قضية ” بولانسكي ” مرةً أخرى .. و أخرى


 

يبدو أن القضاء الأمريكي سوف لن يهدأ له بالٌ بغير وفاة المخرج الشهير ” رومان بولانسكي ” ، و كأن ساحة هذا القضاء خلت من أوساخها و نجاساتها ، و ليس فيها إلا قضية ” بولانسكي ” ، فيوم أمس رفضت المحكمة البولندية العليا ، مرةً أخرى ، تسليمه الى القضاء الأمريكي الذي يطالب به و لا يكف عن إعادة فتح ملفه ، على الرغم من مرور 39 عاماً على القضية التي فُتح على خلفيتها عام 1977. وهو ملفٌ ظل مفتوحاً و مغلقاً بطريقة مريبة في تاريخ القضاء الأمريكي .. المُريب أصلاً .
و كان هذا الملف قد أعيد فتحه مرةً أخرى قبل سنتين أيضاً ، فأثناء زيارته الى بولندا ـ بلده الأصلي ـ لحضور حفل افتتاح المتحف اليهودي في وارسو ، ظهر اسم المخرج السينمائي الشهير في ملفات المحاكم مجدداً ، حين خضع للاستجواب أمام الإدعاء العام البولندي يوم الخميس ( 30/10/2014 ) بطلب من الإدعاء العام الأمريكي ، للقضية إياها ، و التي كانت قد قامت بناءً على مذكرة الإعتقال الصادرة بحقه عام 1977 على خلفية اتهامه باغتصاب الصبية ” سامانثا جايمر ” التي كانت ـ حينها ـ في الثالثة عشرة من عمرها . ولكن القضاء البولندي رفض ـ حينها ـ تسليم المخرج المتهم .
و كان ” بولانسكي ” قد تم اعتقاله ، في السابع و العشرين من سبتمبر 2009 ، من قِبَل السلطات السويسرية حال وصوله لحضور مهرجان زيوريخ السينمائي ولكن ، بعد مرور عشرة أشهر من حجزه ، أعلنت وزيرة العدل السويسرية ” إيفلين فيدمر شلموف ” ، في مؤتمر صحافي ـ يوم الأثنين 12 يوليو / تموز 2010 ـ أن المخرج الفرنسي / البولندي ” رومان بولانسكي ” لن يُسلَّم الى الولايات المتحدة ، و قد رُفعت عنه الاجراءات التي تقيّد حريته .. و تبلّغ محامي ” بولانسكي ” و سفراء الولايات المتحدة وفرنسا وبولندا بذلك ، و برّرت الوزيرة السويسرية قرارَها بوجود ” نقص ” في اجراءات طلب الترحيل الأمريكي . و بموجب هذا القرار فإن بإمكان ” بولانسكي ” العودة الى فرنسا حيث مقر اقامته ، و سوف لن تـُعيدَ السلطاتُ السويسرية القاءَ القبض عليه ، ثانيةً ، عند عودته الى سويسرا مرة اخرى .. حسب ما أعلنت الوزيرة ” شلموف ” . فهل ثمة من اغتبط ـ حينها ـ لإعتقال هذا المخرج ؟
اذا ما وُجد ثمة مغتبطٌ لهذا الإعتقال ، فربما سيكون مجلة ( فنتي فير ) الأمريكية ، و كذلك مؤسسة ( كوندي ناسست ) الناشرة لهذه المجلة .
لماذا ؟
في يوليو / تموز من العام 2002 ، نشرت المجلة مقالاً يشير الى أن ” بولانسكي ” ـ و هو عائد من جنازة زوجته القتيلة عام 1969 ـ قام بإغواء عارضة أزياء سويدية في أحد مطاعم نيويورك ، عارضاً عليها ـ و هو يلامس فخذها ـ أن يجعلها أشهر من زوجته الممثلة الراحلة ” شارون تيت “.
المخرج الشهير اعتبر ما ورد في المقال تشهيراً لا أخلاقياً به ، فرفع دعوى قضائية ضد المجلة . ولكن الغريب أنه رفعها لدى السلطات القضائية البريطانية و ليست الأمريكية . و راح محاموه يتابعون الدعوى بمثابرة ، حتى تمكنوا في النهاية من الحصول على حكم لصالح موكّلهم بعد ثلاث سنوات تماماً ، أي في يوليو / تموز من العام 2005 ، فحكمت المحكمة بتعويض ” بولانسكي ” مبلغاً قدْرُهُ 50 ألف جنيه استرليني ، كما حكمت على المؤسسة الناشرة بدفع كافة التكاليف القانونية التي ترتبت على القضية ، و التي قُدرت بنحو مليون و نصف المليون جنيه استرليني .
ولكن ، بقَدْر ما يُحتمل أن يوجد مَن يغتبط فعلاً لإعتقال المخرج الشهير في سويسرا ، فأن الكثيرين في العالم قد أصابهم الإستغراب من توقيت الإعتقال المفاجئ مع وصوله الى مهرجان زيوريخ السينمائي ( سبتمبر 2009 ) الذي كان قد استعد لتكريم مسيرة المخرج ، الزاخرة و المتميزة ، بجائزة خاصة .. فتم تكريمه بالإعتقال من قبل السلطات السويسرية . و كان العالم قد نسي مذكرة اعتقاله التي مضى على إصدارها أكثر من ثلاثين عاماً ، كان بولانسكي يتجول خلالها في العالم و يُخرجُ الأفلام ، و منها فيلمُه الشهير ( عازف البيانو ) الذي نال عنه جائزة الأوسكار ـ كأفضل مخرج ـ عام 2002 . بل أنه كان يتردد كثيراً على سويسرا ذاتها التي يمتلك فيها منزلاً في منتجع غشتاد للتزلج ، عليه فأن تبرير وزارة العدل السويسرية بأن السلطات لم تكن على علم بوصوله ، هذه المرة بالذات ، لم يكن مقنعاً لأحد . و بهذا المعنى فأن المخرج قد وقع ضحية ( فخ ) مُعد له سلفاً ، خصوصاً و أن السلطات السويسرية قد اعترفت بأنها قد تلقت معلومات أمريكية عن رقم الرحلة التي ستحط بها طائرة ” بولانسكي ” . فهل ثمة نية كيدية كانت تقف وراء هذه العملية ؟ أم أن القضاء الأمريكي كان ينوي غلق ملف القضية نهائياً ، أكان لصالح المتهم الشهير أم ضده ؟ و هل أن القاضي ” بيتر سبينوزا ” كان صادقاً عندما صرّح أن ثمة أخطاءً قد حصلت في المحاكمة الأصلية عام 1977 و يريد هو تلافيها ، أم أن في ذلك محاولة لإستدراج المخرج .. تخفيفاً لصدمة الإعتقال المفاجئ ؟ ثم هل أن للفيلم الوثائقي الذي ظهر عام 2008 بعنوان ( بولانسكي .. المرغوب فيه و المطلوب ) علاقة تحريضية أو تذكيرية بالواقعة المنسية منذ سنوات ؟ .. أسئلة تتفرخ عن بعضها و تتفرع ، و لا يمكن لأحد أن يأتي بإجابة قاطعة عن أي منها حتى ينجلي الأمر .. لكن متى ينجلي ؟ لا أحد يمتلك جواباً قاطعاً أيضاً ، خصوصاً و أن القضية طفت على السطح يوم أمس مجدداً .
و من المعروف أن ” سامانثا جايمر ” ، الصبية التي كانت ، و التي أصبحت الآن إمرأة في الثالثة و الخمسين من عمرها ، و أماً لأربعة أبناء ، هي نفسها كانت قد أعلنت صفحها عن ” بولانسكي ” ، و طالبت السلطات الأمريكية بطي الصفحة و الكف عن ملاحقته ، و منحه الفرصة للقدوم الى الولايات المتحدة لتسلم جائزة الأوسكار التي فاز بها في العام 2002 . لأنه
ـ حسب رأيها ـ قد نال عقاباً كافياً من خلال الرعب الذي عاشه طوال هذه السنوات . لذا فأن أعادة إثارة القضية من جديد إنما يمثل مساساً واضحاً و كبيراً بمشاعر زوجها و بحياتها العائلية المستقرة .
من الناحية الإنسانية و الأخلاقية فأن هذا الحكم من قِبَل ( الضحية ) ذاتها صحيحٌ و عادل ، ولكن القضاء الذي يتجنب تأثير هذه الناحية الإنسانية عليه لا يعترف بهكذا تصريح ، بل يعتمد لوائح القانون المجرد ، و الذي قد يقع أمر تطبيقه بأيدي قضاة قساة لا يقيمون للنواحي الإنسانية و الأخلاقية أي اعتبار . و هؤلاء القضاة ، أكانوا قساة أم رُحَماء ، لا يستطيع أحد في دولة يُطبّق فيها القانونُ على الجميع أن يلومهم قانوناً . عليه فأن تظاهرات الإحتجاج أو مذكرات الإدانة لإعتقال بولانسكي أو بيانات التضامن التي أصدرها سينمائيون مشهورون من مثل ” غوستا غافراس ” و ” عبدالرحمن سيساكو ” و ” فاني أردان ” و ” جان جاك بيني ” و ” باولو سورينتينو ” و غيرهم .. كل ذلك لا يساوي شروى نقير أمام تطبيق مذكرة الأعتقال ( قانوناً ) ، بغض النظر عن الجهات و النوايا التي تقف وراءها أو ( المستفيدة ) منها . و علينا أن نتذكر أن ” بولانسكي ” كان قد فشل أيضاً في شهر مايو / أيار من العام 2009 في إقناع المحكمة باسقاط التهمة الشهيرة عنه ، و لم يجدِ نفعاً تذكيرُه إياها بما كان قد أدلى به أثناء المحاكمة الأولى عام 1977 بأن الصبية لم تكن عذراء و أنها كانت متمرسة في الجنس و .. ( صاحبة خبرة ) .
و الواقع ، لو أن القضاء الأمريكي كان قابلاً للخضوع تحت تأثير العوامل الإجتماعية أو الإنسانية ، خارج حذافير بنود و مواد القانون القضائي الأمريكي لكان قد تأثر ، حينها ، بما اُثير من تعاطف مع ” بولانسكي ” في هذه القضية ، على خلفية المأساة التي تعرض لها في العام 1969 و التى سعى المتعاطفون معه الى تذكير القضاء بها . و تتلخص هذه المأساة بمقتل زوجته الممثلة الحامل ” شارون تيت ” و أربعة من ضيوفها بطريقة سادية وحشية على يد أتباع ” تشارلز مانسون ” (1) ، و هي مأساة هزت أمريكا و العالم حينها ، و قد أشارت أصابع الإتهام الى ” بولانسكي ” نفسه ـ أولَ الأمر ـ بسبب تشابه الواقعة مع مشاهد من فيلمه ( طفل روزميري ) ولكن هذه الجريمة لحقتها جريمةٌ مماثلة ، في غضون اليومين اللاحقين ، بحق مدير متجر كبير يدعى ” لينو لابيانكا ” و زوجته ” روزميري ” ، و بسرعة فائقة تم القاء القبض على الجناة الذين تبيّن أنهم قد وضعوا قائمة لقتل عدد كبير من مشاهير هوليوود في ذلك الوقت ، منهم ” ريتشارد برتون ” و ” اليزابيث تايلور ” و ” توم جونز ” و ” فرانك سيناترا ” و ” ستيف ماكوين ” .. و سواهم . إذاً لا التذكير بهذه المأساة ، حينها ، و لا وفاة القاضي الذي أصدر مذكرة الإعتقال ، بعدها ، و لا مذكرات الإحتجاج و بيانات التضامن ، بعد اعتقال ” بولانسكي ” في سويسرا ، أجدت نفعاً . كلها باتت هواءً في شبك أمام قضية طفت على السطح من جديد في السابع و العشرين من سبتمبر 2009 ، و باتت هي نفسها مادة سينمائية قد يوظفها ” بولانسكي ” نفسه لفيلم قادم قد لا يشكل رفض المحكمة البولندية تسليمه يوم أمس مشهده الأخير ..
ولد رومان بولانسكي في الثامن عشر من شهر أغسطس / آب من العام 1933 ، لعائلة يهودية في بولندا . و عندما اجتاحت القوات الآلمانية الأراضيَ البولندية ، خلال الحرب العالمية الثانية ، زجّت هذه القواتُ بعائلته اليهودية في معسكر ( أوسشفايتس ) النازي الشهير ، حيث توفيت والدته فيما بعد ، أما والده الذي كافح بمختلف الوسائل و الطرق حتى استطاع التخلص من هذا المعسكر ، فقد سلّم ابنه ” رومان ” الى عائلة فلاحية ، فراح الصبيُّ يتنقل من عائلة أرثوذكسية الى أخرى ، مضطراً في أحيان كثيرة الى النوم في الإسطبلات .
و منذ صباه كان ” بولانسكي ” مولعاً بالسينما ، فكان يرتاد دور العرض السينمائي إشباعاً لولعه الذي قاده ـ لاحقاً ـ الى دراسة السينما و التخصص في الإخراج . و في العام 1968 هاجر الى هوليوود ، لتنطلق من هناك شهرته الواسعة من خلال أفلام من مثل ( طفل روزميري ) الذي لفت اليه الإنتباه كمخرج ذي بصمة خاصة في هوليوود ، و فيلم ( الحي الصيني ) الذي رشحه لجائزة الأوسكار .
و نال ” بولانسكي ” نحو خمسين جائزة طوال مسيرته السينمائية .. منها جائزة مهرجان زيوريخ ( المشؤومة ) التي اعتقلته السلطات السويسرية قبل أن ينعم بها . و كان المخرج الشهير قد ترشّح أربع مرات لجائزة الأوسكار كأفضل مخرج ، فنالها في العام 2002 عن فيلمه الكبير ( عازف البيانو ) الذي يتناول قصة عازف البيانو البولندي اليهودي ” فالديك سبيلمان ” . لكن ” بولانسكي ” لم يحضر حفل توزيع جوائز الأوسكار لتسلم جائزته ، خشية القاء القبض عليه من قبل السلطات الأمريكية على خلفية تهمة الإغتصاب المعروفة ، و هو السبب ذاته الذي جعله يرفع دعواه القضائية على مجلة ( فنتي فير ) لدى السلطات البريطانية .. و ليست الأمريكية ، و التي ربما كانت هي ( المغتبط الأكبر ) لإعتقاله في سويسرا .. و أيضاً ( الممتعض الأكبر ) من قرار وزيرة العدل السويسرية بإطلاق سراحه ، و ربما عادت فاغتبطت بسبب استجواب الإدعاء العام البولندي له ، ولعلها اغتبطت لفتح ملفه من جديد .. يوم أمس .
السؤال الآن : هل أن هذا المخرج العالمي المبدع الخلاّق ” رومان بولانسكي ” أخطر على ( العدالة ) الأمريكية من إرهابيي ( القاعدة ) الذين أطلقت سراحهم من معتقل ( غوانتانامو ) ؟
و أود أن أشير الى أن محكمة أمريكية كانت قد ألغت يوم أمس ( نفسه ) حكماً بحق شرطي أبيض كان قد قتل رجلاً من السود العام الماضي ( 2015 ) .
ما هذه الوساخة ؟

(1) ” تشارلز مانسون ” ، مجرم أمريكي بشع لم يعرف تاريخ الجريمة في أمريكا مثيلاً له ، و مازال المجتمع الأمريكي يستذكر الصدمة التي ولّدتها جرائمة و هزت العالم في حينها ، بل ما زال البحث قائماً للوقوف على اللغز الذي اكتنف هذه الجرائم .
ولد مانسون لأم كانت في السادسة عشرة من عمرها ، و قضى معظم صباه في مراكز الإحتجاز و سجون الأحداث ، حيث كان منبوذاً داخل و خارج دور الرعاية الإجتماعية ، و عندما خرج من سجن الكبار عام 1966 كان في الثانية و الثلاثين من عمره ، و كان قد تأثر بالـسينتولوجيا * ( العِلْملوجيا ) ، و حاول أن يطبّقها في حياته مستفيداً من جاذبيته للنساء ، و دخل الوسط الفني في هوليوود بعد أن انتقل الى سان فرانسيكو و قدّم نفسّه كفنان و فيلسوف ، و تغلغل في أوساط (الهيبيز ) و طرح نفسَه مرشداً لهم ، و راح يسرّب أفكاراً حول حرب عنصرية دموية بعد انتفاضة السود .
في الثامن من أغسطس / آب 1969 أمر ” مانسون ” أحد مساعديه و ثلاثة من النساء في مجموعته بالتوجه الى منزل المخرج بولانسكي ( الذي كان وقتها في لندن ) و تطبيق أشد طرائق القتل بحق من في المنزل ، و هكذا حصلت الجريمة البشعة التي هزت أمريكا و العالم في حينها ، و بعد تتبع خيوط الجريمة و خيوط الجرائم اللاحقة ، و ثبوت مسؤولية مانسون المباشرة عنها ، حُكم عليه بالإعدام ، ولكنَّ الحُكمّ خُفِّف الى السَجن المؤبّد ، وسطَ صدمة المجتمع ، بعد صدور قانون إلغاء عقوبة حكم الإعدام .
* السينتولوجيا مذهب ، يُصنَّف بـ ( الديني ـ التجاري ) يحاول المزج بين التعاليم الدينية و الأفكار و التطبيقات العلمانية . أسسها ـ في كاليفورنيا ـ عام 1952 ديفيد ميسكافج . و يرى العلماء أن السينتولوجيا ( علمٌ كاذب ) يتخذ من الدين مظهراً لكسب السذّج و البسطاء من الناس ، و هذا ما استغله مانسون الذي جنّد الشبّان لصالح توجهاته و نزعته الإجرامية

لا تعليقات

اترك رد