أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة – ج٢٣


 

تقرأ أنسي فيكثر الجمال.
” الحرب قد لا تبكيني. أغنية صغيرة قد تبكيني، أو كلمة لأنسي الحاج” (محمد الماغوط).
لا يبكيكَ إلّا مَن قويَ على إخرج إنسانك منك وتجسيده أمامك. تعاينه بكلّ تناقضاته وتفاصيل تعقيداته، وتتنبّه لأمور كنت تعرفها عنك، لكنّك لم تجرؤ يوماً على استخراجها من ذاتك. بين أن تكتبَ عن الإنسان وأن تكتب منه فرق شاسع. فالكاتب عن الإنسان ينظر إليه من خارج، ويحكم على خبراته المرحليّة والظّرفيّة. وأمّا الّذي يكتب من الإنسان، فهو ذاك الّذي يغرف من ذرّات كيانه كلّ نَفَس لا ليمتّع فكره وحسب، وإنّما ليعالج ما زرعه الوجود فيه.
أنسي الحاج العازف المنفرد، اخترق قارئه وقبض على أعماقه حتّى استحال طبيباً يمنحه جرعات يقظة، وخزات وعيٍ تنبّهه إلى عمقه المتناقض، وحالاته الإنسانيّة المتعدّدة. تفسّر له نرجسيّته وتواضعه، قلقه وطمأنينته، حبّه وحقده، وعيه وجهله، رغبته وزهده… انطلق أنسي من ذاته ليدرك إنسانيّة الآخر بشتّى حالاتها، فأتت كتاباته فلسفة خاصّة لا تشبه أيّة كتابات أخرى، بعيدة عن التّنظير والوعظ والكلام الّذي لا يجدي نفعاً. وكأنّ أنسي تماهى مع الإنسان ككلّ ليخرج منه ما لا يقوى هو ذاته على إخراجه أو البوح به.
“أشعر أحياناً أنّي أكتب من وراء الكتابة كصوت مَن ينطق من وراء الموت”، يقول أنسي. هو الصّوت ذاته الّذي سيسمعه القارئ كلّما قرأ أنسي الحاج. الصّوت الآتي من وراء الموت، الّذي لا تتغيّر ذبذباته، ولا تنكفئ تأثيراته في النّفس. صوت ينعش الذّاكرة، يضمّخ الحاضر وبتمرّد خاطف يحوّل مسار العقل، ويصوّب وجهة وعيه. ما نفهمه من كلام الشّاعر الأردني إسلام سمحان، بعد لقاء له مع أنسي الحاج في بيروت: “بدأت أفكر وأؤمن في آن واحد، بأنّ الكتابة ليست مجرّد دفقات شاعريّة، انّما هي موقف ودفاع عن الأحلام والحبّ والحياة بطريقة أو بأخرى.”(1). وكأنّ أنسي نهض بالشّعر والكتابة، وأجلسهما في مكانهما الحقيقيّ المعدّ لهما. لقد جعل من الشّعر أيقونة للتأمّل، لا كلمات استعراضيّة، أو بوح ساذج يعطّل حرّيّة الكيان الإنسانيّ. وجعل من الكتابة منهجاً علائقيّاً بينه وبين القارئ، فيمسي أنسي صديقك الّذي لم تقابله ولم تعرفه. إنّه الصّديق بكلّ ما تحمل الكلمة من معنى، لأنّه لو استطاع أحدهم أن يقول كلامك ويحمل عنك ثقله، أو ينتقدك ويعرّفك الخلل المتشبّث بك لينقلك من العبوديّة إلى الحريّة، عندها يستحقّ رتبة الصّديق.
“ثمّة شعر عظيم كثير في العالم، شعر لا ينفد. بل قل ثمّة شعرُ شاعرٍ واحدٍ لا ينفد. شعر أنسي الحاج، هو شعر لا تستنفده القراءة، بل كأنّها تُكثّره. ولكن، أيضاً، رغم كلّ ما في العالم من شعر عظيم، ما زال يخرج فينا شاعر منّا، يأتي، وإن كان الأخير زمانه، بما لم يستطعه الأوائل، على حد فخر المعرّي أيّام كان يفخر قبل أن يعتزل الفخر والعالم. أنسي الحاج من الشّعراء الّذين لم يمنعهم كلّ شعر العالم العظيم المتراكم على كتفيّ الوجود من الإتيان بجديد.”( الشّاعر السّوري حسام حنّوف).(2).
شعر لا ينفد، خلق متجدّد يتمرّس في وجدان القارئ حياة متحرّكة متجدّدة، تنفذ إلى مطاوي نفسه، تجمع شتاته وتدعوه لممارسة بشريّته بعيداً عن المثاليّات الزّائفة المقيِّدة. شعر، كلّما قرأته غرفت منه، كالبحر الّذي كلّما لامست عمقه أيقنت سرّ الجمال. تقرأ أنسي فيكثر فيك الجمال، تلامس ظلمتك بقدر ما تلامس نورك، فتقف بينهما وتتأمّل وتتمرّد، ثم تنهض لوعيكَ بحرّيّة غير تلك الّتي تسعى إليها عن غير وعي. ذاك هو الشّعر الّذي لا ينفد، ألا وهو كلمة من أنسي الحاج. كلمة واحدة تفتح مسامات روحك، وتهزّ كيانك حتّى يتعمّد بماء الكلمة وتسقط عنه سخافة الجهل البشريّ في الحبّ والجنس والفن والسّياسة والمرأة …
” ما هو الشعر، أنسي الحاج؟
لم نعد نقرأ الشّعر منذ غيابك، آهٍ، لو تعلم؟
ولكن، ما هو الشّعر، يا ترى؟
الشّعر هو الزّمن الّذي لو سمح وتسامح، لحبس أنفاس الموت وجمَّده، مرّة أخرى وكنتَ بقيتَ لنا وبقيتَ معنا. قلْ لي فقط: كيف نعثر عليكَ؟ ونحن، بالكاد نتحرّك … أنتَ الذي أصبح في الأعالي ونحن ما زلنا في الأسفل، في البرد ننتظر حلول الفصول الأربعة ونهاية الحرب والسّلام الأبدي. (جوزيه حلو- شاعرة لبنانيّة)
ولكن…
من هو أنسي الحاج؟ هل يمكن اختراق أنسي اللّغة، وتبيّن أسرارها، والإمساك ببهائها وعمقها؟ أم أنّها أيقونة للتّأمّل والإصغاء، حتّى يرتدّ الصوت في داخلنا فيفجّر الحبّ والجمال.
أجمل ما قيل في أنسي الحاج ما كتبه شكري جرجس في مجلّة (أخبار الأدب المصريّة) “أقرأ شعر أنسي الحاج في صمت، ولا أناقش الآخرين في شأنهِ، لا أتحدّث مع أحد عن شعره، وكأنّه طقس سرّي مُمتع، أتأمّله، أفكّر في هذه السطور، وأهمس لنفسي بكلام أنساه بعد لحظات، وأقول: لا تكتب عن أنسي، ولا تتحدّث عنه، احفظهُ كمحبّة لا تسقط أبداً” (3)

(1)- صحيفة النّهار- لبنان- 7 كانون الأول 2016 – السنة 84 – العدد 26143
(2)- صحيفة الأخبار – لبنان- العدد ٢٥٢١ الاربعاء ١٨ شباط ٢٠١٥
(3)- صحيفة الجمهوريّة- لبنان- (أنسي الحاج… لا يُناقش)- طوني نجم- 19 شباط 2014

لا تعليقات

اترك رد