طوبى لهم، صنّاع الجمال …!


 

صعبٌ أن يخامرنا النُعاس مالم تلامس أصابعنا، إحدى الأجهزة الحديثة، تلك التي تخدّر اعصابنا.. وتذيب خلايانا إلى أن نخلد للنوم..! جميلٌ صار الصحو بعد أن باتت بيوتنا تنعم بأشياء تغرينا، وتسحبنا من تحت الأغطية الوافرة رغماً عنا لنعيش معها طقوس الصحو الباذخ..!

أصبحنا لا ننام إلا والهاتف الجامح بصهيل التطبيقات ما بين أيدينا.. عبر شاشته اللامعة نتبادل الأحاديث مع أولئك الذين يقطنون في قارات نائية، تبعد عنا بُعد الأرض عن السماء.. بثوان، بل بلمح البصر نرسل صورنا.. نفتح الكاميرا ليصبح الشخص النائي وكأنه يجلس معنا يقاسمنا المكان.. بعد أن كنا ننتظر بالشهور لكي تصل رسائلنا الورقية مع ساعي البريد.. ناهيك عن تقنية الهاتف العالية بمعالجة الصورة والخيارات العديدة في إظهار اشكالنا …

حمامات فارهة، السراميك والبورسلان الناعم.. مغاسل من رخام فاخر.. وصنابير مذّهبة بأشكال أنيقة ينساب منها الماء ما أن تضع أصابعك تحتها.. مناشف أنيقة مغزولة من خيطان باذخة النعومة لكيلا تجرّح مسامات وجوهنا.. فرشاة أسنان تعمل على بطارية تدور لوحدها تدعك لك أسنانك بالنيابة عنك.. كريمات لنظارة البشرة ومعقم لليدين ..واقي للشمس ومرطب لليدين..

بذلات أنيقة وفخامة بالألوان.. ربطات عنق منسوجة من أجود الخيطان.. نظارات شمسية بمواصفات طبية عالية الجودة.. تمنع تسرب أشعة الشمس مهما زاد سطوعها.. أحذية مصنوعة من جلود فاخرة.. وجوارب حريرية بملس رقيق.. ساعات يد آسرة تحيط المعصم كأساور بنت السلطان.

سيارات قمة الفخامة تعمل على بصمة الإصبع دون أن تكلف عناء تدويرها بمفتاح.. كاميرات أمامية وخلفية تتيح لك رؤية الأشياء بدقة عالية.. مزودة بملحقات إضافية للرفاهية أثناء المسير.. مكاتب في العمل وأجهزة إلكترونية.. ماكينة لتحضير أفخر أنواع القهوة بوقت وجيز.. و …. و … و …. و …. الخ

كل ما تم ذكره أعلاه هو من اختراع من نقول عنهم أنهم “ملحدون وكفار” حين ندخل إلى إحدى المطاعم الغربية، أول شيءٍ نسأله: هل به لحم خنزير؟ نفزع من أن نأكل طعاماً به لحم خنزير؛ لكننا لا نتردد في أكل لحم أخينا حين نغتابه ونسلج جلده في ظهره.. نخاف من النظر في زجاجات الخمر ونشيح بأبصارنا عنها لكيلا نصاب باللعنة؛ لكننا أبداً لا نشيح بأبصارنا عن الشقراوات ومفاتنهن، نخشى النظر إلى زجاجة جامدة لا حراك بها، ولا نخشى من التلصص على جسد يتمايل أمامنا بمقدوره أن يحرك فينا نواعير الرغبة الحسية..!

إن كنا كما ندّعي ونعلن بأن طعامهم محرماً علينا؛ إذن، لماذا نشتري أطعمة من صناعتهم ونتفاخر بها؟ هل يوجد اليوم متجراً واحداً في كل البلاد العربية بوجه عام والإسلامية بوجه خاص يبيع منتجات محلية الصنع؟ هل سبق وأن تذوقنا قطعة شوكولا صغيرة من صنع عربي بالمطلق؟ حتى وإن كانت المواد الأولية محلية حتماً فأن الآلة المصنعة لها أجنبية..!!

نركع ونسجد في النهار والليل، وفي الأسحار نستغفر ونسبح لله، ونأكل من طيبات ما رزقنا الله؛ ونلبس الحرير والزبرجد نتزوج مثنى وثلاث ورباع ونطلق النساء متى نشاء.. ومع ذلك فأن طيبات الله والحرير والياقوت كلها من انتاج الدول الكافرة. نسترخي تحت أشجار الخمول والكسل، والكافر والملحد منهمك في الاختراعات والاختبارات الكونية. القرآن ما بين أيدينا والملحد هو من يكتشف اعجازه.! نتفاخر بإعجاز القرآن والنتائج من حصادهم.. قرأنا كتاب الله ولم يلفت نظرنا من كل آياته سوى السور التي توحي إلى الجنة.. ولم نفهم عن الجنة إلا الحور العين والفواكه قطوفها دانيه. لم نكلف أنفسنا بأن نستنبط من تلك الآيات ما يحثنا على العلم ولم نتدبره كما تدبره المستشرقون..

ألم يحن الوقت لنواجه أنفسنا ونتساءل بإنصاف ومحاكمة منطقية وإنسانية:

من هو الأجدر بالثناء: نحن الذين نستهلك الحياة، ونجتر الأيام اجتراراً رتيباً؛ أم أولئك الذين يصنعون الحياة.. يغامرون بأرواحهم من أجل اكتشاف علمي .. يسهرون الليالي الطوال يباتون في المختبرات ليتوصلوا إلى علاج قد ينقذ أرواح أهلكها المرض..!

من هو الأحق أن يدخل الجنة، نحن أمة أقرأ لكنها لا تقرأ ولا تتدبر لا في كتابها المقدس ولا في كتب العالم الآخر.. أم أولئك الذين يغوصون في البحار ويتسلقون الجبال ويسافرون إلى المريخ ليكتشفوا أسرار الكون وابداع خالقه من خلال نظرياتهم وأبحاثهم التي قد تستغرق سنين طويلة.

إن الله لا يكافئ من لا يعمل ولا يسعى في الأرض جمالاً… ولا يبخس حق المجتهد وإن لم يعجبنا مذهبه، وأكبر برهان على عدالة الله وانصافه؛ أنه قد أعطى النعيم لأولئك الذين نصفهم بالملحدين والكفار؛ لأنهم هم الأحق بهذه المكافأة منا، وهم الأجدر بها من خلال جهودهم وتعبهم.. فــ طوبى لهم، صنّاع الحياة.

الحياة لا تشفق على أمم ليس لديها من طموحات كبيرة، ولا تملك من شيء تفعله سوى التشدق والانتقاد الفارغ.. تنام بلا أحلام.. الجهل يستعر في غابات عقولها تقذفها أقدام أمم أدركت قوانين الكون وأيقنت بأن الحياة للأقوى ولا قوة تأتي إلا بالعلم..

شارك
المقال السابقالإرهاب و محاولات إسقاط الدولة المصرية
المقال التالىعراق 2017..هل يأتي بابا نؤيل؟
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد