم تيمور الشرقية، و لا تسألوني عن حال هاتين الدولتين، فهو مؤلم و مضحك، لكنها الإرادة الدولية ” العادلة ” التي إنتبهت إلى ذلك الظلم، و لم تنتبه بعد للظلم و التطهير العرقي و الديني في بورما بحق المسلمين هناك، إنه عالم مضحك، و حال مخزي ..

بورما هي واحدة من دول شرق آسيا، و تسمى أيضا ب ” مايانمار “، و تقع بالقرب من كل من العملاقين الآسيويين الهند و الصين، و بالتحديد على إمتداد خليج البنغال، و تحد بورما من الشمال الشرقي الصين، و تحدها الهند و بنغلاديش من الشمال الغربي، و تشترك حدود بورما مع كل من لاووس و تايلاند، أما حدودها الجنوبية فسواحل تطل على خليج البنغال و المحيط الهندي، و يمتد ذراع من بورما نحو الجنوب الشرقي في شبه جزيرة الملايو، و قد إحتلت بريطانيا بورما في نهاية القرن التاسع عشر و حتى إستقلالها عام ١٩٤٨، و تعد يانغون ( حاليا رانغون ) أكبر مدنها كما كانت العاصمة السابقة للبلاد ..

هناك أمة مسلمة أو أقلية تسمى ب ” الروهينجا ” تعيش في بورما التي يحكمها العسكر من البوذيين، و هذه الطائفة المسلمة كانت تعادل ما يقارب من ١٠ ٪ من إجمالي سكان بورما الذي يصل تعداده إلى حوالي ٥٠ مليون نسمة، و يقال أنها الآن وصلت إلى حوالي ٢-٣ ٪ فقط و ربما أقل نتيجة حملات القتل و الحرق و التدمير و التهجير التي عانت منه الطائفة المسلمة هناك و لا زالت ..

منذ سنوات طويلة و نحن نسمع عن حملات القتل و الحرق و التدمير و التهجير و السلب التي تمارسها الدولة و سلطاتها و عسكرها و معهم رجال الدين من الأغلبية البوذية، ضد هذه الأقلية المسلمة، و بالرغم من كون هذا البلد كان مغلقا نوعا ما خلال السنوات الماضية، إلا أن تقربه من الغرب في السنوات القليلة الماضية، و إجراء بعض التعديلات السياسية و خلق بعض الإنفتاح الداخلي و الخارجي، جعل الغرب و أميركا بشكل خاص تعيد النظر في سياساتها تجاهه، إلا أن ما يتعلق بإضطهاد الأقلية المسلمة و عمليات الإبادة المنظمة ضدها لم يجر عليها أي تغيير حسب المعلومات و التقارير التي نتمكن من الحصول عليها، بل ربما الأمر الآن يزداد خطورة و إتساعا، مع إحساس النظام هناك بتمكنه من الحصول على رضا و دعم العالم الخارجي شيئا فشيئا ..

في الماضي كنا نتوقع أن ما ينشر عن حوادث الإضطهاد و التطهير العرقي و الديني، مجرد إشاعات أو تضخيم للأمور، خاصة و أن هذا البلد كان منعزلا جدا كما أشرنا آنفا و بالكاد نتمكن من سماع خبر عنه من حين لآخر، لكن مع تكرار هذه الأخبار، بدأت وكالات الأنباء العالمية، و وكالات و منظمات حقوق الإنسان و الأمم المتحدة تنتبه إلى حجم الضرر و الخطر الذي يحيق بالأقلية المسلمة هناك، و بدأ نشر تقارير فيها نوع من التفصيل و التوضيح لما يحدث هناك، حيث نشرت مجلة التايم مثلا تقريرين مهمين بهذا الخصوص خلال الشهرين الماضيين، و بدأت بعض المنظمات الإنسانية تضغط و تطالب بزيارات و تحقيقيات عن الأوضاع، مما شكل ضغطا على الحكومة هناك، لكن حسب معلوماتنا الحال بقي كما هو إن لم يكن إتجه نحو الأسوأ ..

الغريب في الأمر، أن الدول الإسلامية الكبرى حول العالم لا زالوا يتصرفون و كأنهم لم يسمعوا لحد الآن بهذه المجازر في بورما، و لم نسمع لحد الآن بأي ردود فعل تتلائم مع حجم المجازر و المذابح التي يواجهها ملايين من المسلمين هناك، و لا أدري متى يصحى العالم الإسلامي و تمارس القيادات الإسلامية واجباتها و مسؤولياتها في حماية المسلمين سواء أكانوا داخل حدود البلاد الإسلامية أم خارجها، فنظرة سريعة للأحداث حولنا يمكننا من جرد أعمال قتل و تدمير و حرق و تهجير و إغتصاب و هتك أعراض للمسلمين في العراق من جهة، في سوريا، في اليمن، في نيجيريا، في الباكستان و أفغانستان، و غيرها كثير ..

إنها مأساة حقيقية لشعب مسلم لم يسمع به عامة الناس، شعب فقير مضطهد، يعيش في أحراش الغابات البورمية المطيرة، يرزخ تحت خناجر الظلم و التعسف، و يتعرض للتشريد و التعذيب و الموت و الحرق و الإبادة بأبشع الأساليب الوحشية، من دون أن تتحرك المنظمات الإسلامية لنجدته، و من دون أن تدافع عنه الحكومات الإسلامية المتورطة و المشغولة غالبا هذه الأيام بالوقوف ذليلة تنفذ أوامر الدول العظمى، و المنشغلة بالترويج لصناعة الموت، و المنهمكة بإشاعة الفتن الطائفية، أو المعتكفة في الظلام لتحريك النعرات المذهبية و الطائفية، أو الغارقة في أوحال

الرذيلة و الفساد، أو المنشغلة بالتآمر على جيرانها، أو الحائرة بأمرها و بأمر أزماتها المستعصية ..

تاريخيا، تعود قضية الإضطهاد و الحرب ضد المسلمين هناك إلى عام ١٧٨٤ عندما أحتلت أراكان، الأقليم المسلم، من قبل الملك البوذي ( بوداباي ) الذي قام بضم الإقليم إلى ميانمار خوفا من إنتشار الإسلام في المنطقة، و إستمر البوذيون البورميون في إضطهاد المسلمين و نهب خيراتهم و تشجيع البوذيين الماغ، من أصل هندي، على القيام بذلك ..

و في عام ١٨٢٤ إحتلت بريطانيا ميانمار و ضمتها إلى حكومة الهند البريطانية الإستعمارية ..

و في عام ١٩٣٧ جعلت بريطانيا ميانمار مع أقليم أراكان المسلم مستعمرة مستقلة عن حكومة الهند البريطانية الإستعمارية كباقي مستعمراتها في الإمبراطورية آنذاك، و عرفت بحكومة ميانمار البريطانية ..

واجه المسلمون الإستعمار البريطاني في حينه بقوة مما جعل بريطانيا تخشاهم، فبدأت حملتها للتخلص من نفوذ المسلمين بإعتماد سياستها المعروفة ” فرق تسد “، فعمدت على تحريض البوذيون ضد المسلمين، و أمدتهم بالسلاح حتى أوقعوا بالمسلمين مذبحة عام ١٩٤٢ فتكوا خلالها بحوالي مائة ألف مسلم في أراكان ..

و في عام ١٩٤٨ منحت بريطانيا الإستقلال لميانمار شريطة أن تمنح لكل العرقيات الإستقلال عنها بعد عشر سنوات إذا رغبت في ذلك، و لكن ما أن حصلوا على الإستقلال حتى نقضوا عهودهم، و نكثوا وعودهم، و أستمروا في إحتلال أراكان بدون رغبة و موافقة سكانها من المسلمين ” الروهنجيا ” و البوذيين ” الماغ ” كذلك، و قاموا بأبشع الممارسات ضد المسلمين ..

في عام ١٩٦٢ أستولى الجيش على مقاليد الحكم في الدولة بإنقلاب عسكري أطاح بالملكية البوذية، و أسس لنظام متشدد في قبضة جنرالات الجيش، فحرموا الشعب الروهينجي من إكتساب الجنسية الوطنية، و حرموهم من التعليم و التوظيف و السفر، و فرضوا عليهم البطالة و العزلة في الغابات المظلمة الغارقة في التخلف، و تركوهم يمارسون الطرق المعيشية البدائية من دون أن يزودوهم بوثائق رسمية تثبت إنتمائهم إلى ماينمار، و لم يسمحوا لهم بالمغادرة و الرحيل، و تصرفوا معهم و كأنهم فئة مسحوقة من الفئات المنبوذة ..

و لم تتغير أحوال المسلمين الروهنجيا بعد الإنتخابات التي جرت في نوفمبر ٢٠١٠، حيث مازال مخطط إخراج المسلمين من أراكان موجودا، و قد نجحت هذه الممارسات في تهجير أكثر من ٤ مليون مسلم حتى الآن، إضافة لمئات عدة من القتلى ..

و هناك تقارير عديدة تشير إلى أن أوضاع المسلمين لم تتغير كثيرا مع حلول الديموقراطية، بل ربما ساءت و دخلت مراحل جديدة، خاصة بعد إعلان الحكومة البورمية عام ٢٠١٢ بأنها ستمنح بطاقة المواطنة للروهنجيين في إقليم أراكان، و هذا ما أثار حفيظة الماغيوين و خوفهم من أن

يكون ذلك إيذانا بتمدد و إنتشار المسلمين من جديد فبدأوا يخططون للإيقاع ما بين الحكومة و المسلمين، و إثارة أحداث شغب و فوضى يتأثر بها المسلمون و تضيع فرصتهم في الحصول على حقوقهم، و بالفعل تطورت هذه الأحداث إلى مذابح و معارك و حملات قتل و تعذيب و حرق و تهجير راح ضحيتها عشرات الآلاف، و لا زالت المأساة مستمرة لغاية هذا اليوم، في الوقت الذي لم تتخذ فيه السلطات المحلية الحكومية إجراءات حاسمة لحماية المسلمين أو إيقاف شر و خطر و تمرد البوذيين ..

مسلمو بورما، أو ما تبقى منهم على قيد الحياة، يعيشون اليوم بين فكي كماشة، فهم يواجهون حرب إبادة شاملة في بلدهم الأصلي بورما، و من أراد منهم النجاة بنفسه هربا من القتل على يد العصابات البوذية في بورما يتصدى له حرس الحدود البنغالي، ليعيده مجددا إلى حياة الجحيم البورمية ..

هذا نداء إلى القادة العرب و المسلمين، إنقذوا ما تبقى من شعب الروهينجا البورمي المسلم، لا تخذلوهم كما خذلتم شعوبكم و شعوب و فئات أخرى مضطهدة و مظلومة، لقد خذلتم حلب و أهل حلب، و خذلتم غزة و أهلها، و خذلتم الفلوجة و أهلها، و الرمادي و أهلها، و الموصل و أهلها، سيكون مصيركم الندم، و لات ساعة مندم، و إن ساعة الحساب ليست ببعيدة، و الله هو وحده القادر فوق كل شئ ..

1 تعليقك

  1. احسنتم استاذنا الكبير … موضوع في غاية الاهمية
    السعودية التي شكلت حلفا اسلاميا عربيا واخذت تقصف اليمن الدولة العربية الاسلامية ودمرت بناها وذبحت شعبها قصفت حتى المستشفيات ومجالس العزاء واستخدمت حتى قنابل النابالم والاسلحة المحرمة … اين هي من معاناة ومجازر مسلمي بوربا ؟ اين منظمة العمل الاسلامي مما يدور في اليمن وفي بورما ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!.واين قطر التي تغذي الارهاب في ليبيا ومصر وسوريا والعراق ؟ اين الاخوان المسلمون والاحزاب والحركات الاسلامية الاخرى ؟!

اترك رد