العبودية الجديدة


 

قال الله في كتابه الكريم :” الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا” الله سبحانه وتعالى أكد على أن المال والبنون من أجمل ما في الدنيا ،ولكنه في الوقت نفسه حذر منهما لأنهما يسببان الغواية ولكن الإنسان الذي يسقط في الغواية لم يتمكن من استيعاب هذا الكلام العظيم، فبات المال هدفه الأول لا وسيلته في الحياة.كيف نشأ المال و كيف تطور؟

بداية لجأ الإنسان في تعاملته الإقتصادية الى التبادل، أو ما عرف بالمقايضة،فكان يقايض حاجاته الأساسية نحو”مقايضة الطحين بالبيض”،لكن مع تنوع الاحتياجات لم تعد هذه الطريقة تحقق للإنسان حاجاته ،هذا الأمر دفع بالإنسان الى البحث عن حل آخر، ففكر بشيء سهل الحمل غالي الثمن و له عيار و قيمة وقع اختياره على الذهب و باقي المعادن الثمينة كوسيلة مستعملة للشراء والبيع . من هنا نشأ حبه الى المال أي من الرغبة في شراء واقتناء كل شيء، حتى دخل الطمع روحه ولم يعد قادرا على ادارة المال بعدالة وانصاف وتشوهت مفاهيمه، ومع مرور الأيام طور آلياته الإقتصادية عن طريق طباعة أموال ورقية ذات تغطية ذهبية.فكانت العملة الورقية عبارة عن “تعهد سداد قيمة معينة ومتفق عليها بمجرد الطلب ”

لقد كانت الفكرة الاُولى لنشوء العملة الورقية في الصين، حيث كانت أول بلد طبع العملة الورقية لأجل التعامل بها ،وذلك في عهد سلالة تانغ (618 – 907)، وقد ولدت بين التجار الصينيين، الذين يتنقلون من بلد إلى بلد ويحملون نقودهم الذهبية والفضية معهم ،فكانت عرضة للضياع والسرقة فاستعاضوا عنها بوثائق خطية تُثبت مقدار ملكيتهم، فكانت تمثل البديل الورقي البدائي للعملة المعدنية (الذهب والفضة) وشهادة بقدرة حاملها على دفع المقدار المثبّت على متنها. هذا كان مبدأ و سبب نشأة التعامل بالعملة الورقية النقدية بشكل غير رسمي. أما التاريخ الرسمي لبداية العملة الورقية كان عند نشأة البنوك في أوروبا، بسبب المشاكل المتعلقة بتكلفة تخزين ونقل النقود المعدنية التي كان تستخدم لأغراض التبادل الاقتصادي وفيما بعد أصبحت وسيلة التحكم الإقتصادي.

ومع تخطي الإنسان المعقول في الخضوع الى سحر المال، تحول الى عبد لها ،يجنيها خوفا من فقدانها ويقتنيها طمعا بالسلطة والجاه ،المال مصدر من مصادر السلطة والقوة ،ولأن المال الكثير كان في يد قلة من الناس حكمت العالم اما عائلات مالكة أورجال دين أو الكنائس أو الأنظمة الرأسماليةالتي تقوم على مبدأ الإحتكار الإقتصادي، اختلط الحابل بالنابل واشتعلت الأرض بالأطماع فبالإضافة الى خوف الإنسان من نضب الموارد الطبيعية على الأرض يعيش هوس المال، الذي هو مصدر من مصادر قوته حيث يشكل قوة تحترم وتهاب.

الإنسان الذكي وأفضل مخلوقات الله ،يسعى جاهدا الى تحويل الأرض الى قبضة اقتصادية تمسك بها الشركات الكبرى، من هنا مقولة:” ان المال وسيلة لا هدف” أثبتت التجربة سخافتها ومثاليتها التي لا توجد على الأرض.

لقد استطاعت المنظومة الإقتصادية العالمية ،ان تفرز أشخاصا أثرياء لا مجتمعات ذات كفاية اقتصادية، فاختل توازن العدالة، وبات يظن البعض أن العالم وما عليه مجرد أرقام يختزلونها حينا وحينا يضاعفونها، هؤلاء أدركوا أن الأرض الآن تحكمها الأرقام والنسب لا القيم والأخلاق واختاروا أن يعملوا ليحولوا العالم الى بضعة شركات تتحكم في مدخول سكان الأرض،فيتحول أجر العامل الى ما يقارب الخمس دولارات يوميا، فسياسة،الإفقار والإذلال لا يمكن اعتبارهما مصادفة، بل نوعا جديدا من الذل ستشهده الأرض :”العبودية الجديدة”.

لا تعليقات

اترك رد