كيف يمكن تحقيق نمو وتعافي اقتصادي عربي حقيقي؟!!


 

تفعيل الواقع الضريبي كمدخل لزيادة الإيرادات

يعرّف النمو الاقتصادي –بحسب كثير من الباحثين والمتخصصين في الحقل الاقتصادي- بأنه الزيادة في كمية السلع والخدمات التي ينتجها اقتصاد معين خلال فترة زمنية محددة. وهذه السلع يتم إنتاجها باستخدام عناصر الإنتاج الرئيسية، وهي الأرض والعمل ورأس المال والتنظيم.
كما يمكن أن يعرف النمو الاقتصادي بأنه تغيير إيجابي متصاعد في مستوى إنتاج السلع والخدمات في دولة ما في فترة معينة من الزمن.. وبهذا المعنى قد يعرف النمو الاقتصادي -بشكل عام- بكونه زيادة الدخل والناتج الوطني العام لدولة معينة. ويمكن التدليل على قوة الاقتصاد للدولة –كأحد المؤشرات طبعاً- من خلال معرفة نسبة دخلها وناتجها السنوي العام على عدد سكانها.
أي أنه يتم قياس النمو الاقتصادي باستخدام النسبة المئوية لنمو الناتج المحلي الإجمالي. وتقارن النسبة في سنة معينة بسابقتها.

ويمكن إضافة بعض المعايير والمؤشرات الأخرى المعروفة في علم الاقتصاد والتي تشير إلى حالة النمو والتعافي الاقتصادي لأية دولة مثل الزيادة في رأس المال، والتقدم التكنولوجي والعلمي، وتحسن مستوى التعليم بكافة مستوياته، إضافة إلى مقياس الصحة العامة، وارتفاع متوسط العمر للإنسان.
إضافة إلى ما برز خلال السنوات الأخيرة -من خلال استخدام فكرة التنمية المستدامة- من عوامل أخرى مثل العوامل البيئية عند الأخذ في الاعتبار عملية النمو الاقتصادي..
ويوصف النمو الاقتصادي بأنه نمو حقيقي ملموس في حالة استبعاد نسبة التضخم، وعدم الأخذ بها عند احتساب أسعار السلع والخدمات..

استناداً إلى هذه المعطيات الاقتصادية البسيطة حول معنى النمو الاقتصادي نتساءل:
هل حققت بلداننا العربية نمواً اقتصادياً صحيحاً وحقيقياً خلال الفترات القليلة الماضية؟

طبعاً نحن عندما نطرح هنا هذا السؤال نريد الوقوف عند مدى وجود اقتصادات قوية ومنتجة وفعالة تشكل جزءاً أساسياً من نهضة بلداننا ككل، والتي هي عبارة عن مشروع تنموي وفلسفة استراتيجية تترجم واقع مجتمعاتنا ورؤيتها لطبيعة الحاضر والمستقبل، ومن ثم فلابد أن تكرس كل الاهتمامات والجهود وتحشد مختلف الطاقات والمواهب الهائلة المتوافرة في سبيل تهيئة الأجواء وتوفير الظروف المواتية لقيام نهضة تنموية شاملة في مختلف الجوانب والمجالات، نهضة منطلقة ومتوثبة تحسن التعامل مع الثوابت والمتغيرات الكثيرة في حياة تلك المجتمعات، وتستغل بمهارة ووعي ما تملك من إمكانات –حتى لو كانت محدودة وهي ليست كذلك طبعاً- في سبيل تحقيق ذاتها القائمة على تمكين الإنسان بالدرجة الأساسية من تحقيق شرط وجوده الحياتي ككائن له متطلبات حيوية لا يمكنه العيش من دونها، وهي حاجيات قابلة للتطوير والتزايد ينبغي مواكبتها والاستجابة الفاعلة لها بصورة وبأخرى.. وهذا لا يحدث إلا بوجود اقتصاد معافى ومخطط له وقوي ومنتج في عالمنا المعاصر الذي لا كلمة فيه لا للأقوياء اقتصادياً..

وباعتبار أن الهدف الرئيسي من عمليات التنمية هو الإنسان، فلابد من استثمار طاقاته ورفع مستوى تمكينه في المجتمع من خلال عمليات التعليم والتدريب بشتى السبل والوسائل الفعالة، التي لا غنى عنها إذا ما أريد للتنمية الاقتصادية المتوخاة والمنشودة أن تحقق أهدافها، وبحيث يكون الإنسان قادراً على استيعاب واستثمار إنجازات التنمية.

من هنا يمكن القول أن أحد أهم مظاهر التعافي والنمو الاقتصادي لأي بلد تظهر من خلال نشاط وحركة الناس في الأسواق (تحريك السوق وقوة الحركة الشرائية عندهم).. وهذا أحد المؤشرات والمقاييس المتبعة لتحديد قوة اقتصاد أي بلد، مضافاً إليه معايير وضوابط أخرى لسنا في صدد الحديث عنها حالياً..

وعندما نرصد هذا المؤشر من خلال سؤال التجار والصناعيين عموماً في بعض أسواقنا العربية عن وضع السوق عندهم، نلاحظ أن الجميع يشتكي من قلة ذات اليد وضعف السوق وعدم وجود حركة أو نشاط اقتصادي فاعل وهو ما اصطلح عليه بينهم باستخدام مصطلح (السواق داقر)..

طبعاً السوق لا يتحرك اقتصادياً بقوة لوحده، بل لا بد من وجود عملة مع الناس حتى يتمكنوا من تحريكه من خلال عملية البيع والشراء، والإقبال على شراء البضائع والمنتجات واستهلاك مختلف الحاجيات والمستلزمات المعيشية اللازمة، ولكن الدخول الفردية حالياً ضعيفة نتيجة ضعف قوة الإنتاج بالدرجة الأولى، مما لا يسمح للناس عموماً بتنويع مظاهر الشراء فضلاً عن تكثيفها وزيادتها.
وتزداد الصعوبات مع وجود مطلب اقتصادي آخر دائم يتمثل في وجود أعداد هائلة من طالبي العمل سنوياً تصل أعدادهم للملايين، تعجز القطاعات الرسمية والقطاعات الخاصة عن استيعابهم..
كما تزداد الصعوبات مع فشل السياسات الضريبية، مما انعكس سلباً على زيادة الإيرادات التي هي مرتبطة بشكل وثيق ومباشر بحالة التعافي الاقتصادي.
أي أن تفعيل السياسة الضريبية هو شرط مهم وقناة مهمة لتحقق النمو والتعافي الاقتصادي..

للأسف لا توجد عندنا (في بلداننا العربية عموماً رغم نجاحات بعضها) تطبيقات عملية شفافة لنظم ضريبية واضحة ومحددة وعادلة… ولا يشعر مواطننا عندما يذهب لدفع ضريبة ما إلى وزارة المالية أنه يؤدي واجباً وطنياً.. وأنه يساهم من خلال دفع الضريبة في نمو وتطور بلده مما سينعكس لاحقاً بصورة إيجابية على تقدم مجتمعه في كل المجالات.. بل تراه يتهرب منها لأسباب معينة قد تكون صحيحة أو معقولة نتيجة ما يسمعه من أحاديث التهرب الضريبي هنا وهناك.. وهذا ما يحدث في بلداننا العربية عموماً للأسف حيث التهرب الضريبي في أعلى معدلاته ويصل سنوياً إلى عشرات وربما مئات المليارات من الدولارات.

من هنا يمكن التأكيد أن نجاح أية دولة في تنمية اقتصادها وتحقيق معدلات تنمية جيدة قياساً بكثير من الدول حتى الغربية منها، يرتكز بالدرجة الأولى ليس فقط على جمع الإيرادات من الباب الضريبي، بل على قاعدة اقتصادية واضحة تقوم على فتح الأسواق بإشراف حكومي مدروس بلا ضغط ولا قسر، بل بتوجيه عام بعيداً عن السياسات الحمائية الظالمة، وتعزيزاً لحرية المنافسة، وحرية تداول السلع والمنتجات، مع توفير لمناخات واسعة وملائمة لجذب الاستثمارات والمشاريع الصناعية والعلمية العملاقة، وليس فقط لمشاريع السياحة والفنادق والموتيلات، وغيرها من مظاهر الاستهلاكيات والاستثمارات البذخية الادخارية الفارغة التي لا تبني اقتصادات قوية.

إن توفر مجموع تلك العوامل والأسس المهمة والنوعية ينبغي أن تدفع الجميع للعمل الدائم من أجل تحسين وتطوير واقع بلداننا الاقتصادي المبني على رؤية اقتصادية واضحة ومحددة، وليس القيام بتجريب نماذج لحالات اقتصادية منفردة من هنا وهناك، يمكن أن يكون لها أثمان وتكاليف باهظة في المديين القريب والبعيد.. وهذا لا يعني طبعاً عدم الاستفادة المثمرة من تجارب الدول والشعوب الأخرى التي تمكنت من تحقيق معدلات نمو اقتصادية مرتفعة كتركيا مثالاً بحيث باتت تنافس الدول الكبرى في مستوى المعيشة والدخل والنمو الاقتصادي ومعدلات التنمية السنوية..

لا تعليقات

اترك رد