الإصلاح والعقد الاجتماعي العربي ج7


 

يقول روسو في العقد الإجتماعي: ” هذا الشعب ذاته كثيرا ما يكاد يكون حاكما بقدر ما هو مواطن.”
من هنا يبرز دور المواطن كحلقة ضرورية في بناء واستمرار الدولة الوطنية، إنه الفرد الفعال والمشارك بعيدا عن كل الإكراهات القمعية و التعسفية. إنه جزء من هذا النشاط السياسي والنمو الإقتصادي والتطور المجتمعي.

ومصطلح الدولة في عالمنا العربي يشوبه الكثير من الغموض حيث يتم أحيانا الخلط بقصد أو بدون قصد بين الدولة والسلطة والحكم، حسب جيل دولوز : ” فإن السلطة ليست بالضرورة سلطة الدولة ولكنها أداة في يد الدولة وبها تحاول تأسيس السيطرة وفق مبدأ المعاقبة وآليات المراقبة التي تسعى بهما الدولة إلى جبر المواطن على احترام القانون وإرغامه على التوافق وأدبيات العيش مع الآخر وفق مبدأ الحق والواجب.”

أما الحكم فقد يكون وكما يذهب إلى ذلك هنري لوفافر، لا يؤدي بالضرورة المدلول الذي تؤديه كلمة دولة، فالحكم يمكن أن يكون حكم رئيس قبيلة أو عشيرة أو قاضي بالمحكمة. فالدولة إذن هي هذا الجمع بين المصطلحات أو التناغم المفاهيمي الذي يؤدي إلى بلورة رؤية شاملة وواضحة لوضعية مجتمع ما، حيث يجتمع الناس والجماعات للتعايش تحت ميثاق موحد يصون حقوق ويضمن واجبات الجميع.
لكن هل استوفينا شروط إنتاج الدولة الوطنية أو المدنية؟ نتحدث كثيرا عن العامل الديني، العرقي، المذهبي، العشائري و القبلي دون الحديث عن العامل الإقتصادي الذي لا يقل أهمية وإحدى أكبر الإشكالات التي تعيق بناء الدولة الوطنية.

فقضية الإصلاح التي تسبق ميلاد الدولة الوطنية تتعلق أساسا بالسلطة وطريقة ممارستها عبر المؤسسات، ونجاح الإصلاح غير مرتبط بنجاح عمل السلطة وهياكلها فقط بل مرتبط بالأساس وهو الأهم بسلوك وعقلية الإصلاح كطريق الخلاص نحو تحقيق العدل والمساواة والمواطنة الكاملة.

يعد أيضا مشروع العولمة كنمط جديد يهدف إلى ترسيخ رأسمالية احتكارية متوحشة في النظام العالمي الجديد، ويضع نفسه بديلا لكل القوى القومية وكل الخيارات الإيديولوجية الأخرى. فهو مشروع يكرس كولونيالية جديدة بمفاهيم جديدة يضع الدول العربية أمام خيار الخضوع والتبعية للرأسمالية الأمريكية أو التدخلات المباشرة.

إنها أبشع صور البربرية لكن بأسلوب ناعم، فالنظام العالمي الجديد سعى لحرية قصوى لرأس المال والشركات الكبرى وهو في نفس الوقت إنشاء دول داخل دول أخرى، وكذا اعتمادها على القوة العسكرية لفرض عولمتها دون أن ننسى قروض صندوق النقد الدولي وتبعات شروطه التخريبية.

إذن استبدلت التنمية الوطنية بسياسة مالية واقتصاد حر أدت إلى تسارع وتيرة خصخصة مؤسسات ووظائف الدولة، وتم استبدال مشروع التنمية الوطنية بمفهومها الكلاسيكي بمشروع العولمة الذي يسعى لترسيخ رأسمالية احتكارية وشركات متعددة الجنسيات تتحكم أحيانا في القرار السياسي الوطني من خلال فرض شروط هيكلية جديدة لقطاعات عدة كي تتماشى ورؤية البنك الدولي حتى ولو لم تكن في صالح الشعوب.

فمشروع التنمية الوطنية التقليدي تمت صياغته وتحويله ليتماشى وشروط القرض، والتعديلات الهيكلية أدت في النهاية إلى إعادة صياغة المشروع الوطني برمته. وبهذا فقدت الدول العربية شيئا من سيطرتها على إرادتها ومصير شعوبها ورضخت لقانون النظام العالمي الجديد مما أدى ببرنامج إعادة التقويم الهيكلي إلى إجهاض مشروع التنمية العربي التاريخي.

المشاكل التي عاشتها المجتمعات العربية منذ تطبيق برنامج إعادة الهيكلة برهنت على فشل السياسات الليبرالية الجديدة ووعودها الكاذبة في تحقيق النمو والقضاء على الفقر والهشاشة الإجتماعية، فنظام السوق أوقف الدولة عن أداء مهمتها و دورها المنوط بها.
الهاجس التنموي وضعف الدولة عن أداء مهامها وكذا تناقض أهداف السوق الحرة والهدف الإجتماعي للدولة عجلا بميلاد أسئلة الدولة وماهيتها، وخصوصا حين يتم دفع الدولة نحو رفع الإعانات عن الطبقات المعوزة والحد من الوظائف الحكومية وتشجيع الخصخصة والمنافسة الغير المتكافئة، كلها مشاكل عجزت الدولة عن حلها واضطرت أحيانا إلى العنف وفوتت فرص بناء مجتمع مدني سليم ومجتمع سياسي عادل.

10 تعليقات

  1. الاستاذ العزيز عبد الله العبادي، هذا الجزء من البحث يحوي الكثير مما يمكن مناقشته وابداء الرأي فيه، وساحاول الاختصار ما استطعت، الملاحظة الاولى انك ذكرت ان سياسات البنك الدولي وشروطه قد اجهضت مشروع (التنمية العربي التاريخي) وهذه النقطة تحتاج الى توضيح فحسب علمي لايوجد مشروع تنمية عربي وتاريخي، النقطة الاخرى وهي الاهم، ان سياسات الخصخصة واعادة الهيكلة ان كانت قد فشلت في بلداننا وفي بلدان اخرى فانها نجحت نجاحا باهرا في بلدان عديدة حققت النمو والتقدم المنشود، ان الامر كله يتعلق بحسن الادارة وبالتصميم والتخطيط لبرامج قابلة للتنفيذ وليست احلام وامنيات، حين يكون المستوى الاقتصادي لبلد ما قادر على ان يضمن دخلا مناسبا للفرد مع تقليل نسبة البطالة فان الدولة ليست بحاجة الى تقديم الدعم وليس عليها التدخل في السوق الا لاغراض تنظيم وكبح جماح التضخم.. في بلداننا العربية الغنية الخليجية ادى سيولة الدعم للسلع والخدمات الى تنويم الشعب والقضاء على نشاطه ولم يكن الهدف هو اسعاد الناس بقدر المحافظة على السلطة من خلال المال والتخدير.. مع كل ما تقدم ففي مقالك الكثير الكثير مما هو في صلب وقائع حياتنا ومعاناتنا.. تحياتي لقلمك الجميل وفكرك الوهاج..

  2. من أبرز الأشياء التي تعيق مشاركة المواطن في التنمية في وطنه هو الشعور بأن ممتلكات هذا الوطن لا تعنيه وليس له فيها حظ أو نصيب ، فهو لا يبادي باندثارها او تلفها ، تجده يعتني بسيارته عناية خاصة ولا يعتني بسيارة من الممتلكات العامة…
    أنا هنا ابرزت نقطة نفسية أو اجتماعلية..لا بد من إعطائها أهمية من المعالجة..
    ..تحياتي..لك ..أدام الله قلمك ..

  3. احسنتم اخي الاستاذ عبد الله … معظم الدول العربية غنية بثرواتها النفطية والزراعية والسياحية والمعادن المتنوعة وكان بامكانها النهوض والتطور من دون اللجوء الى البنك الدولي وشروطه ..اليس بامكان الدول العربية الاستفادة من تجربة اليابا ن والمانيا و ماليزيا وكوريا وحتى ايران ومعظمها خرجت منهوكة من تداعيات الحروب ؟. ان العلة في انظمة الحكم العربية الفاسدة التي لا يهمها الا استمرار تسلطها الوراثي او العسكري الانقلابي .

    • شكرا اخي حميد Hameed Mossawy.
      للاسف وكما تفضلت غياب التكامل العربي دفع الكثيرين الى القروض التي انهكت عاتق المواطن البسيط. في حين كان بالامكان التعاون الداخلي ماليا واقتصاديا وتفادي دهاليز البنك الدولي.
      تقديري اخي.

    • كل الشكر اخي الفاضل مصطفى لمرورك الكريم واهتمامك بالصدى ووفاءك لتتبع ما نكتبه.
      تقديري واحترامي.

  4. لا فض فوك ولا جف قلمك استاذنا عبد الله العبادي … ربما ارى الموضوع من زاوية اخرى الدول العربية خرت للسجود للعولمة لسوء تدبيرها وضعف مؤسساتها التي فقدت مصداقيتها ومشروعيتها احيانا فالاصلاح يبداء من حسن التدبير وتشجيع الكفاءات لانهما متلازمين في الزمان والمكان ….. انا شخصيا استفيد من كتاباتك وفقك الله وادام هذا المنبر بنساءه ورجالاته الذي جمع هذا الزخم من العقول المفكرة ماشاء الله شكرا

  5. الاخ العزيز حسن متعب. فخور بمداخلاتك القيمة كالعادة. ما قصدته بالمشروع التنموي التاريخي هو المشروع الدي انتهجته كل دولة على حدة بعد الاستقلال بامكانياتها ومواردها لكن تدخل البنك الدولي واثقال كاهلها بالديون مند الثمانينيات اظنه اثر سلبا على المستوى المعيشي للانسان العربي. ربنا نجحت الخصخصة في اماكن اخرى ماليا وارقاما لكن كان له ضرر كبير على الطبقات الوسطى والدنيا.
    تقديري.

  6. شكرا اخي لمداخلتك. اكيد مشكلة العقليات تطرح اكثر من تساؤل لدلك ننتظر ثورة ثقافية عربية تضع المواطن امام واقعه وتحدياته.
    وهدا ما نامله بادن الله.

  7. شكرا اخي الفاضل اشعاب لمرورك الفاضل.
    اكيد العولمة دمرت كل الشكر وكما تفضلت سوء التدبير وقلة الحكامة ادت الى تدمير السوق المحلية وايضا اضعاف دور الدولة في تدبير امورها.
    شمرا جزيلا لمشاركتك

اترك رد