مستقبل دول شمال أفريقيا وعلاقتها الإفريقية


 

لا شك أن عديد الباحثين والمحللين للأوضاع في إفريقيا، انبروا منذ سنوات عديدة يتعاملون مع “الشأن الإفريقي”، ليس بوصفه ملفا واحدا ذا أبعاد ومشكلات متعددة، إنما باعتباره قسمين جغرافيين، شطره الأول في الشمال،ويشمل البلدان العربية القريبة من جنوب المتوسط، والشطر الثاني، يتمثل فيما يعرف بـ “إفريقيا جنوب الصحراء”، ويتضمن ما يطلق عليه البعض،دول “القارة السمراء”، وهو تقسيم متماه كليا مع الدراسات الإستشراقية،وصنوها الغربية، ذات الخلفية الاستعمارية القديمة، التي تحاول ـ وقد تكون نجحت ـ أن تعتمد قسمة تقوم على أساس عنصري، تعكسه تلك الدراساتوالمقالات والريبورتاجات الإعلامية، التي تصور القارة على أنها بيض وسود،في نوع من التمييز الذي يتعارض كلية مع ثقافة حقوق الإنسان الحديثة.

هذا المسار “النضالي”، وهذا المستوى من التعاون السياسي في العلاقات العربية الإفريقية، أثمر في الواقع أول مؤتمر قمة عربي / إفريقي من نوعهالتأم في العام 1977، وانتهى بإصدار وثائق أساسية حدّدت مجالات التعاونالمشترك، وأنشأت مؤسسات وأعدّت برامج وآليات، لكن كل ذلك لم يجد طريقهللتنفيذ، ما أدى إلى اندلاع نزاعات بينية بين أطراف عربية وإفريقية، وسجلتاعتداءات وتدخلات وعمليات احتلال خارجية، انتهت بتغيرات في طبيعة الأنظمة السياسية، تراجعت على إثرها العلاقات العربية / الإفريقية، ودخلالعرب والأفارقة في ما يسميه بعض المراقبين بـ “مسار هشاشة العلاقات”..

لكن هل معنى هذا، أن الطريق إلى وجود إفريقي في استراتيجيات العرب، أو العكس أيضا، أمرا صعب التحقق في المرحلة الراهنة، وبخاصة في ضوءالتحولات التي تشهدها دول الربيع العربي، وفي ظل المخاض الديمقراطي الذي تمر به دول إفريقية عديدة جنوب الصحراء ؟شمال إفريقيا وغرب الوطن العربي يؤثران في أمن البحر الأبيض المتوسّط وخطوطه التجارية (مضيقجبل طارق)، بالإضافة إلى تأثيره على المداخل الشمالية من قناة السويس،بما يجعله محددا لأمن البحر الأحمر وخطوطه التجارية..

إن إفريقيا الناهضة، “تمثل للوطن العربي اليوم وغدا، الامتداد والعمق الاستراتيجي الحيوي، اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، بما تملكه من طاقات وثروات طبيعية قابلة للاستثمار والتنمية المشتركة، مثلما كانت بالأمس تمثلالظهير المساند لقضاياه، بل والشريك الرئيسي له في نضاله ضد العدوان الصهيوني والهيمنة الاستعمارية” نجد من بين دوافع اهتمام الطرفالإفريقي بالاتحاد الأوروبي: الرغبة في جذب الاستثمارات الأوروبية إلىأراضيه، وعدم اقتصارها على قطاع التعدين، والرغبة في فتح الأسواق الأوروبية الكبيرة أمام المنتجات الإفريقية، عن طريق الحصول على تسهيلاتتجارية واقتصادية، وتنويع علاقات الدول الإفريقية الخارجية وتوسيعها؛بالرغم من تأكيد خبراء الاقتصاد لاتهاماتهم الموجهة للاتحاد الأوروبي: بأنهلا يمضي قُدماً في علاقاته الاقتصادية بإفريقيا نحو علاقات متكافئة، وذلكحتى تستمر القارة الإفريقية منتجاً للمواد الأولية، ومجرّد سوقٍ لتصريفالمنتجات الأوروبية المصنّعة، بالرغم من كون الاتحاد الأوروبي الشريكالتجاريّ الرئيس لإفريقيا.

إنّ التباين الإدراكي الإفريقي-الأوروبي مرشّح للازدياد لأسباب عدة، لعلّأبرزها: تشدّد الطرف الأوروبي في الحصول على المزايا التي تتيح له توسيعالتجارة غير المتكافئة مع الطرف الإفريقي؛ في مواجهة تشدّد الطرف الإفريقيفي أنّ توسيع التجارة يجب أن يتمّ في ظلّ اعتماد عملية تنموية شاملة؛ تتيحلشعوب القارتين تحقيق التكامل الاقتصادي والتجاري العادل.

لعلّ فشل الاتحاد الأوروبي في استغلال فرصة القمة الأورو-إفريقية (29-30 نوفمبر 2010م)، لإغراء الأطراف الإفريقية، يُعدّ داعماً لاشتداد التنافس حولإفريقيا، من خلال جهود تنشيط مبادرة شراكة الولايات المتحدة-دول شمالإفريقيا (مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب وموريتانيا)، ويتيح أيضاً العملبوتائر أسرع في برنامج التعاون الاقتصادي الصيني مع الدول الإفريقيةالرئيسة (جنوب إفريقيا، السودان، الكونغو الديمقراطية، أنجولا، موزنبيق،إثيوبيا، غينيا)، وهي الدول التي لو ارتبطت بالشراكة مع الصين؛ فإنّ مواردالقارة الإفريقية سوف تكون قد أصبحت عمليّاً في يد الصين، والتي قطعتشوطاً كبيراً في مشروع التعاون الصيني-الإفريقي؛ من خلال انتقائهاللتعاون مع الدول الإفريقية ذات الوزن والتأثير في بقية دول القارة الإفريقية.

الإستراتيجية الإفريقية للاتحاد الأوروبي حلقةٌ من حلقات دعم صعود القطبالأوروبي لصالح دعم مكانته الإقليمية والدولية، وشكلٌ من أشكال الهيمنةالجديدة الممارسة على الجنوب الذي لا يزال في مراحل التبعية التي ما تزالتغيّر أثوابها. ما زالت إفريقيا القرن الحادي والعشرين تُستنزف

وتعاني الاستغلال بكلّ مظاهره، اقتصاديّاً: من خلال سيطرة الشركاتالأجنبية المتنافسة على استغلال الثروات، سياسيّاً: عبر الأجندات الغربيةالتي تتعمد زرع للاستقرار المبرمج الهادف إلى توسيع الأزمات وتعميقها،ثقافيّاً: اعتماداً على آليات العولمة. في المقابل فإن باقي المنظمات الدوليةكمنظمة الأمم المتحدة و دول عدم الانحياز و الجامعة العربية و منظمة المؤتمرالإسلامي و الاتحاد الأوروبي و الاتحاد الآسيوي رفضت بشكل قاطع التنكرللقانون الدولي، و التزمت بقرارات مجلس الأمن الدولي الداعية إلى إيجاد حلسياسي وتوافقي للنزاع العقيم حول الصحراء من خلال المفاوضات والحوار. فهذا النزاع عرقل بناء اتحاد المغرب العربي و حال دون التوصل إلىتفاهم بين الجاران الشقيقان، المغرب و الجزائر،

استمرت ثورات الشعب المغربي الأصيل، سواءٌ في الشمال أو في الصحراءالغربية أو في موريتانيا، وزادت حدة الثورات في سنة 1952م عندما عزلالفرنسيون السلطان محمد الخامس، ووضعوا مكانه رجلاً آخر هو محمد بنعرفة،

ولكن فرنسا ازدادت في قمعها للثورة، وقامت بنفي السلطان محمد الخامس،وابنه الحسن إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر، وذلك في سنة 1953م. ولكن هذالم يهدِّئ الثورة، بل زادت وتوهجت، وعُرفت بثورة “الملك والشعب”، وشعرتفرنسا أن الأمور تخرج من يدها، فاضطرت إلى إعادة السلطان محمد الخامسإلى المغرب 1955م، بل قامت بالجلاء عن الشمال المغربي سنة 1956م؛ لينالهذا القسم من المغرب استقلاله، وفي نفس الوقت رحلت إسبانيا عن منطقةالريف في أقصى شمال المغرب، وإن ظلت تسيطر على مدينتي “سبتهومليلية”.

ومع استقلال هذا الجزء من المغرب إلا أنّ الصحراء الغربية ظلت تحتالاحتلال الإسباني، وكذلك موريتانيا ظلت تحت الاحتلال الفرنسي، وازدادتالثورات في هذه المناطق لتحقِّق التحرير كما حدث في الشمال، لكنَّ الاستعماريْن الفرنسي والإسباني قاما بالتنسيق معًا سنة 1958م في اتفاقأم قرين (شمال موريتانيا)؛ لقمع ثورات المسلمين في هذه المناطق. وبالفعل تمالقضاء على الحركة المسلحة في منطقة الصحراء الغربية، وفي نفس السنة1958م لتتوقف لأكثر من عشر سنوات عن المقاومة، لكن الأمر في موريتانيا كان مختلفًا؛ حيث أدت الثورات إلى خروج فرنسا من موريتانيا سنة 1960م،

لتعلن هذه المنطقة استقلالها، ولكن كدولة منفصلة عن المغرب، وهي المعروفة الآن بدولة موريتانيا. حاولت إسبانيا أن تقمع المقاومة العسكرية في الصحراء الغربية ولكنها فشلت في ذلك، مما جعلها تقرر الخروج من الصحراء الغربيةنهائيًّا في سنة 1975م. لكنها لم تشأ أن تخرج دون أن تترك وراءها مشكلات تُبقِي على الصراع في هذه المنطقة دومًا؛ بحيث لا تنعم باستقرار أبدًا، ومن ثَم يمكن للاستعمار أن يدسَّ أنفه من جديد في المنطقة عندما تحين الظروف. ولذافقد قامت إسبانيا بعقد مؤتمر في مدريد يضم المغرب وموريتانيا، وأعلنتأنها ستخرج من الصحراء الغربية نهائيًّا لتترك هذه المنطقة للدولتيْن يحكمانها بالطريقة التي يريدان! استمر الصراع العسكري بين أفراد البوليساريو والمغرب حتى سنة 1988م (مدة 13 سنة)، حتى تمت موافقة الطرفين على الجلوس للتفاوض السلمي في الموضوع، وقام الطرفان في سنة1988م بعقد ما يسمَّى باتفاق المبادئ

والذي يسعى لمعرفة رأي جمهور الصحراء الغربية في القضية، وعمل استفتاء يحل المشكلة، وقد تزامن هذا الأمر مع حدوث تصدعات كثيرة في التحالفات الموجودة بين الجمهورية الصحراوية وبين حلفائها، وخاصة الجزائر الت يشُغلت بأحداثها الداخلية. كما تنامي المد الإسلامي في المنطقة وهو يرفض التوجُّه الماركسي لجبهة البوليساريو، وتزايدت حدة الهجوم العالمي على المغرب بخصوص قضايا حقوق الإنسان، والتعذيب في السجون،والديكتاتورية، وغير ذلك من ملفات.. كل هذا أدى إلى قبول الأطراف المختلفةبالجلوس للبحث عن حل سلمي للقضية.

إن الأزمة شديدة التعقيد، والثقة منعدمة بين كل الأطراف، والاستعماريون ينفخون في النار ليستمر الاشتعال، والعرب في حالة من الموات، وكل هذا أدىإلى الدخول في طريق مسدود؛ فاستمرت المفاوضات سنة وسنتين وعشرة حتى أعلنوا في سنة 1999م توقف خطة الاستفتاء لاستحالتها! وفي 31 مايوسنة 2000م تتقدم فرنسا وأمريكا بمبادرة مشتركة لمجلس الأمن لصياغة حلّ سياسي يقوم في الأساس على إعطاء حكم ذاتي للصحراويين في الصحراءالغربية، وذلك تحت السيادة المغربية، وهو يبدو في ظاهره حلاًّ يُرضِي الطرفين، لكن الثقة – كما ذكرنا – منعدمة بين المغرب والبوليساريو. كما أنه لايخفى على الجميع أن فرنسا وأمريكا لم يدخلا في حل القضية بدوافع الطِّيبة والحرص على حقوق الإنسان؛ ففرنسا أحد أسباب المشكلة في المنطقة،وأمريكا أحد أسباب مشاكل الدنيا كلها، ولكنهما يريدان وضع أقدامهما فيكل نقاط الصراع في العالم، ومن هنا فقد رفضت جبهة البوليساريو – ومن ورائها الجزائر – لهذا الطرح، خاصةً أن التقارب بين أمريكا والمغرب كبير

ولن تكون الوساطة تامَّة النزاهة! وماتت المفاوضات عدَّة سنوات، ثم برزت أمريكا من جديد كوسيط وحيد في مشكلات العالم لتدعو الطرفين للتفاوض تحت رعايتها، وقَبِل البوليساريو في ظل الوضع المتردي لجمهوريتهم الاسميَّة والموجودة في تندوف بالجزائر، وبدأت سلسلة من المباحثات في ضاحية مانهاست بنيويورك في أمريكا، ووصلت عدد الجولات بين الفريقين إلى أربعة، وقد باءت كلها بالفشل الذريع، وهم الآن يمهدون للجولة الخامسة،وأغلب الظن أنها ستفشل كما فشلت الجولات الأربعة السابقة. لقد أصدرتالأمم المتحدة قرارًا خطيرًا بوجوب الاستفتاء في الصحراء قبل 30 إبريل2010م، وتميل جبهة البوليساريو إلى هذا القرار، أما المغرب فتميل إلى فكرة الحكم الذاتي تحت سيطرة المغرب، وأصابع الأمريكان والفرنسيين والأسبان واليهود ليست بعيدة عن الأحداث.

لا تعليقات

اترك رد