أيّتها الغائبة.. تعالي


 
(لوحة للفنانة رنا علي)

الطّريق والرّصيف هما صديقا وحدتي؛ تمشّيت في شوارع رام الله وأزقّتها التي أحفظها عن ظهر قلب، قادتني قدماي إلى شارع الإرسال، جلست إلى جانب الطّريق على جدار منخفض، في الأفق البعيد يظهر البحر المغتصب، أغمضت عينيّ، امتلأ صدري بنسيم بحريّ قادم من الغرب، تخيّلتك إلى جانبي، أمسكت يديك بيديّ.. هبّت نسمة طارت لها خصلات شعرك فداعبت وجنتيّ، احتضنتك.. سافرت في أفق عينيك.. جلسنا صامتين، إلاّ من لغة الوجد والعيون.

.. تسلّلنا إلى تلّ يشرف على بحرنا المفقود من بعيد، لا صوت إلاّ صوت هبّات الرّيح الغربيّة، وبعض نغمات من الموسيقى.. زقزقة عصافير سعيدة بقليل من دفء متسلل في هذا الجو البارد، وهمسات مع إشراق شمس من بين الغيوم.

آه يا حبيبتي الغائبة.. دعيني أفترش لك أقحوانة، أدخلك في أعماق روحي، يا سيّدتي وسيّدة البراري والسّهوب.. دعيني أستظلّ بحبّك يا سيّدة مطري وإحساسي.. أفتقدك كنبتة تفتقد الماء، فتعالي لنرتشف قهوة الصباح، فما زلت أحتسي كوبين من القهوة لي ولك، تعالي لترسمي القبلة على وردة عشقي، أعيدي ربيعا لحياتي قبل أن تعلن روحي حلم الرحيل.

عيناك القادمتان من خلف الليل والشمس، وحدهما من تهبان للرّوح امتدادًا للحياة. وطيفك الذي يزورني في هدأة الليل وحده يمنحني الأمل. والنّجمات التي أقطفها من السّماء لأزرعها في شعرك، وحدها تنير ظلمة النّفس وعتمة الغياب.

منذ غادرتني إلى البعيد البعيد، أضربت خيولي عن الصّهيل، قلبي عن النّبض، نجومي عن الضّياء، جفّ في عينيّ الدّمع لينسكب دموعًا من قلمي.

عودي، لتسقط دمعة وهج لقاء على وجنتيّ.

ليشتعل قلبي نيرانا وروحي وميضاً، وفي الحقل إخضرار وفي القلب نبضة.. تعالي لنفترش البنفسج، نقطف السوسن، أظلك بشقائق النعمان، أغمرك بالحنون والليلك، أزرع شعرك نجوما مضيئة من جديد.

تعالي لنتذاكر حكمة الجدود، قصص العشاق، تنهدات الصدور، همسات الشوق وابتسامات الروح، فأنت عيناي التي أرى بهما، النور الذي يشق لي الظلمة، الحب الذي يغمرني فيضيء لي حياتي، قلبي الذي لا يتوقف عن إرسال نبضات الحب، حتى لو توقفت نبضات الحياة، وما زلت أرى بحبك وبك ما يستحق أن أحيا لأجله.

سأبقى أنتظرك اشتعالاً من جديد، من دفء عينيك، من إشراقة روحك، من حبك الغامر، من خريف عمري الذي يتجدد ربيعا بمحياك..
لن أملّ انتظار عينيك، أنتظرك يا حبيبة روحي.. لا تتأخّري.

لا تعليقات

اترك رد