سعدي الحديثي .. جذور الغناء في الثقافة العراقية

 

في كتابه الصادر عن منشورات الجمل “جذور الغناء في الثقافة العراقية” يتناول الدكتور سعدي الحديثي مواضيع الغناء والرقص والموسيقى، كاشفا أسرار الجمال، ومستعينا بخبرته ومنجزات بحوثه العلمية من أجل الوصول الى غايته في تنشيط المواضيع التي تهدف الى إثراء الثقافة الشعبية لكي تواكب الفكر الثقافي، وتكون توثيقاً يغني الدارسين والمتطلعين بمطبوع مفيد والباحثين في الدراسات الأكاديمية في هذا الحقل حسب ما يراه. وكيف لا .

وهو الباحث الأكاديمي الحاصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه بمجال اختصاصه وممارسته لغناء البادية، فضلا عن صوته الصادح الذي يطرب سامعيه وهو يغني كل ألوان الغناء البدوي.

يتذكر أبناء الجيل الماضي وعشاق الغناء العراقي الأصيل أغانيه التي كانت تعرض من شاشة التلفزيون بتلك الطلة المفرحة بالملابس البدوية وهو يشدو في البادية القريبة من النهر والخيام والإبل والنواعير أغاني العتابة والسويحلي والنايل والجوبي.

أن ما يحسب للحديثي أنه وثق الفن تاريخاً ونغماً، وشكل مع الشاعر مظفر النواب ثنائياً في أمسيات مشتركة مزجتْ الشعر بالغناء، لذلك يعد باحثاً في شأن الغناء العراقي، ويمتلك مخزونا ثقافيا في أطروحات متخصص بالثقافة الشعبية خصوصا بالتطبيقات، لأنه يمتلك صوتاً شجياً يجيد كل أنواع الأطوار من أبو ذية الى جوبي الغربية. وكان ذلك واضحاً في الأمسية التي أحياها في لندن عام 1995 والتي عرضت عبر فيديوهات أدهشت محبيه من خلال انتقالاته بلهجات غناء حوض نهر الفرات من مصبه حتى التقائه بدجلة.

ومن الواضح أن للمكان حضوره الاغوائي في حياة الفنان سعدي الحديثي، فكان يعيش مع جماليات نهر الفرات وتنوعاته بحس متمدن، وهذا ما انعكس على غناءه عاطفيا، وكلما سار النهر جنوباً تأججت العاطفة بخصوصية الانتماء للماء، وبهذا يكون المكان انتماء وهوية ، لأنه ينتسب الى المكان أكثر من نفسه، تماما كالمدن الواقعة على النهر فأنها تتكلم، لذلك أن ترفع النواعير عن راوه وعانه وحديثة، فأن البساتين يصيبها الجفاف ويجف فيها الرمان والليمون وضحكات خرير الماء.

أن الفنان سعدي الحديثي أكد ذلك في ثبات اللحن وتغير الكلمات حين جلبتْ انتباهه أغنية شائعة للمرحوم الفنان داخل حسن هي ” بويه سعد يا بويه ، الونَه طالت، يسعد يا بويه” فأسم سعد يتكرر كثيرا في الشعر البدوي وله قصة طويلة تتداول في الموروث الشعبي لكن الأغنية تغنى بالحان مختلفة وبنفس الكلمات كلما تغير مجرى النهر نحو الجنوب، كما غناها اثنين من المطربين هما “جويسم كاظم” و”غرير ثابت” اللذين أديا الأغنية في تباين اللحن لشكلين في الأداء فأغنية داخل حسن من نغم البيات ، بينما يتغير الإيقاع في أغنية جويسم وغرير الى إيقاع بطئ ولحن ملحق على نغم الصبا وهذه هو انتقال الكلمات الى أكثر من بيئة ثقافية، بل عبرتْ الحدود وخرقتْ الصحاري والاهوار كما في أغنية ” أبو ردين”

بمعنى ان الأغنية تغير لحنها لكنها تحافظ على شكلها اللغوي ونصوص كلماتها. ومجمل هذه الأفكار وغيرها كانت مادة البحث التطبيقي الذي قدمه الحديثي في المؤتمر الرابع للموسيقيين العرب في بغداد عام 1975 تحت عنوان “هجرة الأغاني الفوكلورية” حيث كان محور الموضوع هو ثبات النص اللغوي وتغير الشكل الموسيقي.
من آراءه ان هناك اختلاف بين الأغنية الريفية وبين البدوية يعتمد المطرب الريفي على حنجرته فيطرب له السامع..لأنه متأملا سواء كان جالسا او متنقلا بالمشحوف. إما الغناء البدوي فحين يرافق العرضة يخرج الصوت من الرأس بينما في أغاني السامري ينبع من الصدر فالمطرب وهو يعزف على الربابة يضطر لإحناء رأسه وهو يحتضن الربابة.

قد يطول الحديث عن الفنان سعدي الحديثي وكتابه، لكن تبقى ملاحظة صغيرة أقولها بصدق ولتكن مقترح وهي: يا حبذا لو يعمل تمثال نصفي له يوضع في معهد الدراسات النغمية أو في أكاديمية الفنون الجميلة جزاءً لما قدمه من فن نبيل وموقف وطني يفتخر به.

لا تعليقات

اترك رد