حكايتها


 
(لوحة للفنانة شكران بلال)

مذ كنتُ صغيراً إلى ما قبل ليلة زفافي بليلة واحدة، وأنا ـ في ولع غير مسبوق ـ أطلب منها أن تحكي لي الحكاية قبل المنام.

تحكيها، فلا أشعر بطعم شيء أبداً إلا بطعم إحساسها المعتق وبصدق حنوها الذي لا يأفل ولا يَـكـِلُّ أو يُـكَـل حين تتدفق بها عذوبة من داخل معطف تلك الساحرة الآسرة..

بعد أن انصتُ لألفاظها الدافئة لفظة لفظة وقد نمتُ في شتاءات جسدي القارسة نوماً دافئاً هانئاً جداً وهو بغيتي.. تحملني نشوتي الفائقة كالعادة صباحاً مبكراً بعد الاستيقاظ، فأحكيها تحت سقف الساباط* لتربي من صبية وصبايا زقاقنا الطيني كقصة خبز أحمر أحسائي للتو أُخرج من التنور.

وبالرغم من شغفهم الذي يجعلهم منصتين لي تماماً، إلا أنهم في كل مرة يكممون أفواههم ويضحكون بعمق قائلين مجدداً: (عبدالله، أتعلم بأن أمك كل ليلة تحكي لك نفس الحكاية لكن بطريقة مختلفة؟).

أكرر ابتسامتي أيضاً بعمق قلبي وأجيب: (بلى أعلم).

ولأني ألحظ في عيونهم تجدد الدهشة، بل وتجدد السؤال (لماذا؟)، أكمل إجابتي قائلاً بهامة مرفوعة: لأنها حكاية (أمل) .. أمل.. يا جهّال، تلك التي لا تهنأ بنومة أبداً.. أَرِقَةً وهي تنتظرني !

اليوم بالطرق المختلفة الصادقة الحانية التي كانت أمي تحكي بها لي، بدأت أحكي حكايتها لأبنائي بـ(كان يا ما كان).

أيضاً بعد أن أشتعل التطور التقني صرتُ أكتب الحكاية ذاتها كل ليلة، بشتى الأساليب والأشكال، فانشرها على مواقع الشبكة الإلكترونية وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، بل امسيتْ أكتبها على (الآي باد) بطريقة أكثر حضارية، فأرسلها على (الواتس أب) لأحفادي ليقرؤوها قبل نومهم، فيجدوا فيها متعتهم وشغفهم بأمل البطلة.

بل بذات الشوق واللهفة، وبالطرق الإبداعية الجديدة المثيرة، أصبحتُ لا أنام أبداً، أبقى متيقظاً لأحكيها لنفسي إلى أن يصير الفجر صباحاً، فأحبها وأشتاقها أكثر وأكثر..

أفعل ذلك كله منذ ليلتين من زواجي بـ(أمل) تلك التي في ذات الزمن تحديداً، غدت تغط في نوم عميق جداً .!

لا تعليقات

اترك رد