أدبيّة النصّ بين الشعر والقصّ: مجموعة نصوص صغيرة للكاتبة وفاء عبد الرازق


 

ومضات سردية ..قصص قصيرة جدا .. كانت ما كانت هي كيانات نثرية اشتركت في ملمحها القصصي وتشكّلها السّردي ..قد تكون استجابة لحس ابداعي اقترن بسيرورة التحولات والمخاضات التي افرزت مثل هذا الشكل ،وقد تكون أيضا ذات الكاتبة من اختار ذلك حين ندرك معاناتها من جهة ورغبتها في التعبيرعن هذه المعاناة بطريقة تراها الأكثر نجاعة للتحاور مع ذواتات غيرها باتت متصلة بعصر العولمة وما اقترن به من تطور ، جعل الكتابة عبئا ثقيلا وجب تخفيفها والاختصار فيها حتى تجد لها موقعا بين المرئيات المتنوعة .. هنا يكمن التميز والقدرة على الاقناع من خلال ما تتميز به هذه الكتابات من طرافة تفتكّ لذاتها موقع الصدارة الذي يجمع ببن الاختصار في العبارة والتكثيف في المعنى ولعله جوهر عمل الأديبة وفاء عبد الرازق ..ومنطلقنا هذه النصوص الأربعة ( هدوء – الغامض – أوقات -أشكال) ..قد ننظر لهذا المنجز الإبداعي من جهة أنها نصوص مستقلة عن بعضها البعض ..كل نص فيها ينفرد بعنوان وموضوع وأحيانا بشكل أدبي من خلال ما يتراءى من دعائم جنس قصصي معين مثل النص الثاني الذي تظهر فيه بعض مقومات الحكاية المثلية أو ما يصطلح عليه المثل الخرافي ..ولعله يذكرنا بقبرة ابن المقفع ..وهذا من شأنه أن يؤكد على أدبية النصّ ..كيف يمكن أن نقرأ هذه النصوص ؟ ما علاقتها ببعضها البعض ؟ وماهيجملة الخصائص الفنية المائزة التي تتأسس عليها ؟ قد تكون الكاتبة حافظت على بناء هذه النصوص وأهم أعمدتها لكنّها تجاوزت الأصول المألوفة للقص لتطعّمها بأشكال جديدة ، ممّا يجعلنا نقف إزاء ظاهرة التناصّ أو التداخل النصّي الذي يجعل من هذا النسيج اللّغوي يستدعي النّص الغائب ولنا فيه نصوص ..فما يبدو لنا فيه سياق قد يكون ضربا من التّداعي الحرّ للأفكار من منظور علم النفس ..ولكنه أيضا يظهر بلبوس سينمائي بدت هذه النصوص وكأنّها استعارت تقنية التقطيع السّينمائي التي تجعل الأحداث تتسلسل في لقطات ومشاهد. إضافة إلى تقنيات التّصوير لتكون بمثابة ” الفلاش باك” التي استندت على ظاهرة التلميح والإضمار دون التصريح والإظهار . وهذا بدوره يدرجها ضمن فن الشعر النثري الذي تظهر ملامحه من خلال كثافة الصور وبلاغة الإيحاء والإيجاز وقوة التّخييل فضلا عن توظيف شكل السطر الشعري في بعض الأحيان،وهذا ما يجعلنا أمام نصوص عصيّة بلغة مثقلة بالرموز ..بذلك فنحن أمام نص مراوغ أينما وجهنا نظرنا تكسر الكاتبة أفق التوقع لدينا . هذا إضافة إلى التشظي الذي وُسمت به هذه النصوص في علاقتها ببعضها البعض ،وما يظهر من كسر للتّسلسل السّردي سواء تعلّق الأمر بالنص الواحد أم بالنصوص مجتمعة ككيان قصصي متكامل ..حيث نلفت الانتباه إلى هذا التحكّم في الفعل السّردي حين تراوح السّاردة بين سرد استرجاعي مفرد تسرد فيه مرة واحدة ما وقع مرة واحدة وسرد استشرافي مؤلف تستشرف فيه المستقبل فتتحدث مرة واحدة ما سيقع مرات عديدة . لعلّها بهذا النّظام السّردي تشكّل صورة نافذة في الرّؤيا وفي الخياليّة الإبداعيّة خاصّة إذا ما لمسنا الاختلاف بين نصوص وفاء عبد الرازق وما ألفناه في الأقصوصة التقليديّة وارتباطها بالواقعيّة الوصفيّة التي تجنح إلى التفسير والتفصيل ..هنا نحن مع شكل مختلف قد ندرجه ضمن ما يصطلح عليه القصة-القصيدة أو القصيدة- القصة بما تنطوي عليه من كثافة وإيجاز يتركان أثرا في مستوى تكشّف الدّلالة وليس الغموض الذي يسربل السياق إلا تأييدا للفلسفة التي تمتح منها ..وكذلك في مستوى أدبية الخطاب حيث يتوفر جانب من الشعريّة والسرديّة في آن واحد فيختلط النثر بالشعر والعقل بالوجدان لتفيض عواطف مغرقة بالصدق والعمق تجعل نزعات الكاتبة نزعات مصيريّة جِدّيّة ترتبط بالمعاناة التي تتغذّى بالتّأمّل ..والكاتبة حين تنكبت عن الصّورة المباشرة إلى الصورة الإبداعيّة إنما لتعبّر عن المخاض الداخلي الذي يعتمل في أعماقها لتفصح عنه بخطاب غائم يبلغ حد الرّمز . فقد عبّرت عن الفكر المتحجّر الذي يسجن بين الصخور . وقد كشفت عنه بصورة القبّرة التي هي صوت العقل كما عهدناها في حكايات كليلة ودمنة والزهرة التي هي رمز الجمال والنضارة والحب ..وكأن الانسان – طالب الحقيقة والمترنّح للجمال سقط في هذا العصر لأنّه وقع في الأباطيل ليوحي بالعقم ،بل إنّه تلمّظ القصائد ولكن لن تفيد الخطابات الجوفاء، بل ضاعفت تكبده ليتّخذ من الأوهام يقينا وآمن بالأصباغ التي أسقطته في ظلمة الواقع ومنعته من الارتياد الفعلي .. إنه توصيف للواقع عبر الرّمز من خلال لغة تقول وكأنها تستعد للقول ..لتدلل على كاتبة شاعرة بالواقع تخوض صراعا تراجيديا مجاله الذهن والعاطفة ليكون التعبير عن التيه والتشرّد بتيه اللغة التي تعرج إلى المجاهيل فلا يهمها الزمان او المكان او الحدث بقدر ما يهمها انطلاق الدفقة الشعورية التي تريح الذهن مما علق به من مؤثرات خارجيّة.. وتكبح جماح العاطفة التي تتهاوى في دائرة العدم .. كله غامض وكله يفتح على الرمز ويوحي بفكرة وقضيّة .. فإذا الكتابة عندها رؤية وتفكّر وإذا النص فلاة سفر وتيه ..

النص :

(( قصص قصيرة جدا ))

( هدوء )

أراد أن يكون أكثر هدوءاً من ذي قبل،،مدَّ يده لهؤلاء الذين يلبسون آلامهم ويعتصمون بالصَّمت..بكفه الكبيرة أمسك بآلامه وانحنى عليها مقبِّلا.
وقتها،، كانت الشَّمس تنحني على المياه وترقص.

( الغامض)

رأى قبَّرة صامتة، جلس قرب البحر بعيدا عنها، ناظراً إلى عناء زهرة بين الصّخور، محاولا معرفة نظرة القبًّرة إليها.. كلاهما صامت، حتى أفكاره التي طارت بعيداً ولم تعد.

طهَّر الفضاء مما علق به من دعاء المحتالين، الكذابين، القتلة،،وتيقن أن اللاّمع بين الغيوم، الذي ملأ الأجواء سحراً، هو ذلك الصَّامت منذ الأزل،المتطلَّع إلى القبَّرة والزهرة بين الصّخور.

( أوقات )

عند الصباح،، كان يحمل غرس الشّجون، وحزنا عابثا بالقلب..
عند الظهيرة،،أخذ المدى بين يديه وامتلأ.
عند المساء،،ارتدى امتلاءه واندسَّ بين النجوم.

( أشكال )

بهذا الشكل، بهذا الوجه، بهاتين العينين، بهذا الوله، سأبقى باحثة عن بداية لا تكتمل.
قالت هذا..وتوهجت القصيدة مثل سفينة ذهبية في بحر أبيض..
النساء الضئيلات، لا يتسعن لحجم زخَّة مطر..
المكتملات..

يتحررن وينطلقن لينسجن السَّماء .

لا تعليقات

اترك رد