عندما تتطاير الأوراق وتسقط المعرفة – ج2


 

ولأننا محكومون بالأمل ، ليس قدر المعرفة أن تسقط إلى الأبد . وقد كنت في مقالي السابق قد أشرت إلى أسباب الفجوة الحاصلة بين التلاميذ والمعرفة وعزوفهم عنها تماما ، وختمت بالسؤال : هل علينا أن نصلح التربية ليصلح العالم أو علينا أن نبدأ بإصلاح العالم حتى تصلح التربية ؟ والحقيقة أنّ أي حديث يريد أن يكون موضوعيا ومنطقيا ، ليس عليه أن يخوض في ما لا طاقة له به ، نحن لا يمكننا إصلاح العالم ولا يمكننا رد تأثيراته على المؤسسة التربوية ، ولكن يمكننا قليلا أن نصلح شأن المؤسسة لنرأب الصدع بين التلاميذ والمعرفة ما أمكن .

والجدير بالذكر في هذا السياق أن كل بلدان العالم تخضع لتأثير القيم ” المعولمة ” ولكن ليست كلها تستجيب بنفس المقدار بدليل أن الإقبال على الكتاب وعلى المعارف وحب العلم ، متباين أشد التباين بين بلد وآخر ، ومن هنا يمكننا أن نبدأ المعالجة .

ولتوضيح مساري وأنا أنطلق من المدرسة التونسية نموذجا تمثيليا لكل المنطقة ولو بمقدار ، لن أخوض في كل شؤون التربية ولا تفصيلاتها ، فالحديث عن الزمن المدرسي والموارد البشرية والتجهيزات والمنظومة التأديبية ، ونظام الاختبارات …. حديث مستفيض لا يسعه مقال ، ثم هو حديث الخاص والعام اليوم في تونس إلى الحد الذي أصبح فيه حديثا مستهلكا ممجوجا .لذا ، سأكتفي إذن بالمعرفة مدخلا أساسيا حتى وإن كانت تتعالق مع كل تلك المباحث التي ذكرت ..

أول ما يطالعني في مسألة المعرفة هو سؤال المعنى ، فأن نعطي معنى للتعلم معناه أن نوجد لكل معرفة مُدرّسة هدفا وغاية ، في غيابها لن تصبح هناك أي جدوى من التدريس ولا من المعرفة ذاتها ، وهذه الغاية يفترض نظريا أنها معقودة على كل فروع المعارف بكل مسالكها ، ما اختص منها بالعلوم والآداب والإنسانيات …فتدريس الرياضيات ، يفترض منه وجوبا إقدار التلميذ على التمكن من تملّك ذلك العلم وتحويله أثرا منتجا في الحياة ، ودراسة الفيزياء ينتظر منها فهم ظواهر العالم المادي وتفسيرها وتعليلها والتصرف فيها وتوظيف تلك المعارف في خدمة المعيش وتطويره ، وتدريس اللغات يفترض منه إجادة التواصل مشافهة وكتابة وتمثل القيم الأخلاقية والجمالية وامتلاكها والتصرف في الحياة وفقها … ولا يخلو علم من ضالة مهما تباعدت العلوم ، فحتى مع الفنون التشكيلية التي تعتبر غالبا على الهامش المدرسي ، لا بد من معنى ، وليس أقل من أن يتمثل التلميذ تلك الجماليات ويفصح عنها في معيشه حتى وهو يرتب أثاث بيته ، ويختار لون ثيابه …و. ولكن ، متى شعر التلميذ أنه يدرس ما لا ينفعه ومالا يفيده في شئ ، انتفى المعنى ، ومتى انتفى ، تسقط المعرفة .لذا ليس من الوجاهة إذن أن ندير ظهورنا لسؤال التلميذ مثلا حول الحدوى من دراسة الشعر الجاهلي ، أو الجدوى من دراسة جغرافيا بلد بعيد لن يراه يوما بعينيه ، أو دراسة تاريخ يعود إلى آلاف السنين .. ليس علينا أن تعتبر ذلك تطاولا ولا إساءة ، لأن السؤال مشروع ويمتلك من الوجاهة ما يكفي للتفكير في الإجابة عليه تفكيرا جادا .صحيح أن التلميذ ليس مخوّلا ليحدد لنفسه ماذا يحتاج ذهنيا ونفسيا في ذلك العمر ، وهو غير قادر على ضبط ما يلزمه لنموه الذهني ، ومع ذلك لا بد من الاعتراف أن التلميذ معيار حراري لا يخطئ لنقيس به نجاعة التربية التي نقدمها له ، فمتى بدأ في سؤال المعنى ، ولماذا أدرس كذا وأدرس كذا …. فمعناه أنه لا يجد لتلك المعرفة من وظيفة ، ومن هنا يبدأ النفور .

إن سؤال المعنى ، هو محور العملية التربوية التي ينعقد عليها حب المعرفة أو النفور منها ، وكلما تباعدت المعرفة وواقع التلميذ ومعيشه ومتطلبانه ، كلما شعر بانتفاء الجدوى منها ، وفي هذا السياق علينا أن نذكر بحقيقة نتناساها غالبا وهو عمق الفجوة بين الوعي الاجتماعي للتلميذ ، ووعيه المدرسي . فالتلميذ الذي يبدو لنا في بعض المواد المدرسيةساذجا ، محدود الفهم ، لا يفقه …. هو نفس ذلك التلميذ الذي يفاجئنا يوما بمدى إدراكه لواقعه الاجتماعي ، وأنه ليس غرا ، ولا بسيطا ، وأحيانا نتفاجأ بأنه يخوض تجارب حياتية أكبر حتى من عمره ، قد تصدم إدراكنا وتقبلنا . التلميذ ليس سلعة ، ولا منتجا ، ومهما زحفت مصطلحات رأس المال على العملية التربوية ، يبقى كائنا حيا ّ مدركا علينا أن نقدم له ما يلبي احتياجاته الذهنية والنفسية والاجتماعية ، فهل من الوجاهة إذن ، أن نقدم له معرفة كما اتفق ، لا تستجيب إلى الحد الأدنى لتطلعاته ؟

وسؤال المعنى هذا ، يتعالق وجوبا مع مسألة أخرى هي من مقتضياته و ليست أقل أهمية منه ، إنها مسألة الأثر الذي تتركه المعرفة ، المعرفة التي لا تغير واقع التلميذ ، لا طائل منها . ويحضرني في هذا السياق حديث لخبير التربية التونسي الأستاذ محمد بن فاطمة وهو يقول ما معناه : ” تخفق التربية عندما ندرّس التلميذ لمدة سنة كاملة قواعد النص الحجاجي ، وأدواته ، ومساراته ، وطرق المحاججة .., ولكن التلميذ عند أول خصومة مع صديقه ، يقذفه بحجر ” ومعنى ذلك أن المعرفة التي لا تتحول إلى مهارات حياتية ، ولا تفصح عن نفسها في معيش التلميذ وتغير إدراكه وتعاطيه مع الأشياء والمواقف ، تفقد قيمتها . وهذا واقع كل الأنظمة التربوية في البلدان العربية ولنا مثال يمكن أن نقيس بهذلك وهو مناظرة بيزا وهي عبارة عن اختبارات أحدثتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية سنة 2000م، وهي تركز على ثلاثة مجالات أساسية، هي القراءة، والرياضيات، والعلوم، وتقام الاختبارات كل ثلاث سنوات، ويتم التركيز تباعا في كل دورة على أحد هذه المجالات، وقد تم تحديد الغاية منها على أن توجهها ” لا يتعلق باختبارات في المناهج الدراسية، بل على قياس مهارة حل المشكلات في تلك المجالات، دون تركيز على محتوى المناهج الدراسية المتعلقة بها، أي المهارات والمعارف التي يحتاجها الطلبة في حياتهم، ممن بلغوا سن الخامسة عشرة من عمرهم لمواجهة تحديات الحياة اليومية ” والمقصود هنا ،هو تحويل ما يدرسه التلميذ إلى مهارات حياتية يواجه به كل إشكاليات معيشه ويحلها . وقد كانت مشاركة البلدان العربية فيها دالا على إخفاق منظوماتها جميعا في الارتقاء إلى هذا الهدف وبالتالي تحويل المعارف إلى مهارات ، ففي سنة 2010 مثلا شاركت 65 دولة من بينها 4دول عربية فقط هي قطر والأردن وتونس وإمارة دبي فاحتلت شنغهاي الصينية، المرتبة الأولى عالميًا، تليها كوريا، تليها فنلندا، في حين جاءت دبي في المرتبة (42)، والأردن في المرتبة (55)، وتونس في المرتبة (56)، وقطر في المرتبة (61)، وجاءت كازخستان في المرتبة الأخيرة (65). هذا تجدر الإشارة في ملاحظة أولى أن اختبارات بيزا تضع التلميذ مباشرة مع وضعية حياتية عليه أن يستثمر فيها مهاراته لحل إشكاليات الموضوع ، لذا لن تسعفه القواعد التي لقنها ، ولا المقاطع التي حفظها ، ولا المعادلات التي تلقاها في شكل قوالب جامدة وذلك ما دأبت عليه الأنظمة التعليمية في البلاد العربية ، كما تجدر الإشارة في ملاحظة ثانية إلى أن البلدان العربية المشاركة تعتبر نسبيا الأفضل في نظامها التعليمي قياسا إلى البلدان التي لم تشارك والتي هي بعيدة كل البعد عن تملك معايير هذه الاختبارات ، ومع ذلك تصدرت البلدان المشاركة المراتب الأخيرة وتكرر ذلك في كل الدورات . أليس في هذا المقياس إذن ما يكفي لمعرفة أحد المداخل الضرورية لحل مشاكل التربية ، ومن ورائها المعرفة ؟ وللحديث بقية

لا تعليقات

اترك رد