الابحار الى لامبيدوزا

 
(للفنان احمد كليج)

انتظر منصور حتى التقى كل اعضاء الاسرة حول طاولة الغداء، وبصوت هاديء، لا تخالطه اية تلوينات عاطفية او انفعالية، وكأنه ينقل لهم عملية حسابية مدرسية، قائلا يخاطب والده وامه واخوين واخت اصغر منه:

عندي خبر ارجو ان تتقبلوه بهدوء، وفهم واستيعاب، لانه يتصل بحياتي، ومستقبلي، وهو انني ساسافر غدا في رحلة مع ثلاثة شباب من اصدقائي، خارج البلاد ، فلا تنشغلوا وتقلقوا، إذا ما طالت الرحلة قليلا.

علقوا جميعا انظارهم به، لمزيد من الشرح عن سبب السفر ووجهته، فواصل الحديث:ــ هيأت نفسي، ودبرت مصاريف سفري، فلا موجب للقلق من هذه الناحية، ولا احتاج منكم الا للدعاء بالتوفيق.

وجدت في مدخراتي ما يكفي لتأجير مكان في قارب للمهاجرين الى ايطاليا، وهو ما فعله اصدقائي الثلاثة الذين حجزوا اماكن مثلي لنترافق في رحلة تأمين المستقبل.

تعالي الصياح من كل افراد العائلة، الصغار قبل الكبار، يتكلمون في صوت واحد، تعبيرا عن اندهاشهم واستنكارهم، وارتفع صوت والده فوق بقية الاصوات يتكلم بصوت مشحون بالغضب والثورة، ينكر على ابنه ارتكاب هذه الحماقة ، واصفا ما يقوله بالجنون، كأنه لا يسمع الاخبار ولا يرى جثامين الضحايا ملقاة على الشاطيء.

ظل ابنه منصور صامتا ينتظر ان تهدأ الضجة، ويفرغ والده من صرخات الاحتجاج واللوم، وطلب ان ينصتوا لسماع رده على اسئلة والده واستنكاره لما صمم على فعله، قائلا بان هذا هو العام السادس، بعد تخرجه من الجامعة، يقضيه عاطلا لا يجد عملا ولا دخلا، عالة على ابيه، الذي لم يعد يملك الا معاشا تقاعديا، عرض نفسه على ادارات تعطي مرتبا هزيلا، لا يساوي اجر يوم واحد يتقاضاه زميلا له سافر منذ عام الى ايطاليا.

انه يعرف، قال ردا على والده، ما يقوله الوالد عن مخاطر الغرق، ولذلك فهو لن يجازف بركوب القوارب المطاطية، القابلة للعطب والغرق، وانما سيستعمل هو وزملاؤه الثلاثة قاربا لاحد صيادي السمك، معروف لدي اصدقائه، قام بعدة رحلات آمنة الى اقرب شاطيء ايطالي، هو شاطيء لامبيدوزا، وسيكون القارب مخصصا فقط لنقلهم، في رحلة لن تستغرق غير يومين اثنين، وتبدا غدا في الساعة الثامنة ليلا من شاطيء تاجوراء، وتنتهي الثامنة هذين اليومين. وستكون رحلة اشبه بالنزهة، فللقارب محرك جديد ممتاز، والبحر سيكون خاليا من العواصف حسب النشرة الجوية.

الا ان العاصفة التي صنعها كلامه، داخل البيت، هي التي عليه ان يتعامل معها الآن، عاصفة تفجرت قبل ان ينتهي من كلامه، عاصفة شارك في صنعها، بكاء الام وصراخ الاخوين والاخت، وكلمات الغضب التي يطلقها والده، وجميعهم يشوحون بايديهم واذرعهم كانهم يصارعون الاشباح، رافضين تصديق كل كلمة قالها عن السفر الآمن، لا يرون ما يقوله الا انتحارا، وجريمة ليس في حق نفسه ولكن في حق اسرته، وامضوا ما تبقى من النهار والى مجيء الليل وهم يحاولون اقناعه بالعدول عن هذا السفر، وطالما ان شكواه الاساسية من البطالة، فقد تقدموا باكثر من اقتراح لحل المشكلة ، احداها ان يتنازل الاب عن سيارته له، ليقوم باستخدامها في نقل الركاب، تضمن له دخلا يوميا وعملا يشغل به فراغ أيامه، والاقتراح الثاني كان احالة غرفة الضيوف في البيت الى حانوت، بفتح باب للغرفة على الشارع، يحيلها الى دكان لبيع المواد الاستهلاكية او الفاكهة والخضار.ــ هيأت نفسي، ودبرت مصاريف سفري، فلا موجب للقلق من هذه الناحية، ولا احتاج منكم الا للدعاء بالتوفيق.

وجدت في مدخراتي ما يكفي لتأجير مكان في قارب للمهاجرين الى ايطاليا، وهو ما فعله اصدقائي الثلاثة الذين حجزوا اماكن مثلي لنترافق في رحلة تأمين المستقبل.

تعالي الصياح من كل افراد العائلة، الصغار قبل الكبار، يتكلمون في صوت واحد، تعبيرا عن اندهاشهم واستنكارهم، وارتفع صوت والده فوق بقية الاصوات يتكلم بصوت مشحون بالغضب والثورة، ينكر على ابنه ارتكاب هذه الحماقة ، واصفا ما يقوله بالجنون، كأنه لا يسمع الاخبار ولا يرى جثامين الضحايا ملقاة على الشاطيء.

ظل ابنه منصور صامتا ينتظر ان تهدأ الضجة، ويفرغ والده من صرخات الاحتجاج واللوم، وطلب ان ينصتوا لسماع رده على اسئلة والده واستنكاره لما صمم على فعله، قائلا بان هذا هو العام السادس، بعد تخرجه من الجامعة، يقضيه عاطلا لا يجد عملا ولا دخلا، عالة على ابيه، الذي لم يعد يملك الا معاشا تقاعديا، عرض نفسه على ادارات تعطي مرتبا هزيلا، لا يساوي اجر يوم واحد يتقاضاه زميلا له سافر منذ عام الى ايطاليا.

انه يعرف، قال ردا على والده، ما يقوله الوالد عن مخاطر الغرق، ولذلك فهو لن يجازف بركوب القوارب المطاطية، القابلة للعطب والغرق، وانما سيستعمل هو وزملاؤه الثلاثة قاربا لاحد صيادي السمك، معروف لدي اصدقائه، قام بعدة رحلات آمنة الى اقرب شاطيء ايطالي، هو شاطيء لامبيدوزا، وسيكون القارب مخصصا فقط لنقلهم، في رحلة لن تستغرق غير يومين اثنين، وتبدا غدا في الساعة الثامنة ليلا من شاطيء تاجوراء، وتنتهي الثامنة هذين اليومين. وستكون رحلة اشبه بالنزهة، فللقارب محرك جديد ممتاز، والبحر سيكون خاليا من العواصف حسب النشرة الجوية.

الا ان العاصفة التي صنعها كلامه، داخل البيت، هي التي عليه ان يتعامل معها الآن، عاصفة تفجرت قبل ان ينتهي من كلامه، عاصفة شارك في صنعها، بكاء الام وصراخ الاخوين والاخت، وكلمات الغضب التي يطلقها والده، وجميعهم يشوحون بايديهم واذرعهم كانهم يصارعون الاشباح، رافضين تصديق كل كلمة قالها عن السفر الآمن، لا يرون ما يقوله الا انتحارا، وجريمة ليس في حق نفسه ولكن في حق اسرته، وامضوا ما تبقى من النهار والى مجيء الليل وهم يحاولون اقناعه بالعدول عن هذا السفر، وطالما ان شكواه الاساسية من البطالة، فقد تقدموا باكثر من اقتراح لحل المشكلة ، احداها ان يتنازل الاب عن سيارته له، ليقوم باستخدامها في نقل الركاب، تضمن له دخلا يوميا وعملا يشغل به فراغ أيامه، والاقتراح الثاني كان احالة غرفة الضيوف في البيت الى حانوت، بفتح باب للغرفة على الشارع، يحيلها الى دكان لبيع المواد الاستهلاكية او الفاكهة والخضار. الباب المفتوح ، يواصل نحيبه ليلا ونهارا، يوما وراء الاخر، وشهرا وراء شهر. رافضا ان يرى العالم خارج هذه الجدران الاربعة.

لا تعليقات

اترك رد