صراع أم اتفاق بين الشرق والغرب على الشرق الأوسط؟


 

الشرق الأوسط منطقة ارتطام ما بين قوى البحر المتمثلة في الولايات المتحدة وقوى البر المتمثل في الاتحاد السوفيتي سابقا وروسيا حاليا، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدأ الغرب يتوغل شرقا على حساب روسيا حتى وصل الغرب إلى مناطق مجاورة لروسيا خصوصا في شبه جزيرة القرم التي أقدمت روسيا على المسارعة في احتلالها، ويبدو أن الصراع انتقل إلى منطقة الارتطام بدلا من الصدام في شرق أوربا بين الطرفين.

البعض يعتبر أن ما يدور في منطقة الارتطام هو أوضح هزيمة أميركية في الشرق الأوسط تلوح من حلب، حيث روسيا تبحث عن ذرائع لحسم معركة حلب لصالح الأسد ملوحة بدعم عملية الجيش السوري، بعدما فشل لافروف وزير خارجية روسيا التوصل مع كيري حول اتفاق بشأن انسحاب جميع مقاتلي المعارضة من الجزء الشرقي من مدينة حلب السورية، وستعتبر روسيا كل من يرفض الخروج من تلك الفصائل إرهابيا، والذي رفضته الفصائل المسلحة الذي تتذرع به الولايات المتحدة في تفاوضها مع روسيا، واعتبرت روسيا القرار في مجلس الأمن في جزء كبير منه استفزاز ينسف الجهود الروسية الأمريكية.

لذلك نقضت روسيا والصين مشروع القرار المقدم من مصر واسبانيا ونيوزيلندا في ظل إصرار موسكو على دفع المعارضة نحو مغادرة شرق المدينة وهو الفيتو السادس الذي تستخدمه روسيا حول حلب منذ بدء النزاع حول سوريا في مارس 2011 والمرة الخامسة بالنسبة للصين، واتهمت نائبة سفيرة الولايات المتحدة ميشال سيسون موسكو بأنها تريد الاحتفاظ بمكاسبها العسكرية وقالت لن نسمح لروسيا بخداع المجلس، وعبر مندوب فرنسا فرانسوا ديلاتر عن الأسف متهما موسكو بأنها قررت أن تسيطر على حلب بغض النظر عن التكلفة البشرية لتحقيق نصر عسكري، أما سفير الصين لي وجيه بي قال أنه كان على المجلس الاستمرار في التفاوض لتحقيق التوافق وانتقد تسيس القضايا الإنسانية.

الصراع بين الغرب والشرق لم يقتصر على روسيا بل امتد إلى الصين حيث تعمد الرئيس الأميركي المنتخب استفزاز وتحدي الصين من خلال ترتيب مسبق لمكالمة هاتفية مع رئيسة تايوان، تبعتها تغريدات على تويتر هاجم فيها ترامب سياسات الصين التي اعتبرها تهدد التوازن الدقيق بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.

بالطبع كان رد الصين على ترامب لسنا لقمة سائغة واعتبرته عديم الخبرة أو ساذجا، حيث تعي الصين الخطاب الأمريكي المزدوج بشأن السياسة الصينية، لكن ترامب لا يمكنه تقويض المكتسبات الدبلوماسية الصينية، ولم يحدث لرئيس أمريكي الاتصال بتايوان منذ 1979 التي تعتبرها الصين جزء من الصين وهي تنتظر إعادة التوحيد تحت حكم بكين ومثل هذا الاتصال يوحي بدعم الاستقلال، لكن البعض يعتبرها لا تعدو جلبة لجأ إليها ترامب ولا يمكنه الخروج عن قواعد لعبة الكبار وليست لدى ترامب الموارد الكافية للتلاعب بالصين وليست لديه الوسائل لتطبيق تهديداته.

روسيا في حالة حرج وتوتر وقد نجح الغرب في وضع روسيا أمام ضخ إعلامي عالمي رغم تصريحاتها العنترية التي هي مجرد محاولة أن تسابق الزمن لخلق واقع على الأرض قبل تولي ترامب الرئاسة في 20 يناير 2017.

تريد روسيا حسم عسكري استعدادا لمرحلة ما بعد حلب، وسبق أن استعملت نفس الشعارات واليافطات هي وإيران لما بعد حمص ودرعا وغيرها، وهي تواصل حسم المعارك بدلا من التوصل لحسم سياسي أو حل سياسي، أي أن بعد ستة أعوام لا يزال المنهج العسكري هو المهيمن على الساحة السورية خصوصا بعدما تسلمت زمام الحملة العسكرية روسيا منذ سنة ونصف بعدما هزمت إيران وحزب الله في سوريا أمام المعارضة والتي كادت أن تنهي الأزمة.

لكن أمريكا لا تريد حسم عسكري لأي طرف أو أي حسم حتى السياسي بعيدا عنها، بل تركت جميع الأطراف تتقاتل مما جعلها تسمح لروسيا بأن تنقل صراعها مع الغرب إلى سوريا منطقة الارتطام التقليدي حتى يحين الوقت في الاستعانة بأمريكا من قبل جميع الأطراف دون أي تكاليف تدفعها أمريكا لكن يكون الجميع قد دخل مرحلة اليأس بعد مرحلة استنزاف متواصلة لجميع الأطراف فيما أمريكا تمسك بخيوط اللعبة.

بسبب أن روسيا انتهجت الحسم العسكري مع الحسم السياسي التي اكتشفت أنها واهمة لكنها تواصل الاستمرار في مثل هذا الوهم، رغم أن تركيا اقتربت مواقفها من روسيا وهي تراعي مصالحها وتنسق مع روسيا في شمال سوريا لوقف النفوذ الكردي الذي يتوافق مع الرغبة الإقليمية خصوصا إيران، حتى لا يطالب الأكراد في إيران بحكم ذاتي وليس فقط تركيا.

وجميع الدول تخالف روسيا توجهها في إنشاء كيان جديد في سوريا جمهورية فيدرالية، وفي نفس الوقت ترفض روسيا أن تواصل إيران مكاسبها في سوريا التي تغضب الحلفاء الإقليميين من إسرائيل والسعودية وتركيا وهو ما جعلها تقوم بضربات جوية لعدد من مواقع المليشيات الشيعية التابعة لإيران من أجل وقف تقدمها.

وبالفعل الآن تستجدي روسيا أمريكا في إخراج المقاتلين من حلب، لكن فوجئت روسيا نتيجة الضغط الخليجي والأوربي إجازة الكونغرس لترامب تسليح المعارضة السورية بصواريخ مضادة للطائرات وهي المرة الأولى التي يصوت فيها الكونغرس بعدما كانت أمريكا مترددة من تسليح المعارضة بصواريخ مضادة للطائرات خشية أن يتم تهريبها لجهاديين يهددون أمن الطائرات العسكرية والمدنية في المنطقة التي تعج بالطائرات، لكن وفق الموافقة ستكون وفق قيود على توفير مثل تلك الأسلحة المثيرة للجدل، وهي تعد انتصارا لرئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ جون ماكين عن ولاية أريزونيا وهو من أشد أنصار دعم المعارضة السورية التي تقاوم التحالف الروسي الإيراني الذين يدعمون بقاء الأسد وهذا الدعم على الأقل يمكن أن يحافظ على مواقع المعارضة في إدلب التي ستكون بعد حلب، والتي بدأت روسيا توجه ضرباتها إليها لمسابقة الزمن لفرض أمر واقع قبل أن تصل تلك الصواريخ التي يمكن أن تغير قواعد اللعبة.

الارتطام بين الشرق والغرب في منطقة الشرق الأوسط أثر على دول الاتحاد الأوربي وهناك قلق أوربي من صعود الأحزاب الشعبوية ما يؤشر إلى احتمال وصول الشعبويين الراغبين بإخراج البلاد من اليورو إلى السلطة، خصوصا وأن رسالة الاستفتاء في إيطاليا لم تكن إيجابية لأوربا خصوصا في هذه الأوقات العصيبة مما جعل صحيفة ديلي ميل البريطانية المشككة بالاتحاد الأوربي أطلقت بما أسمته ( ايطاليكست ) وبالثورة الجديدة على النخب، وإن كان مؤسسة كارينغي للأبحاث ترى أن انتخاب دونالد ترامب وبريكست لم ينعكسا على النمسا، إن فكرة خروج محتمل من الاتحاد الأوربي أثارت المخاوف وأدت إلى اختيار مرشح من خارج النظام لكنه تقليدي ومؤيد لأوربا.

1 تعليقك

  1. انا دائما اركز على ان التحليل الصائب الذي ينتهي باستشراف ما يمكن ان يكون محتمل الحدوث في المستقبل القريب او البعيد والقائم على وقائع واحداث تعطي ادلة ملموسة، ولا احبذ ان يضع المحلل اراءه الشخصية او تمنياته الشخصية كنتائج لقرائته للاحداث، ورغم اني اتفق معك في كثير مما ورد في المقال وبخلاصته العامة ايضا التي تقضي بان مايجري هو مخطط اميركي وان خيوط اللعبة بيد اميركا، الا اني اختلف في بعض التفاصيل التي تجانب الواقع، منها الوهم الروسي في التدخل ومنها الضغط الخليجي لدفع الكونغرس للتصويت على الصواريخ، ومنها ايضا استجداء الروس لخروج المقاتلي من حلب، ويبقى المقال ذو قيمة عالية في استقرائه لما يجري وجهود الدكتور عبد الحفيظ محبوب طيبة وتحظى بالتقدير.. تحياتي

اترك رد