ارادة توفيق الخلف ..


 

يمر توفيق الخلف من امام احد مقاهي شارع الرشيد المكتضة بالشباب المدني المثقف في المجتمع البغدادي يدعونه للجلوس في ترحيب وفرح بقدومه كان يرتدي عقالا وعباءة بدوية وقبل أن يجلس فتح عباءته وكشف عن حزام الرصاص الذي يلبسه تحتها وقال (( هذا فخري وعاري )) استفزه أحد الجالسين قائلا ..
كنا نتحدث عن الأدب والشعر .. ضحك توفيق معبرا عن رأيه الجريء بالمدنية ::
يسعدني أن أراكم كلما عدت من مضارب العشيرة ما زلتم تتكلمون .. ليس هناك مثلكم في الكلام … أجابه أحدهم كنا نتحدث عن الكتاب والشعراء .. أجاب توفيق أعرف .. لكن هناك شيء واحد لن تتعلموه وهو أن القصص والرسم والموسيقى الى آخر ما هناك من خزعبلات حياتكم الخانقة ليست إلا من اختلاق المدنية .. المدنية تعني المرض والفساد والفن نتيجة هذا الفساد ثم أردف قائلا (( المدنية )) انها مما يدل اشتقاق الكلمة حياة المدن والمدن تنتعش على حساب الريف بعيدا عن المصادر الحقيقية للطاقة الانسانية , وما الذي تحصل عليه في النهاية ؟؟ وفي ايماءة واسعة بيده يقصد الجمهور رواد المقهى (( قاعدين على مؤخراتهم يلفون طيلة النهار يتململون يضجرون يصيبهم الامساك يصيبهم القلق ثم تصيبهم العنة .. والعنة متفشية فيهم حتى غدت الغالبية من نساء المدن متهتكات منحلات لان ازواجهن عاجزون عن تمتيعهن )) هذه هي المدنية حسب راي توفيق الخلف !!!
توفيق الخلف كان يعتقد بان العرب حتى يخرجوا من مأزقهم التاريخي عليهم ان يعودوا الى قيم الصحراء وخشونتها وسنتها الاخلاقية اي الى الفكرتين الاوليتين ( الشرف والشجاعة ) ..
شخصية توفيق الخلف هذه وردت في رواية كتبها جبرا ابراهيم جبرا ( صيادون في شارع ضيق ) التي تدور احداثها في العام 1948 بل ان هذه الرمزية التي استخدمها الكاتب في شخصية توفيق اكثر ما لفت نظري وانا اقرأ الرواية حتى انني شككت بانها قد تكون نبوءة عمن حكم بغداد لاحقا .. ماحدث ويحدث لنا من تعمد واضح لمسخ الهوية المدنية هو في الحقيقة صراع ارادات .. ارادة توفيق الخلف وايمانه العميق بقيمه والرمزية في السلاح الذي يرتديه تحت عباءته والذي فرض به بالقوة إرادته وقناعته العميقة بقيمه البدوية مقابل ارادة الشباب المدني المثقف الذي كان جالسا أمام توفيق الخلف يتحدثون بالادب والشعر والفن وكتاب الغرب والحركات الثورية ولكنهم كانوا يتحدثون ويتحدثون فقط !! .. كان إيمان توفيق الخلف اعمق من ايمان هؤلاء الذين على مايبدو اتخذوا من الثقافة مجرد احاديث مقاهي دون ان يستخدموا قواهم الناعمة في تغيير المجتمع الذي يعيشون فيه ليحصنوه ضد قوة سلاح توفيق الخلف وإيمانه .. كان توفيق يتطلع الى السلطة وحكم المدينة التي يطمع بحكمها وفعلا كان له ذلك وبالقوة .. شبابنا المثقف ينضحون كلاما لكن ليس هناك ذرة من الايمان في كلامهم .. انهم لا يحسنون استغلال عقائدهم وقناعتهم .. يقراون ليقال عنهم مثقفون لا ليؤمنوا ومن ثم يغيروا وهذه طامتنا الكبرى ..
كارثتنا الحقيقية ان توفيق الخلف الذي حكم بغداد في العقود الاخيرة لم يكن كتوفيق الخلف الذي ورد في الرواية ولم يمتلك ايمانه فقط بل كان اكثر سوءا لان قيمه البدوية اختلطت بلعنة اخرى هي الطائفية لينتج عنه حاكما اهوج ابله ناقم على المدنية راغبا في مسخها ومن سوء حظنا ان تكون بغداد مركز السلطة فكان العبث بهويتها الحضارية والتارخية متعمدا وشرسا .. توفيق الذي يحكم اليوم لا يعتبر الرشوة والفساد والسرقة ومصادرة حقوق الناس مخالف لقيم الصحراء (( الشرف والشجاعة )) بل قد ينظر اليها على انها صراع بين قبيلة واخرى وغزوة تنعش صحته ويقضته .. ترى بأي ارادة سيواجه شبابنا المدني المثقف قوة وايمان وصلابة توفيق الخلف كي ينقذوا مدينتهم ؟؟
ملاحظة : شخصية توفيق الخلف في الرواية لم تكن شخصية جاهلة أمية بل إنه سكن بغداد فترة دارسا في احدى جامعاتها … إذن هو يجيد الحديث واستخدام القوة .. وكان أيضا يشرب العرق ويرتاد بيوت العاهرات …

لا تعليقات

اترك رد