وداعا للعقلانية الامريكية


 

اتسمت فترة الرئيس باراك أوباما بالهدوء والعقلانية ، فقد حاول الرجل بما يمتلك من معرفة ان يوظفها من اجل تخلي الشعوب عن حالة الخوف من امريكا الى حالة الاحترام ، في وقت كان يشوب العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي التوتر والتصعيد إثر حرب أفغانستان واحتلال العراق ، ففي أولى محطاته للعالم الاسلامي في مصر وقف يؤكد على حق الشعوب في تطلعاتها، كما شخص مكامن الخطأ في العلاقة بين الغرب والعالم الاسلامي ، فقد قال للزعماء الخليجيين ان المشكلة تكمن في مجتمعاتكم وليست في الخارج وعليكم معالجتها من الداخل، وهي إشارة لم يفهمها الزعماء، وسار بعضهم وراء موجة التدمير للدول العربية ودعم المنظمات الارهابية. حاول اوباما في عامه الأخير إغلاق معسكر غوانتنامو وطي هذه الصفحة التي اعتبرها مسيئة لسمعة امريكا، كما عمل اوباما على تخفيض منسوب المشاكل في العالم. فكان بحق الرئيس الحصيف المهذب ،والمثقف الذكي والقارئ النهم والكاتب البليغ ، فمن يقرأ كتابه جرأة الأمل (THE AUDACITY OF HOPE) والذي كتبه عام 2006م، أي بعد أن أصبح عضواً بمجلس الشيوخ الأمريكي مباشرة، وأهداه إلى جدته وأمه قائلاً : ( إلى جدتي توتو، التي كانت صخرة من الاستقرار طوال حياتي، وإلى أمي التي لاتزال روحها المحبة تدعمني) يعرف أننا أمام رجل غير عادي.كان اوباما متسامحا، وله دراية جيدة بمختلف الثقافات والأديان، وعميق الرؤية، ولم تشهد فترة حكمه تصعيدا عسكريا ، فقد سحب الجيش الامريكي من العراق ، ورفض التدخل العسكري المباشر في وسوريا، وكانت تصريحاته عقلانية وتمتاز بالرزانة، فهو نقيض خلفة ترامب الذي يتسم بالانفعالية والتصريحات المستفزة ، والخطابات العدائية، فهو يحاول استعداء العالم وفرض الهيمنة الامريكية على العالم من خلال القوة ، فهو يبعث برسائل غير مطمئنة للعالم ،فباختياره لكابينته الحكومية ركز على اختيار الأشخاص الأكثر تشددا اتجاه العالم العربي والإسلامي ، وكلهم يشتركون في مواقف متشددة من المسلمين ،كما ركز الرئيس القادم ترامب على الأشخاص العسكريين، وهذا يوحي بأن أمريكا ذاهبة الى أكثر من حرب واحدة في العالم وليس الى تفاهمات كما يحاول أن يوحي هو في خطاباته الموجه لمنطقة الشرق الاوسط . فأمريكا ترامب ستختلف عن امريكا اوباما. وبنظرة سريعة الى التعيينات سيظهر لنا توجهات ترامب والسياسة الامريكية القادمة.

فقد عين جيمس ماتيس 66 عاما وزيراً للدفاع المعروف بخطابه المتشددة الملقب بالكلب المجنون، وقد اكتسب الجنرال هذا اللقب بسبب مشيته المختالة التي اكتسبها في المعارك التي شارك فيها، ولغته الفظة التي يشتهر بها مع عناصر قوات المارينز. ونقل عنه قوله كن مؤدبا، كن مهنيا، ولكن لتكن لديك خطة لتقتل جميع من تقابلهم. هذا الرجل الذي شارك في حربي أفغانستان والكويت وهو من قاد الهجوم على الفلوجة ومن أشهر تصريحاته (من الممتع اطلاق النار على الناس)
كما عين مايكل فلين 58 عاما المستشار السياسي لـ ترامب ، كان مستشار الامن القومي ومدير الاستخبارات العسكرية زمن بوش ومديرا للاستخبارات العسكرية. بين عامي 2012-2014 يعادي المنظمات الارهابية كداعش والنصرة وأخواتها بشدة ، وهو من تولى عملية البحث عن الأردني ابو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة في العراق ومؤسس داعش، الجنرال فيلين الداعم القوي للتوجهات الروسية ، أشهر تصريحاته تقول ( لا أؤمن بأن كل الثقافات متساوية من الناحية الاخلاقية فالغرب وخاصة أمريكا فقط هوالذي يمتلك ثقافة تتسم بالأخلاق) ، مشكلة الجنرال فلين انه لايميز بين المسلمين المسالمين وبين المتشددين وهذه تعتبر نقطة مخيفة وحساسة بنفس الوقت بالنسبة لشعوب منطقة الشرق الاوسط ، فقد صرح لجريدة لوموند الفرنسية ( مشكلتنا الكبرى مع الاسلام وعلى العرب ان يصفوا هذه الأيديولوجية التي تسمى الاسلام )

ثم جاء تعيين مايك بومبيو 53 عاما ًمديراً للسي آي ايه مكملا للصورة المتشددة ، وهوعسكري عمل بالجيش واشتغل بالمجال القانوني قبل أن ينتقل للاستثمار الاقتصادي وإنشاء شركة متخصصة في المجال الفضائي، اشتهر بمواقفه المتطرفة ضد الأقليات الدينية والعرقية في الولايات المتحدة وبينها المسلمون، كما عرف بموقفه الرافض للاتفاق النووي مع إيران. رشح عام 2016 لرئاسة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي).

الذي قال عن مرشح أمريكي نافسه في انتخابات مجلس النواب عن ولاية كنساس : ( لا أعرف هل هو مسلم أو بوذي أو هندوسي ولكنه بالتأكيد ليس مسيحيا)

بومبيو يجاهر بعدائه للمسلمين ويعتبر القادة المسلمين متواطئين مع الارهاب ، كما انه من الرافضين لغلق معسكر غوانتانامو .
هذه التعيينات تعطينا تصورا ان مرحلة جديدة ستبدأ في العالم يشوبها التوتر والعداء وعدم الاستقرار ، وان العقلانية الاوبامية تحزم حقائبها للرحيل وتودعنا ، وان الشئ الذي يجب ان يعض العرب أصابع الندم عليه هو عدم الاستفادة من فترة حكم الرئيس باراك اوباما لترتيب أوضاعهم الداخلية ، كما أنهم سيواجهون التجبر الترامبي وهم اكثر ضعفا وتمزقاً .

لا تعليقات

اترك رد