الفنان / أحمد فريد … و …( تجريد المنظور )

 

فى منطقة وسطى بين التجريب و التجريد تأتى التجربة المميزة للفنان / أحمد فريد ، محملة بتلك الطزاجة و ذلك الحضور المفعم بزخم العلاقات اللونية والخطية والموظفة بوعى وقصدية والممزوجة بفهم ينم عن دراية بفعل التصوير سواء على مستوى الفكر والفهم أو سواء على مستوى التقنية التى يصطدم بها المتلقى فى مطالعته الأولى لمشهد لوحته ونضارتها ومعيار ما بها طاقة إنفعال صادرة من اللون والخط معا وتحمل صدق التناول لموضوعات الطرح . تلك الموضوعات التى أتت على خلفيات حياتية ومكانية إستمد منها تجريده للمشهد ، سواء كان تجريدا تغلفه الخصوصية و الإبهام بعض الشيئ ، أو سواء تجريد مقروء واضح الدلالة وصريح الرمزية ، وقد إرتكز تجريده فى صياغة العمل على إيقاع المشهد من خلال منظور إختاره حسب ما إرتأه فى كل عمل على حده . وإن كانت المناظير ترتكز على نقاط هروب وتلاشى تجسدها وتبرز جمالياتها . فاعمال / أحمد فريد تأتى منطلقة من نقطة تمثلها عينه التى تعد نقطة الإستقبال لمشهده ومنظور . فالمنظور فى تعريفه البسيط هو تلك العلاقة الناتجة بين عين الناظر و بين المنظر ، هذه العلاقة التى تحمل تباينات شتى ، تتأرجح بين إحتواء المنظر وبين وإجتزاءه ، وبين سيطرة الناظرعلى كامل حدوده و رقعته من زاوية بعينها وبين إقتناصه لتفصيلة منه . وبين الشعور به وما يقع فى النفس من تأثير ناتج عنه وبين فقدان وجوده داخل النفس رغم وضوحه للعين ، فالمنظر أبدا لا يحيا فى الذاكرة إذا ما إفتقد المنظور الجيد والمستساغ بصريا .

و تجربة الفنان / أحمد فريد قد تبدو كمعظم التجارب الجادة . تجربة بها ذلك النوع من الإتزان ، فهى متزنة التكوينات اللونية وما يقابلها من علاقات خطية تكمل المشهد . وتلعب فيها التقنية دورا رئيسيا هاما . يعكس دراية الفنان بإمكانيات الخامة . ويعكس مدى ترويضه لها من خلال ما يتبعه من منهجية التجريب والتى تعد مصدرا للحلول فى معظم أعماله ، وحقلا للإختبار يكتشف من خلاله تلك الأبعاد التى تستطيع الخامة الوصول إليها ، لتمنحه تلك النتائج التى يوظفها لخدمة العمل . إلا أن هناك عاملا هاما ميز تلك التجربة ، وهو ذلك ( الشغف ) الظاهر والواضح فى أعماله سواء شغفه بفعل التصوير والممارسة وجديتها ، أو شغفه بموضوعات الأعمال التى يتناولها ، أو شغفه بالتجريب الذى يمنحه تلك النتائج التى تصل بعمله إلى أفاق جديدة ومستويات طموحة تلحظها العين من غير نصب ولا إجهاد . أو سواء فى شغفه بالتجريد فى أعماله بصورة موحية لما يقصده ويتناوله . وعلى الرغم من إنتظام / أحمد فريد فى الممارسة الفنية من فترة ليست بالطويلة تعود إلى خمسة عشرة عاما مضت . إلا أن تجربته قد أثمرت بشكل يوحى بوجود تاريخ طويل لها يمتد لعقود . وربما قد لعب وجوده المكانى ( بفلورنسا / أيطاليا ) على فترات متقاربة دورا فى فرض الجدية على تجربته وممارستها وأكسبته التعمق فى الجانب التقنى واللونى . كما أكسبه الوجود فى فلورنسا والتى تعج بمستويات تشكيلية مرتفعة ومتنوعة الأساليب والتناولات سواء التقليدية أو المواكبة للإتجاهات الحداثية وما بعدها من أساليب ونزعات فنية ، أكسبه الممارسة فى مثل تلك الأجواء الوقوف على فعله ومستواه بصورة أكثر صرامة وجدية على خلفية مشاركاته فى العديد من الورش الفنية . كما أبعدته تلك الجدية عن ذلك المناخ الشرقى التى تلعب فيه المجاملات دورا أعتبره يعيق التجربة الفنية بل ويوئدها فى بعض الأحيان . أو يرسم لها طريق الضلال بحرفية ، كما أدت إلى إتاحة الفرصة للإقتراب من تجارب غربية أكثر إنفتاحا على العالم التشكيلى وملابسته وأجوائه وتقنيات خاماته …..إلخ من مقومات التشكيل التى نفتقد لها فى مجتمعاتنا الشرقية والعربية .
untitled-1-924x750

وبالإقتراب أكثر من تلك التجربة الفنية الفتية البنية والنضرة المظهر .فأرى من وجهة نظرى أنها قد قامت على ثلاث محاور هامة ، أعتبرها من دعائم التجربة ومقوماتها ، وكذلك أدت دورا هاما فى تطورها ووصولها إلى ذلك المستوى المميز . وهى المحور الأول : وهو ( الأسلوب ) . وهو ذلك المزيج الذى أوجده نتاج المزاوجة بين ( التجريب والتجريد ) واللذان أتيا بصورة متناغمة مع طرحه فى موضوعاته ، وكذلك مع طرق التعامل التقنى مع الخامة والتى تعامل معها أيضا بتنوع مدروس وخادم للعمل . وقد لعب ( التجريد ) دورا فى إتساع آفاق التناول فى تجربة الفنان / أحمد فريد ، وقد وظفه توظيفا يبث مدى إتساقه مع شخصيته المتطلعة والطموحة بطبعها ، و قد وفر له باحة واسعة لتناول العديد من العلاقات فى موضوعاته . كما منحه ثقة فى التعامل مع المشهد بصورة أكثر تمكنا من كونه يتخذ أسلوبا فنيا وتشكيليا أخر . فالتجريد قد يبدو للبعض أسلوبا سهلا وسلسا فى التنفيذ ، ولكن تجربة الفنان / أحمد فريد وغيرها من التجارب التى تعكس دراية فنانيها ومبدعيها بقيمة التجريد وأهميته فى المعاصرة الحقيقية تثبت بأن للتجريد أسرار ، ترتبط بحس الفعل وحرفية الطمس لغير الضرورى من تفاصيل المشهد بما لا يخل بالدلالة وتصدير المعنى والقصدية ، و أما ( التجريب ) فقد منحه تلك الحلول التى وجد فيها المناسبة للوجود فى المشهد ، بل وفى بعض الأحيان وجد ضرورة وجود مثل تلك الحلول ، كما منحه طفرات التطور ، وأكسبه الجرأة فى الممارسة . وهى تلك الميزة التى تحدث التجديد فى منجز المبدع و الذى يسعى الكثيرون من المبدعين لإيجاده فى العمل الفنى والتشكيلى للشعور بقيمة إضافتهم فى المشهد التشكيلى بصفة عامة . والناظر لتجربة / أحمد فريد يجد تناوله لذلك المزيج بين التجريد والتجريب تناولا ناجحا ينم عن تجربة مثمرة وتحمل مؤشرات غاية فى الإيجابية فى الوصول إلى منجز أكثر رصانة فى الغد .

af083-1024x608

أما المحور الثانى وهو ( التقنية والخامة ) . واللتان جائتا من دعائم التجربة بصورة كبيرة وتداخلا مع نزعته الشغوفه لممارسة ( التجريب ) لمثلا عصبا مهما فى تلك التجربة ، فأستخدامه للخامة فى غالبية أعماله ينطلق من نقطة ( المتجر المفتوح )إن جاز التعبير ، فهو من هؤلاء الفنانين الذين ليس لديهم موانع ومحاذير فى المزاوجة بين الخامات المختلفة شريطة أن تكون موظفة ويكون وجودها يعكس إضافة للعمل . كما تتميز خاماته المستخدمة بجودتها ونقاء درجات لونها وطزاجة تبايناتها وكذلك معامل تحملها الطويل وثباتها . فهو من هؤلاء الذين يحترمون تكنولوجيا اللون والخامة ويرون أهميتهما فى صياغة العمل الفنى والتشكيلى ، فتلك الميزة هى ما تمنح العمل ميزة البقاء النسبى الطويل فى صورة جيدة ، ومحتفظا بنفس الطزاجة المصاحبة لتوقيت إنتاجه وعرضه قدر المستطاع ، وقد نجح / أحمد فريد لحد بعيد فى السيطرة على مزيجه وخلطه وإيجاد التأثيرات اللونية والزمنية و تلك التأثيرات المرتبطة بكثافة الخامة وخفتها على السطح . فلوحة أحمد فريد هى لوحة ذات بناء لونى وتقنى متين ومترابط ، وقد منحه التجريب تلك الإمكانيات التى راكمت عنده خبرة التعامل مع التجريد فى المشهد . وعوض لديه كثافة الخبرات المتراكمة والتى من المؤكد أنها قد فاتته من جراء التأخر الزمنى للممارسة . فأستطاع إكتشاف إمكانيات الخامة فى مدة زمنية أكثر إختصارا . كما أتت خامات أخرى خلطها بتقنيته إلى تميز عمله بشكل واضح . فأتت خطوط أقلامه وألوان ( الباستيل أويل ) و ( الأويل بار ) و ( أوراق الذهب والفضة والنحاس الأحمر ) و ( العجائن واللدائن ) بمثابة الترصيع لثوبه الزيتى والذى سبق وحاكه بمهارة وجدية . فبدت لوحته تقنيا لوحة ذات ثقل ودسامة ورصانة . وعبرت عن موضوعه المتناول خير تعبير .

60x80cm-oil-on-canvas-and-wood2

أما المحور الثالث وهو ( الموضوع ومفاهيمية لوحاته ومشاهده ) فقد أتيا على خلفية أرى بأنها قد تكونت لديه وتطورت بداخله خلسة نتيجة أسفاره وترحاله فى محطات حياته المهنية والتى كانت تفرض عليها الإنتقال بين مدن عدة فى بلدان مختلفة ، فهمه الظاهر فى أعماله منكبا على المدينة بشكل عام . وما تعج به من تجمعات وبيوت وشخوص ومعالم مميزة لكل مدينة . وأجدنى أتذكر فى بعض أعماله تلك المرحلة الشهيرة للفنانة الكبيرة / جاذبية سرى ، والتى أسمتها ( البيوت والناس ) والتى تأثربها وبأعمالها فى تلك المرحلة وما تلاها من بعض المراحل والتى إتسمت بالتجريدية شبه المحضة . وإن كان لكل منهما تناوله وحلوله وتقنياته ، كما ظهر تأثره بالمدرسة الأمريكية الحديثة وفنانيها أمثال بولوك ودى ستايل وغيرهم . وكل هؤلاء الذين أثروا فى تعميق مفاهيم التجريد والتجريب لديه . ولكن أكثر ما لفت إنتباهى فى تجربة الفنان / أحمد فريد هو إهتمامه بمنظور المدينة من زوايا ذات علاقة بمشهد المدينة والتى أعتقد أنه كان عالقا فى ذهنه فى لحظات مغادرته لها أو دخوله إليها . فذلك المشهد البانورامى المجرد لمنظور المدينة وبيوتها وتفاصيل جغرافية وتضاريس منازلها وأبنيتها هو من أكثر ما يميز أعماله . كما لعب تناوله لذلك المنظور وتوثيقه من واقع إنطباعه عنه دورا فى إشعار المتلقى بتوقيت توثيق المنظر من الليل والنهار كما هو موضح فى بعض الأعمال المرفقة . كما لعبت ذاكرته دورا فى وجود مشاهد لمناظير بعنينها لبعض الحارات والطرق القديمة فى القاهرة وغيرها من المدن التى زارها وعاش فيها وجاب طرقاتها . كما أننا نلحظ أن هناك تناولات عدة لنفس المشهد المكانى مع إختلاف المنظور والحلول اللونية والأداءات التقنية و الأجواء الزمنية . فالمدينة القديمة هى أكثر ما يأخذ عقل / أحمد فريد وتفتح لدى عقله وتفكيره تلك التساؤلات اللاإرادية عن مكنونات تلك المدينة وأسرار سكانها ، وخليطهم الثقافى المتدرج بين النخبة وما دون العامة ، وخليطهم الإجتماعى المتأرجح بين الصفوة و الطبقات المتدنية . وخليط أحيائها المحصور بين الرقى والعشوائية . والمظاهر المصاحبة لكل تلك الحالات السابقة . والتفاعلات اليومية بين كل تلك الأطراف وما ينتج عنها من مذاقات للحياة وسمات لأهلها ونوعيات متباينة للعلاقات الإجتماعية بينهم .

52

إن تجربة الفنان / أحمد فريد هى واحدة من التجارب الجادة والتى تنم عن مصور جيد ومدرك لأدواته وقصدية طرحه ، ويتخذ من التجريب وسيلة لتحقيق الإشباع المطارد من شغفه لممارسة فن التصوير من خلال وسائط نمطية وكلاسيكية ، ولكن بطموحات تواكب المعاصرة وما تعج به من نقاط إنطلاق نحو حداثة مرغوبة من فنانى العصر وجمهوره ومتلقيه . وقد إستطاع أن يقف بمفاهيمه وأفكاره عن الأسلوب وعن التقنية فى منطقة آمنة . كما أعتبرها أيضا واحدة من التجارب المرنة وذات القابلية العالية للتطور نتيجة إرتكازها على منطقيات فنية وإجتماعية ذات صلة بالمحيط والواقع .

33-924x750

1 تعليقك

  1. Avatar اشعاب بوسرغين

    تحايل سايم راءع وكاني فعا اغوص في اعمق الفنان الكبير …فعلا من خلتل العينات المعروضة يستحق كل التقدير والاحترام …تسلم يمينك الاخ جاد

اترك رد