بين الحرية والفوضى


 

في مقال سابق لنا ذكرنا بعض المفاهيم المتعلقة بالحرية ” الحرية بين الازدواجية والواقع” والتي تحاول مجتماعتنا الشرقيةان تلبس رداءها وتقليدها دون الاخذ بنظر الاعتبار جملة امور ومترتبات تفرضها تبني تلك الافكار، ولذلك نجدها تقع في وهم الحرية ووهم صناعة الحريات، واستكمالاً لتلك المقولات السابقة نأتي على ذكر المعطيات التلازمية التي تنتجها تلك المفاهيم من حيث الاداء الفعلي للحرية ومن حيث الانفلاتات التي تحدثها تلك المفاهيم بالاخص في الشرق الاوسط، وسنخص جزء من المقال بذكر ما يحدث من سوء استخدام لمفهوم الحرية في اقليمنا الكوردستاني.
لايختلف اثنان على ان بين الحرية بفهومها التقليدي والرصين وبين الفوضى بكل انواعها خيط رفيع،ان لم يتم التعرف اولاً على اتجاه الخيط، ومن ثم ماهيته وقدرة تحمله، تحول كل شيء ضمن جغرافيته الى فوضى تخلق الكثير من الاشكاليات الفهمية والتعاملية والعلائقية على جميع الاصعدة، وهذا بالضبط ما يجعل مجتمعاتنا تعج بالابواق المنادية بالحرية، وفي نفس الوقت تعج بالممارسات التي تقيد كل الحريات، فالتناقض يبدأ من سلسلة الابواق الببغائية المقلدة التي لاتعي كيفية تبني الافكار، ولاتعرف كيف تمارس موجبات الافكار، وبالتالي تخلق الفوضى التي تجرح وتؤذي انسانية الانسان داخل مجتمعاتنا.
فالحرية التي تتبناها اغلب المجتمعات الشرقية هي كالتي رواها الاديب الكبير برنارد شو حيث قال بانه كان جالساً في مكان ما، وفوجئ بشخص امامه يضع يده في انفه”برناردشو”، فاستنكر الاخير ذلك الامر ورفض الموقف، وكانت المفأجاة اكبر حين سمع الرجل يقول له انا حر……، كانت الكلمة كالصاعقة عليه، فرد عليه الاديب الكبير حدود حريتك تقف عند حدود انفي..وهذا بلاشك تأكيد على المقولات التي تناولتها المجتمعات باختلاف نعراتها ونزعاتها حول الحرية، ولكن لايمكن لاي منها تجاهل مفهوم الحرية القائل بان اية حرية تنتهي عند حدود حرية الاخر، ونحن في الشرق فقط، تجاوزنا هذه الحدود،
ومارسنا الحرية التي تكاد لاتختلف عن الدكتاتورية بكل تمفصلاتها كتأكيد على ان مقولة شعرة معاوية لم تأتي من فراغ انما كانت ولم تزل كالميكافيلية هي الفيصل في الاحكام السلطوية داخل مجتمعاتنا، وفي حين اني لااستنكرها ضمن الجغرافية الشرقية وذلك للجهل الحاصل في تقبل المفاهيم المتعلقة بالحرية، وسوء الممارسات الفعلية لها، الا انني اجدها بحق تدخلاً شمولياً في الجوانب الحياتية للفرد الشرقي حتى انه تدخل في سياستة مع نفسه.. بلاشك انها مسألة فهم وادراك وحتى توظيف للمفاهيم ضمن مداراتها وانساقها التي تتناسب وكل مجتمع، وضمن التجربة الحياتية بكل تمفصلاتها واصعدتها، والتي برهنت انه لم ينجح اي فكر وسطي ضمن المجتمع الشرقي، والامر واضح ليس لانه هناك عيب في تلك الافكار، انما هناك اشكالية مزمنة وهي ان العيب في الفرد الشرقي بكل اثنياته، وبكل مذاهبه واديانه، لانه ليس الا سليل اوهام التاريخ الذي دونه بنفسه وانحاز منذ البدء لبني جنسه وفضله على غيره، وغير ملامح الكثير من افعاله الشنيعة تجاه الانسانية، واعتقد بان اي مجتمع يبني اسسه على الاوهام التاريخية التي يرويها بنفسه ليقنع الاجيال بانه كان متسيداً ومتجبراً ومتسلطاً على العالم فانه لن يغدوا الا مجتمعاً ببغائياً مقلداً متخلفاً في جوهره ومتعملقاً ومتباهياً في ظاهره.. لانه ما ان يخضع التاريخ الى الحقائق والحقيقة حتى يتم كشف الزيف الذي فرضه هولاء على الواقع ومن ثم تتحول المجتمعات بصورة طوعية الى مغارات مظلمة يحاول البعض من اشباه الحكماء التسلط فيها وذلك بطرح افكار خارجة من مجتمعات تقدر القيمة الانسانية للانسان، داخل مجتمعات اسسها مبنية على وهم التفاضل على الاخرين.. وبذلك تبدأ المفاهيم بقتل نفسها حين تجد الممارسات التي تحدث الفوضى باسمها.
والحرية باعتبارها اهم الركائز الفكرية التي طرحت سابقاً وحاضراً وستطرح مستقبلاً، تعيش حالة من الهيستريا الجدلية، لكونها في المجتمعات الشرقية كانت ولم تزل تتحول الى برك دم وموت وخراب، دون ان يعي احد القيمة الدلالية والفعلية للممارسة الحقيقية لفعل الحرية،ولسنا هنا بصدد اعادة المقولات الكثيرة التي لاتعد ولاتحصى عن الموجبات التي انجبتها المطالبات الشعبية للحريات بكل انواعها على مر التاريخ الشرق الاوسطي ولاسيما في الاونة الاخيرة حيث تحول مفهوم الحرية وصناعة القرار والاستقلالية والتحرر من الامبريالية والشعوبية والدكتاتورية الى محطات ذات فواصل كارثية بحق الشعوب، ونحن في كوردستان لم نستثنى من هذه الممارسة غير المنطقية لموجبات الحرية والتحرر، لكوننا حولنا تلك المفاهيم ضمن قوالبها الاصلية وحاولنا ان نسقطها على واقع متردي سياسياً واقتصادياً ومنهك اجتماعياً، فكانت النتيجة ان حولنا المسارات التاريخية الى اصفاد وسلاسل تعيق الحركة التحررية باكملها، وذلك خدمة للمصالح الذاتية الحزبية، دون ان نحاول ولو لمرة ان نخوص في المعطيات التي انجبت الحرية واعطتها ذلك البعد الايديولوجي العالمي والتاريخي معاً، وبالتالي فقط خضنا غمار التجربة كاغلب المجتمعات الشرق اوسطية، وذلك عن اخذ الفكرة ببغائياً في التلقين والالقاء، وتقليداً في الممارسة والفعل، فاغرقنا السفينة في وحل لم نعد نعرف كيف نخرج قاعها منه.. فلا المعارضة السياسية هي معارضة تمارس الحرية وفق منطقها الممنهج المؤدي الى خلق التغييرات اللازمة لكل المرحلة، ولا الساسة ” الاشخاص” استطاعوا ان يحدثوا بمقولاتهم وتصريحاتهم وارائهم تلك المساحات الممكنة لخلق ابواب تفضي الى الخروج من الوحل، وهذا بالضبط ما نسميه اللعنة التلازمية التي سترافقنا لعقود اخرى طالما لانجد الممرات المناسبة لكسب الحرية، وللأخذ بالافكار التي تخدم القضية، دون اللجوء الى العنف اللساني التصريحي المؤدي الى خلق انشقاقات اخرى داخل الاجتماع المنشق اصلاً بفضل الانشقاق الحزبي.
ان المتابع للمجتمع الكوردستاني سيجد ان بنيته تكاد تنهار بسبب عمق الانشطار الفكري والتوجهي والتحالفي فيه، واعتقد بان هذا الامر ناجم وبشكل اساس الى سوء الفهم الحاصل في الاخذ بالمفاهيم وبالاخص مفاهيم الحرية، ففي حين يظن البعض ان الحرية هو ان تخرج للشارع لتطالب بحقوقك نجدهم انفسهم يقومون بتأطير ذلك ضمن هياكل التحزب وهذا ما يعيب الخروج وليس الخروج نفسه، لانه حين يكون الخروج شعبياً دون محركات ذات اجندات خاصة.. وقتها تكون الحرية في مأمن من اية اشكاليات خارجية، ولكن العكس يخلق التماهي بين المدلول والفعل، ولا اجد الا الخلط الحاصل بين الاخذ بمفهوم الحرية وتطبيقه واقعاً، وهذا ما ادى ويؤدي دائما الى الفوضى وعدم الاحترام السائد في الاجتماع الكوردستاني حالياً؛ فضلاً عن التصريحات اللامسؤلة من بعض الشخصيات السياسية التي تخلق دائما رفضاً شعبياً مضاداً بالاخص اذا ما كانت تلك الشخصيات من الاحزاب المعارضة.
وما يعني بالتالي ان الخيط الرفيع الذي يفصل الحرية عن الفوضى لم يعد له وجود في مجتمعاتنا، لكوننا اصلا مجتمعات لانهتم بالاتجاهات ولا المسارات ولا حتى الحقائق، طالما نحن نلبس رداءً عصرياً ونملك لساناً ينتج ضمن ادبياته الكثير من اللغط السياسي التمردي الرفضي غير المحكم الى العقلانية، وذلك تحت شعار ممغنط ذا ابعاد عالمية يسمى الحرية.. ونسعى ضمن نطاقنا الاثني القومي الديني العرقي الحزبي التحالفي لخلق نهج غير منظم لممارسة فعل الحرية.

لا تعليقات

اترك رد