أنشودة الحياة – الجزء الثالث (نص مفتوح) – ٥٢


 
(لوحة للفنان صبري يوسف)

بلاءٌ ممتدٌّ من أخمصِ القدمينِ
حتّى فروةِ الرأسِ
ضجيجٌ من لونِ الضَّجرِ
عبْرَ محطَّاتِ العمرِ
سَفرٌ من لونِ البكاءِ
من لونِ الرَّمادِ
رحيلٌ في دنيا العذابِ
في أعماقِ السَّرابِ
وجعٌ يطفو فوقَ سماءِ الرُّوحِ
كلَّ صباحٍ
يزهقُ أحلامَ المساءِ
قبلَ ميلادِ الفجرِ
مَنْ هرَّش صدرَ الجِّبالِ ..
ومَنْ خلخلَ أجنحةَ الأشجارِ؟!
مَنْ لوَّثَ وجهَ النَّسيمِ ..
ومَنْ جرحَ جبينَ الصَّحارى؟!
مَنْ كسرَ أعناقَ النَّخيلِ
ومَنْ شتَّتَ على وجهِ الدُّنيا
ملايينَ البشر؟!
حزنٌ مكوَّرٌ في أعماقِ الفيافي
حزنٌ من لونِ العصافيرِ
من لونِ الدُّموعِ
من لونِ الرَّحيلِ
آهٍ .. تقعَّرَ جبينُ الرُّوحِ
فولدَتْ الأرضُ سنابلاً
منحنيةَ الرِّقابِ
الأرضُ شامخةٌ في وجهِ الأعاصيرِ
براكينٌ متأجِّجةٌ ليلَ نهار
تحضنُها الأرضُ
الأرضُ رحيمةٌ
تنبعُ من رحمِها خصوبةُ المروجِ
وفاءٌ دافئٌ دفءَ الأمومةِ
ينمو كلَّ صباحٍ
فوقَ خدودِ الأرضِ
حضنُكِ يا أرضُ
ولا كلَّ الأحضانِ
يشتاقُ الإنسانُ
إلى حضنِ أمِّهِ الأرضِ
يتمتَّعُ بينَ أحضانِ أمِّه الأرضِ
يعبرُ أعماقَ الفضاءِ
يقطعُ آلافَ الأميالِ
يعودُ بشوقٍ عميقٍ
يقبِّلُ ثغرَ الأرضِ
انشطرَ الإنسانُ من وَهَجِ الأرضِ
من تلألؤاتِ النُّجومِ
من رحمِ البحارِ
من وجنةِ القمرِ
يولدُ الإنسانُ صارخاً
مبلِّلاً وجهَ الأرضِ بكاءً
يترعرعُ الإنسانُ عبرَ معادلةٍ
مُسيلةٍ للدموعِ
الإنسانُ مجبولٌ من الطِّينِ
من الأرضِ
لا يتوازنُ معَ ذاتِهِ
ولا معَ أمِّهِ الأرضِ
تائهٌ في تقعُّراتِ السِّنينِ
بعيدٌ عن ينبوعِ الحياةِ
ضبابٌ كثيفٌ يغلِّفُ غشاوةَ العينِ
العينٌ ترى مسافةً ما
قاصرةٌ .
غيرُ قادرةٍ
على عبورِ المسافاتِ القصيّةِ
لا ترى الكنوزَ المتلألئةَ
في أعماقِ الحياةِ!
يعيشُ الإنسانُ
على زبدِ الحياةِ
لا يتلمّسُ رحيقَ الوجودِ
أينما يحلُّ
أينما يصعدُ
نهاياتُهُ أحضانُ الأرضِ
لا يشبعُ من كنوزِ الدُّنيا
لا تملأُ عينيه
سوى كمشةَ ترابٍ
آهاتٌ متأرْجحةٌ في أعماقِ الرُّوحِ
رحيلٌ في عتمِ اللَّيلِ
أوجاعٌ متناثرة
من خاصراتِ الغيومِ
شظايا من كلِّ الجِّهاتِ
تناقصَ رحيقُ الزُّهورِ
تآكَلَتْ جُذوعُ الأشجارِ
غضبٌ يتطايرُ من جبينِ الشَّفقِ
من جوفِ المدائنِ
تعاظمَ اندلاقُ الحنانِ من خدودِ السَّماءِ
رؤى بوهيميّة
يبتكرُها الإنسانُ
تمطرُ فوقَ جبينِ المساءِ
…. … .. …….!

لا تعليقات

اترك رد