الغُمُوض في السرد الأدبي، أسئلة وإجابات


 

الغُمُوض نوعان:
الأول: صُعوبة الفَهْم والإدراك، أي اخْتِفاء المعنى بنحو يمكن الوصول إلى فهمه وإدراكه بالاجتهاد.
الثاني: اِسْتِحالة النَّفاذ والإدراك إلى المعنى، أي إبهام مدقع، معتم جداً، ليس بالإمكان الوصول إلى فك شفرته مهما بذل من اجتهاد.

سؤال: هل استعمال الغموض مرغوب في السرد الأدبي؟.
إجابة: بالطبع مرغوب فيه، وفي كل الأجناس الأدبية.

سؤال: وأي النوعين ينبغي أن يستعمل؟، ولماذا؟.
إجابة: النوع الأول بالطبع، إذ أنه سيعطي فهمه وإدراكه مع بذل الجهود. ولا يستعمل الآخر، لأننا جميعاً نؤمن أنه كلٌ ذي عقل في هذه الحياة، ينفر من الأمر الغامض الذي لا يمكن بحال أن يعطي حقيقته، مهما بذل من جهود له، هذه حقيقة محضة لا أعتقد أن يختلف عليها اثنين، إذ ما فائدة شيء يقع في يده، ولا يمكن أن يبلغ إدراكه وفهمه والاستفادة منه؟. والأديب الواعي حين يبدع أدبه هو لا يكتب لنفسه، وإنما لكي يوصل للآخرين بعض من نتاج موهبته، وحين يخالف هذا المبدأ يحكم على نفسه بالعزلة، ويرضى لموهبته بالتلاشى والضعف حتى تموت، وللأسف الكثير من كتاب اليوم، انتهجوا هذا النهج، بحيث ضربوا بينهم وبين القارئ حواجز شاهقة لا يمكن بحال تخطيها ولذا أعتقد أن منهم من يحتضر ومنهم من مات.

سؤال: ما هي حقيقة وجود الغموض في النص الأدبي؟.إجابة، أذكر بعضاً منها:
1- فن جمالي ملازم للعمل الأدبي.
2- فن لغوي إيهامي وتعمية لمحاولة إشغال وإعمال فكر القارئ/المتلقي.
3- مشاركة القارئ/المتلقي في حيثيات النص وإكمال ما تركه الكاتب له.
4- عملية تشويقية لاحتواء النص.
5- لعدم موت النص بقراءة واحدة.

سؤال: فيم يستعمل الغموض؟.
إجابة: سأتحدث عن استعماله في (السرد/ القص) بأنواعه، بحكم معرفتي المتواضعة به. يستعمل في مفاصل السرد التالية (الفكرة – العقدة – عناصر الحدث: المكان، الزمان، الحوار) وغيرها.

سؤال: كيف يتخذ شكله في تلك القنوات السردية؟.
إجابة: سنذكر شكله في بعضها على سبيل المثال:

1- في الفكرة (الرؤية) التي تقود السرد بأكمله وتبسط سيطرتها عليه حتى النهاية التي تبقى فيها غامضة، وتسمى هذه القصة بالمفتوحة، لكن الكاتب، لا يتركها هكذا، بل أنه ترك هناك إشارة ما في متن النص، تحيل القارئ إلى العودة لقراءته مجدداً، فبعد أن يبذل جهد ما، يجد المفاتيح اللازمة لفكها ومعرفتها.

2- العقدة التي تأتي فيها تعقيدات الحدث، وتأزيم الأمور، وزيادة الأبعاد النفسية والاجتماعية وغيرها.. لا تظهر أيضاً المسببات لكل هذه الأمور، بل تتفجر الأفعال والردود عليها أحياناً لتصل إلى المبالغة، فلا يفك شفرتها إلا بعض الألفاظ التي يلقيها الكاتب بذكاء بين ثنايا النص، لتكون هي المفاتيح لفكها، ولذا يجب على القارئ تحري السرد لفظة لفظة.

3- المكان: لا يفترض أن يذكر الكاتب أنه مثلاً (مركز تسوق صغير) هكذا بشكل مباشر، بل يذكرها بصفاتها، وربما بصفة واحدة دقيقة تؤدي كثافتها بامتياز، مثال(لقيه مختبئاً خلف رفوف بيع المواد الغذائية المفردة، في زاوية لا تكفي إلا لبضع صناديق كرتونيه صغيرة أزالها وحل محلها).

4- الزمان: أيضاً ليس من الواجب على الكاتب أن يذكره صراحة (الصباح/المساء/ في السن الكذا) لا، بل يشير إليه إشارة، مثال (عيناه الآن غير قادرتان على مصارعة الضوء الشمس) دليل على النهار. (احتواه لأنه أصغر شتلة بين شتلات كبده؟) أي أصغر ابنائه، وهكذا.

5- الحوار: أحياناً يريد كاتب ما من شخوص القص أن يأتون بردود كلامية لا تعطي الإجابة الشافية جاهزة واضحة، بل غامضة، فيبقي السرد هو الملجأ الذي يهرب إليه القارئ للفهم، مثال:

(قال له: هل أنت من قطف تلك الوردة؟.. أجابه: قطفها ذو الوجه الذي إذا رآك ابتسم).. ومن هنا يعود القارئ إلى السرد في مجمل انحاء القصة، وسيعرف من المقصود. (أو أجابه بلوي أنفه فقط)، ولذا على القارئ أن ينتبه إلى أن صاحب الأنف الملتوي، هو فلان كما ذكره الكاتب في النص.

بهذا، نأمل أن نكون قد وضحنا الغموض المطلوب في السرد/القص الأدبي، ورفع أهم اللبس الذي يقع فيه كتاب هذا اليوم، حتى وصل بهم إلى أن كتبوا نصوصاً متعالية لا تنخفض رؤوسها لناهل العلم وللباحث عن الحقيقة، ولو كانت في أقصى السماء.

لا تعليقات

اترك رد