النمو الكمي للأحزاب السياسية في العراق


 

ظاهرة التفريخ السياسي في العراق غريبة وملفته للنظر، فمنذ العام 2003 الى يومنا هذا لم تتوقف ماكينة التفقيس الحزبي عن العمل ، فهناك 1100 حزب وكيان سياسي مسجل لدى دائرة شؤون الأحزاب في المفوضية العليا للانتخابات، كما أعلنت المفوضية ذلك ، ففي العام2016 فقط سُجل 200 حزب بالاضافة الى 900 حزب مسجل أصلاً ، يبدو الامر مزحة لكنه حقيقة واقعة ، مما جعلني اتسائل : هل هناك هذا الكم الهائل من العراقيين يعملون في السياسة ومتحزبون فعلاً . أم ان هذه الأحزاب عبارة عن. دكاكين سياسة للارتزاق و أبواب للكسب الحرام بغطاء قانوني .

ففي حسبة بسيطة سنكتشف ان اغلب هذه الأحزاب هي كيانات فضائية ، فقد أعلنت وزارة التخطيط العراقية ان عدد نفوس العراق لعام 2015 هو 36 مليون نسمه نسبة الذكور 51% وتشكل الإناث نسبة 49% ، اما عدد السكان الذين تتراوح اعمارهم بين (15-64) سنة بلغ عددهم (20.829) مليون نسمة. هؤلاء ليسوا كلهم يعملون في السياسة او ينتمون للأحزاب فليس من المعقول ان يفقه الأطفال والمراهقون السياسة ،لذا سنخرج منهم الفئة العمرية 15-19 سنة ، فهؤلاء نسبتهم ما يقارب11% اي بواقع 2200 مليونين ومائتين الف شخص ، هذا العدد ينقص من العدد الكلي سيبقى 18 مليون رجال ونساء وهي الفئة العمرية التي يمكنها العمل السياسي، فَلَو استثنينا 5 مليون نسمه عدد نفوس اقليم كردستان ، لاصبح العدد 13 مليون ثم قسمنا هذا العدد على عدد الأحزاب لنتج لنا ان كل 118,181,8 لديهم حزب ، هذا مع فرض ان لا وجود للمستقلين وان كل النساء تنتمي للأحزاب وكل الفئة العمرية من 19-24 تدخل ضمن العمل الحزبي وهذا مستحيل، مع الأخذ بنظر الاعتبار ان اعداد المتحزبين في كل الأحزاب متساوٍ اي الرقم المذكور أعلاه .

اما اذا اعتبرنا ان الأحزاب الكبيرة هي صاحبة الحظ الأوفر بالاتباع والمنتمين، كما أظهرت الانتخابات الاخيرة الذي حصلت فيها الكتل والأحزاب الكبيرة على اغلب مقاعد البرلمان، فسيظهر لنا ان اغلب الكيانات و الأحزاب السياسية المسجلة لدى دائرة الاحزاب في المفوضية عبارة عن مشاريع استثمارية اغلب مؤسسيها لا يفقهون معنى السياسة أصلاً ولا ينظرون للبلد الا بمنظار الغنيمة او الفريسة. والحزب و الكيان بمثابة شركة تنتظر فرصة استثمارية في دولة رحل عنها القانون وودعها عندما لم يجد من يحترمه او يطبقه ، فاتيحت فرصة كبيرة للدجالين والمتاجرين بالقيم والمبادئ.

مع العلم ان اعظم الدول الديمقراطية ليس لديها ١٠٪‏ من هذا العدد المهول من الأحزاب والكيانات ، فالولايات المتحدة الامريكية عدد سكانها بلغ 320 مليون نسمه حسب احصاء 2015 لديها ستة احزاب فقط مسجلة وتمارس العمل السياسي ، اما بريطانيا الدولة الاولى التي عرفت التنظيمات الحزبية وصاحبة اقدم حزب سياسي وهو حزب المحافظين ذات الـ 65 مليون نسمه تقريباً فيها عشرة احزاب فقط اثنان منهما احزاب محلية صغيرة تكاد لا تذكر ، والبقية فاعلة .
ورغم كثرة الأحزاب العراقية الا انها لم تتمكن من صياغة اي مشروع وطني ، ولم تطرح رؤية مقبولة لبناء الدولة، ولم تفرز لنا سياسي او قيادي تاريخي ، فجل ما افرزته الاحزاب مجموعة من المطبلين واللوگية ، ناهيك عما احدثته من تقاطعات ومناكفات سياسية عطلت في اغلب الأحيان مسيرة الحياة في البلد ، فمعظم التيارات الكبيرة هي احزاب عائلية او إقطاعيات سياسية تدين بالولاء لزعيم الحزب ، فهي تؤيده في الخطأ والصواب ، و تدخل في صراعات من اجله ، حتى أصبحت الاحزاب مأوى وحصن للخارجين عن القانون، وغدت

السياسة في العراق مهنة من لا مهنة له او قل هي مهنة العاطلين عن العمل أو الحالمين بالشهرة ، وهي أقصر الطرق للثروة والجاه والسلطة، لذا تراجع النوع لحساب الكم ودنست كل الأسماء والشعارات بالزيف وصارت كلمة السياسي تعني الفاسد والسارق والتافه . ولم تعد الاحزاب تعبر عن التعددية السياسية بل تعكس التقاسم والمحاصصة للنفوذ والثروة

لا تعليقات

اترك رد