قانون العشائر والتنمية و الدولة المدنية

 

عند تناول موضوع العشائر من وجهة النظر الإدارية للدولة لا بد من تعريفها بشكل يتماهى مع ادبيات “ادارة الدولة” وأهمها (التنمية ) التي تعد مؤشرا حاسما وثابتا في نجاح الادارة من خلال مراكمة المنجزات وصولا الى مستوى أخراج العراق من كبوته الحالية ووضعه على سكة الحداثة والمضي معه بعيدا في هذا النهج .

“التنمية” التي توضع من أجلها الخطط والسياسات والقوانين وتندرج في سياقاتها مفردات الخطاب للفاعلين السياسيين ( نؤشر هنا غياب هذه المفردة من أكثر الخطابات ).
التعريف المبسط للعشائر هنا لا يخرج عن كونها “تجمعات” بشرية مستقرة حول المصادر الطبيعية ( ماء/ ارض ) بهدف الاستغلال المناسب للأرض والبيئة وهي بحجمها السكاني الواسع واهمية المناطق التي تنتشر عليها تشكل موردا أساسيا من موارد التنمية من جانب وهدفا هاما لها من جانب اخر.
وهي تجمعات بشرية استقرت خلال فترات متباينة بعد مسيرة من الحركة ،الامر الذي أدى الى ملاقحة القيم البدوية السابقة مع قيم لاحقة اقتضتها ضروف الاستقرار والزراعة والنشاطات الملحقة !!!

وقد مارست هذه التجمعات أعرافا خاصة بها دارت حول محاور عدة منها ( القضاء – حيازة واستخدام السلاح- موقع المرأة وغيرها ) واظهرت تباينا صارخا مع القيم والاعراف الحضرية التي أفرزها التشكيل التدريجي للدولة العراقية في مراحل ما بعد التاسيس. اول من دق جرس إنذار التباين بين أعراف العشيرة ومسيرة بناء الدولة الملك فيصل الاول عندما عبر عن خيبته فيما يتعلق بحيازة العشائر العراقية للسلاح بكميات تفوق بكثير الكميات المتوفرة لدى الدولة الناشئة حينها . واحسب ان الملك في ذلك الوقت كان مهموما في بناء دولة قوية تحتكر لوحدها العنف في تجسيد مباشر لنظرية ماكس فيبر حول احتكار الدولة للعنف . وهنا بالذات تظهر سمة الملك فيصل كرجل دولة ومؤسس على خلاف قيادات كثيرة حكمت العراق في مراحل لاحقة حولت “الدولة” الى فضاء تنافس القبائل والمذاهب والأحزاب وفرطت في احتكار الدولة للعنف وثلمت “مدنية الدولة ” لصالح العشيرة ( نشير هنا عاى سبيل المثال محاولة استمالة العشائر لأسباب سياسية من خلال تقديم ميزات “رواتب ” وهدايا بهيئة أموال وأسلحة بدلا من انشاء مدارس حديثة وخدمات )!!
ثلاثة عشر عاما مضت تحت خيمة (بناء دولة مدنية ) ولكنها أنتجت مجتمعا ودولة تتقاسمهما المذاهب والعشائر لدرجة لجوء بعض أعضاء مجلس النواب العراقي ( صانعو الدولة المدنية ) الى عشائرهم في حسم صراعاتهم السياسية وهو مؤشر فشل جلي للسياسة العراقية في غرس مفاهيم الدستور وآلياته داخل المجتمع والدولة .

نشرت منظمة “لأجل العراق” الحقوقية، في الآونة الاخيرة تقريرا جاء فيه أن “بغداد شهدت 800 محكمة عشائرية خلال الشهر الماضي، بمعدل 27 محكمة يومياً، بينما شهدت النجف 1200 محكمة عشائرية، بنسبة 40 محكمة يومياً، وفي البصرة بلغ عدد المحاكم 2450 محكمة عشائرية، بمعدل 82 محكمة يومياً”. وأفادت المنظمة بأن “المحاكم الدستورية أو الرسمية العراقية، تنظر في الأحكام العشائرية للبتّ في شأنها”.
قانون العشائر العراقية بصيغته الحالية لا يتعلق ابدا برؤية تنموية واضحة بقدر ما يتعلق بحسابات سياسية تضمن مواصلة استخدام العشيرة لتأكيد استمرار الخارطة السياسية الحالية وحرف الدولة بعيدا عن مَسيرتها المدنية .

الدولة العراقية التي أنهكتها الحروب والفساد وسوء الادارة لا تحتاج ابدا الى مؤسسات جديدة تندرج في قافلة الفساد وتشطر المجتمع العشائري زيادة عاى انشطاراته الحالية بسبب الصراعات حول ( الوجاهة والسلطة والثروة ) بقدر ما تحتاج الى خطط تنموية نوعية ترفع من مستويات سكان القرى والارياف ثقافيا واقتصاديا وتفكك المنظومة القيمية التقليدية لتحل محلها قيم المواطنة. المجتمعات العشائرية بحاجة الى “تعليم جيد ” ونظام “صحة كفوء” و”مسارح جوالة” و”شبكة مواصلات” حديثة تربط المدن مع الأرياف لكسر عزلة المناطق الريفية واتاحة الفرص لحركة المجاميع البشرية لخلق مستوى تجانس اعلى وجعل مؤسسات الدولة المتباعدة في متناول يد المواطنين بهدف تعزير عملية التنمية (على سبيل المثال استنادا الى دراسة فرنسية حديثة حول المناطق المهمشة البعيدة عن مراكز المدن ظهر ارتفاع مستويات التشدد الديني والعنف لدى شباب هذه المناطق يعود جزء من اسبابه الى رداءة المجمعات السكنية وبعدها عن المدن الكبيرة مما دفع السلطات الى تحسين الدور والخدمات وربط المجمعات السكنية بوسائل نقل سريعة ” مترو ” ).

مساواة المواطنين امام القانون التي أقرها الدستور لا بد ان تترجمها الدولة ميدانيا من خلال ردم الهوة بين المدن والارياف في إطار سياسة كفوءة لادارة التنوعات البشرية.

المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والصحية والثقافية التي يعاني منها الريف تجعل حياة المواطن رخيصة بشكل يستطيع ان يضحي بها بسهولة وتساوم بها العشيرة بمزاجية بعيدة عن المدنية التي تنعم بها المجتمعات الحديثة !

لا تخرج اغلب مواد “قانون العشائر ” عن مجالات اختصاص أعضاء مجالس النواب ومجالس المحافظات التي تسكنها التجمعات العشائرية المستهدفة بهذا القانون كالمادة الرابعة على سبيل المثال التي تنص على ( النهوض بالواقع العشائري بِمَا يساهم في تطوير المجتمع وذلك من خلال تنظيمه مدنيا ..،،،،،..الخ ).
وهنا نطرح السؤال التالي:
كيف ستسهم المجالس العشائرية التي دعا اليها هذا القانون اذا كان قسم لا باس به من أعضاء مجلس النواب مستندا على القضاء العشائري في تسوية نزاعاته السياسية بدلا من استناده على قضاء الدولة ؟؟!!

وليس غريبا اذن ان يأتي هذا القانون في سياق سلوك الحكومات العراقية المتعاقبة في اعتبار المناطق الريفية مستودعات بشرية هائلة ومفيدة لها في تنفيذ سياساتها البعيدة عن التنمية وتمكينها من المسك بمقاليد الحكم لفترة أطول !

ومن هنا فان قانون العشائر بصيغته الحالية سيودي الى :
– أضعاف القضاء العراقي من خلال تعزيز القضاء القبلي .
– تسريع عملية ترييف المدن.
– إضافة مؤسسات جديدة تثقل كاهل الدولة العراقية المثقلة أصلا بسبب اخطاء الماضي.
– تعزيز مسيرة الفساد السياسي بسبب تغليب الهياكل القانونية الفارغة التي تديم حالة الهيمنة على أصوات الناخبين في المناطق الريفية لايصال ممثلين الى مواقع القرار غير منتجين للقيم المُضافة و منسجمين مع توجهات القوى السياسية التقليدية

1 تعليقك

  1. Avatar حسن متعب

    سلم يراعك الجميل، انا اتفق معك كليا في استنتاجاتك وتشخيص سليم ودقيق للواقع العراقي، ملاحظتي الوحيدة هي استخدام تعريف قديم للقبيلة يتعلق بنشاتها وظهورها وتوطنها، ولكن هذا لايلغي جمالية ودقة التحليل.. احسنت د. محمد القريشي.. تحياتي

اترك رد