مهنة الكلام


 

“في البدء كانت الكلمة”،هذا القول يضعنا أمام وجودنا ومساره، ويشيرالى أننا في الحقيقة “كلمة “تعني وجودنا وطريقة عيشنا، ولأن هذا العالم المتمادي بالغرابة،لا يسيروفق اراداتنا،ولاوفق أحلامنا وغالبا ما نجذف فيه عكس التيارمعتقدين أننا نسيرفي درب النجاة من المجهول .

على أطراف آمالنا نتأرجح فوق جحيم الواقع والنار تستعر من تحتنا مساحات وجودنا يربكها الخوف من القادم ويعثرها صمت الكون أمام عجزنا، ولكن كل هذا لا يجعلنا راغبين بالرحيل بل نحن نعشق الحياة ونتوسل سرا وعلانية لها أن تمنحنا سرهاوسحرها.

والإنسان عبر التاريخ كما طور كل شيء طور الكلمة واستحدثها ، وجعل لها عوالم وطوعها ليستخدمها وفق حاجته وليعبر فيها عن مكنوناته الكلمة لا تتوقف في رأسه ينطقها ليل نهار وهي تدور في لغته وتتحرك في دماغه منتجة حينا محبطة في حين آخر مدمرة وشريرة في بعض الأحيان.

وقد قام البعض عبرالتاريخ في امتهان الكلمة،لإداركه أنها تخرج من أفواهنا لتمارس سحرها وشعوذتها في المتلقي، وقد تشعبت مهام الكلمةمن شعرالى أدب الى خطابة ومراسلات و العديد من المهام، حيث درسها الإنسان ونسقهاوصنفه.ظهرت كذلك تزامنا شخصيات اشتهرت في تطويع الكلمة ووظفتها في مشاريعها، ومن الأمور الملفتة ظهور ما عرف بالمداحين والهجائين والرثائين في الشعر وقد ترزق الشعراء من هذه المهنة، ولعل أشهر الشعراء الذين بلغنا عنهم اتقانهم المديح والهجاء والرثاء اضافة الى الفخروالغزل، المتنبي الذي له الكثير من قصائد المديح بكافور الإخشيدي حيث قال مادحا في الأخير:” وَقَاكَ رَدَى الأعداءِ تَسْري إلَيْهِمُ / وَزَارَكَ فيهِ ذو الدّلالِ المُحَجَّبُ”

ولكنه عاد في مكان آخر وغضب منه فهجاه قائلا : مِن كُلِّ رِخوِ وِكاءِ البَطنِ منفتق /لا في الرجاال ولا النسوان معدود ُ

وقد أوردت هذا المثال ،لأبين أمرا مهما هو أن الإنسان كائن ذكي عرف كيف يستخدم الكلمة ليصل بها الى مراده وأنها كانت وما زالت تتبع أهوائه فكلمة تبني واخرى تهدم،من هنا ندرك أن مهنة الكلام كانت وما زالت مشروع استرزاق يسعى لها من قرروا ان يدمروا المجتمع الوصوليون المعروفون بأنهم يمارسون النفاق الإجتماعي.

نحن اليوم نواجه جنون الكلمة وخروجها عن فطرة الإنسان، فقد نمت في علاقاتنا وأخذت الأمور بعدا آخر وتطورت آليات التأثير والإسترزاق ووظفت فيها العولمة ووسائلها من شبكات ومواقع التواصل وباتت رداء من لا رداء له ،وقد شهد العالم في الفترة الأخيرة ثورات دعمتها وأطلقتها الكلمة، وربما ضللت المشهد الحقيقي أو المركب الذي شهدناه على مر السنوات الماضية ،مما أنشأ بمكان ما طفيليات استولت على الكلمة وأخذتها أسيرة ميولها.

ولقد جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى : ” أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ” (24)، الكلمة عليها أن تكون طيبة صادقة تصنع الخير وتبني جسور الإلفة بين الناس لا أن نلبسها ثوب النفاق الإجتماعي والمصالح الشخصية، فكل كلمة تقال إما أن تكونطيبة، وإما أن تكون خبيثة، ثم أن الكلام الذي لا يوافق سريرتك، هو أخبثالكلام، مثلا أن تقول لشخص أحبك وأنت تكرهه، أو أن تمدحه بما ليسفيه،أو توافقه في قول خبيث فالكلمة قوة وقد تكون أقوى من حد السيف،الكلمة قول والقول مسؤولية وما تقوله وما تفعله هو ما ستحاسب عليه،ولن يكون لك رادعا الا ضميرك فهو المعيار وهو الحكم، لذا فكر مطولا قبل أن تبيعه لتتكلم بكلمة تخالف ضميرك نصرة لمصالحك الشخصية ..

لا تعليقات

اترك رد