عبد الرزاق حموده بين المشاكسة وحبه للبلاد


 

زقاق ضيق يفوح منه عبق التاريخ … بيوت متراصة في نسق تاريخي بديع .. قادتنا نادية الى بيت تشم رائحة ابداع .. حوش خريف بيت قديم .. اقواسه الصفراء وأرضية من الحجر أعيد ترميم هذا الحوش الذي يعود للقرن السابع عشر .. بجهود ذاتية قادها صديقي الرائع الفنان عبد الرزاق حمودة وكما يحلو لي ان أناديه ” حودة ” .. الذي فتح ابوابه وجعله مقرا جمعية دار الفنون لاحتضان كرنفالات فنية ومنها الملتقى الدولي للخط العربي واستضاف اهم الخطاطين في مدرسة تونس ومنهم عمر الجمني وطارق السويسي وغيرهم … في احدى حجرات البيت يقام معرض الفنان حمودة ” تحت شعار نحب البلاد ” الذي يسعى الى إبراز الخط العربي كموروث ولم تشجع عليه الحكومات طيلة هذه السنين .. لذلك يشجع المواطن أن ينظر للخط العربي كفن ثقافي تشكيلي متكامل … حوش خريف يحتضن معرضا فنيا يكرم روح الفقيد الصغير اولاد أحمد وكان شريكا للمهرجان الدولي للفيلم العربي بقابس …

دخلنا الحجرة والتي يقام بها معرض الفنان عبد الرزاق حمودة .. لوحات جميلة ورائعة وظف الحرف بتشكيلات رائعة جسدت امكانياته الإبداعية وخرج من القواعد الكلاسيكية للخط العربي وقدم لنا لوحات تشكيلية باستخدامه الحرف العربي وطوعه لامكانياته وقدم لنا لوحات تنتمي للمدارس التشكيلية ….تجولنا في معرضه وأهدى لنا لوحات خطت بأسمائنا غاية في الإبداع .. من هو عبد الرزاق حمودة .؟!

ولد في قابس والتحق بباريس ليواصل دراسته الجامعية اختصاص إنكليزي .. حدثيين كونَا منعرجا هاما في حياته ، درس اللغة الفارسية ويغوص في قراءة عمر الخيام ، وأكمل دراسته ثم درس اللغة والحضارة العربية .. انخرط هذا الفنان في مناهضة التميز العنصري وفي النضال من اجل ان ينال نيلسون مانديلا حريته .. نظم مسابقة الحرية لمانديلا التي مكنت الفنان من معرفة كل فضاءات باريس فخلقت بينه وبينها علاقة … جلسنا في الحوش ندردش مع بعض وحينما تجلس مع حمودة رجل جبلت روحه على المرح والتمس الصدق في كل حرف ينطقه … طيبا ، وديعا ، راقيا ..
يحدثني عن أبرز المحطات في حياته …
حياة الفنان التشكيلي لا تعزل عن حياته اليومية وهي واحدة من جملة الخرز الذي يكون عقد حياته فيه الجميله البراقة وفيه الباردة السوداء و الحياة جميلة بالاثنين
يقول جبران. بعضنا كالحبر وبعضنا كالورق فلولا سواد بعضنا لكان البياض أصم ولولا بياض بعضنا لكان السواد اعمى .
لأني أعيش حاضري أكثر من ماضي: كل ما فيه جميل لأنه مضى.
عشرون عاما الأولى عشتها في قابس بهدوء تام ، أتأمل مجتمعا كم أجد نفسي فيه، الفكر الواحد الذي يهيمن على الهوية و يضع غطاءا على كل انعتاق ، لا اذكر أنني ولدت في عائلة محترمة من الطبقة المتوسطة الحال، لا اكراه فكري فيها ولا ديني ثقافتها حداثية.
كانت فترة جميلة، قبل أن أذهب الى تونس العاصمة للدراسة الجامعية قسم اللغة و الحضارات الانجليزية… هناك تغيرت كل المعايير ومفاتيحي القابسية لم تعد تفتح الأبواب.
فترة عرفت فيها ان الانسان أناني بطبعه ، وأن المدينة على خلاف القرية فضاء همجي ، أساسه التنافس الشرس ، ولم أتمكن من الحصول على أي دور في ذلك الركح ، ولا في تلك المسرحية تتفتق فيها مواهبي التي كنت أحس بها ، خيبة هي أحسن ما يصاب بها المرء.

img_4228
خيبة غيرت اتجاهي ، الى مدينة الأنوار باريس في فرنسا ، وهناك سرعان ما تيقنت ، أن لا بد علي أن أترك في جيبي مفاتيحي العربية الاسلامية ، واقتني لي أخرى تتلائم مع الحرية في الفكر والعمل، هناك في بلدي العربي الاسلامي كنت أكتب هويتي على سطح الريح ، لحد أن أنس اسمي وجسمي ، وكان علي أن أنجح لأكون أبي و جدي، وأتلون بألوان السلف الصالح ، هويتي لا معنى و لا أصل ، الا بهويتهم.
في باريس سرعان ما تيقنت أن هويتي لي، وأنا لنفسي ، ونفسي لي ، تعلمت أن أكتشف ذاتي التي كانت مغمورة في هويتهم ، في باريس اكتشفت ، أن الهويات بعدد الخلائق وأن الفكر الواحد ، مغالطة كبرى ترتقي الى حد الجريمة في رأي، وأن كل الأجناس تتساوى ، وكذلك الأفكار وأن النقد فضيلة حسنة.
في باريس مدينة الانوار والفنون والحرية والحب والجنون الجميل ، عرفت من أنا من أريد أن أكون ، واكتشفت أن الجنون جميل خلاق ، واصلت دراستي الانجليزية و كذلك الفارسية و العربية ، وتخرجت و تعرفت على زوجتي الإيرانية التي اكتشفت موهبتي الفنية و شجعتني الى أن أصبح الفنان الخطاط
أخذ الفن جزءا كبيرا من حياتي، في باريس بدأت المعارض وتعددت ، انطلاقا من جنيف التي انتهى فيها استقراري النهائي ، عرضت أكثر من 300 معرض لأعمالي في تونس و سويسرا و فرنسا و ايطاليا و النمسا و البحرين والسعودية و أبو ظبي ، واعمالي موجودة في العديد من المقتنيات الخاصة حول العالم،
أنا عصامي ، وكل المراحل من باريس الى جنيف مرورا بتونس والبحرين هي مهمة على حدي سواء

– قلت لقد اكتشفت نفسي في باريس ووعيت قدرتك الذهنية والجمالية كما أنك وعيت معنى الحرية ؟؟؟
نعم وهو كذلك ، في فرنسا عشت أواخر السبعينات ومنتصف الثمانينات ، كانت فنرة الثورة الايرانبة التي عشتها مباشرة وغيرت شيئا من حياتي ، ومنها اهتماماتي بتعلم اللغة الفارسية، التي لا تخلو أعمالي لفنية من التعامل معها ، فصرت خياميا صادقا وتبنيت كل أفكاره ، وظهرت في أكثر من 100 لوحة، وكذاك هو الشأن مع السعدي، وحافظ الشيرازي، وجلال الدين الرومي، والعطار، والفردوسي ، وهده المجموعة سميتها الفارسيات ، ولم تعرض ككتلة ..
img_4238
ألحرية اكتشفتها في باريس ، وعشتها ومارستها ، برغم صعوبة الوضع السياسي في فرنسا ، في تلك السنوات العصيبة للمهاجرين العرب

.والحرية استهلكتها في سويسرا ، بمعنى أنها صارت ، من الأشياء التي لم أعد أفكر فيها ، لأنها أصبحت من البديهيات التي أتنفسها مثل الهوي ، أصبحت في هذا البلد مواطنا فقط ، لا عكرشة شعري ، ولا لون بشرتي القمحي يعكر ممارساتي المدنية .، صرت انسانا يؤخذ برأيه، يستشار في كل ما يهم البلد ، وهذا ما لم أجده في فرنسا أبدا، ولا في بلدي الأصل تونس
ألحرية من أكثر المواضيع التي تطرقت اليها ، في لوحاتي لأني أعتقد صارما أنها بداية البدايات

– قلت ان الخط العربي هبة باريس كيف !!؟ ولغتهم غير العربية ؟
للخط العربي جاذبية ، ومغناطيس عجيب ، عند كل من تقع عينه عليه ، فهو يتجاوز كل حدود الهويات ، لتجد لنفسها مكانا ترتاح فتتفجر ينابيع الإبداع … أترك هذا للمحللين و المختصين للحديث عنه يمكنني القول ان الخط العربي هبة باريس
اهم المدارس الفنية التي تأثرت بها وبلورت قمة ابداعك ؟

العصامي ينهل من كل الموجود بلا حدود ، ولا حتى أدب هههه هههه .. يسرق الأفكار والأساليب ، وكان فنان سارق في بداياته ، الى أن يأتي ما يعكر ذلك ، و ما يعكر ذلك ، هوالانزلاق على منحدر البحث عن الشخصية الخاصة في العمل الفني والتميز، لحد الان سرقت لحد التخمة وبعد ؟؟! حينها يعي الفنان انه يملك بين يديه عصا سحرية حسبما يستعملها أعتقد يصير لها اله أو عبدا
، الها لو تحرر من غنيمته التي سرقها طويلا، و يخلق لنفسه كيانا ، لا العباد ولا الالهة لها فيها شأن ، كون هو فيها الاله ، تدور حوله أفلاكه التي خلقها بنفسه ، لا عيب صديقتي في أن يكون للفنان هذا الاحساس، لأن عالمه عالم غيب ، لا يدركه الا هو، فأما ايمان وأما كفر. وعندها أيضا يكون للناس الحق فيما يعشقون من مذاهب فنية ، يؤله الفنان أو يكفر، وهذه من مزايا أو تعسف السوق والموضة احيانا
img_4231
– كيف جاءت فكرة احياء حوش خريف ؟ ومن هو خريف ؟؟ وهل له قيمة تراثية بحيث فكرت باحياء هذا البيت العتيق ؟
الفكرة جاءت في أواخر الثمانينات عندما اكتشفت الفراغ الهائل و الافتقاد في المدينة الى مساحة يلتقي فيها الفنانون. و بعد البحث و الجلسات مع الاصدقاء اكتشفنا هدا المقر زرتيه.
البيت أوالحوش بالمصطلح القابسي هو من القرن 17 سكن فيه كاهن اليهود في المدينة العتيقة
وبعد اجراء العديد من المعاملات الرسمية اصبح الحوش لنا وبجهود ذاتية صار مقر جمعية دار الفنون بقابس وأقيمت به عدة تظاهرات فنية ، ومنها الملتقى الدولي للخط العربي وستقام دورته في مارس 2017 وسنعمل على إبراز الخط العربي .. وهنا لابد ان اشكر جميع الأصدقاء الذين وقفوا معي ومساعدتي وخاصة السيد عزالدين ونيس .
صوت ينادي ان نذهب الى السوق جارة .. وهو من اقدم الاسواق التراثية واشتهر بصناعة الجرار الخزفية ، استأذنت من الفنان عبد الرزاق حمودة على امل نلتقي ليلا في حفل إقامته ادارة مهرجان قابس تكريميا للوفود .

img_2076

3 تعليقات

  1. فترة عرفت فيها ان الانسان أناني بطبعه ، وأن المدينة على خلاف القرية فضاء همجي ، أساسه التنافس الشرس ، ولم أتمكن من الحصول على أي دورفي ذلك الركح ، ولا في تلك المسرحية تتفق فيها مواهبي التي كنت أحس بها ، خيبة هي أحسن ما يصاب بها المرء.

    خيبة غيرت اتجاهي ، الى مدينة الأنوار باريس في فرنسا ، وهناك سرعان ما تيقنت ، أن لا بد علي أن أترك في جيبي مفاتيحي العربية الاسلامية ، واقتني لي أخرى تتلأم مع الحرية في الفكر والعمل، هناك في بلدي العربي الاسلامي كنت أكتب هويتي على سطح الريح ، لحد أن أنس اسمي وجسمي ، وكان علي أنجح لأكون أبي و جدي، وأتلون بألوان السلف الصالح ، هويتي لا معنى و لا أصل ، الا بهويتهم.

  2. ما اجمل الحديث مع العظماء وما اجمل صحبتهم خصوصا لو تقاسمو معنا الغربة والالم والوحدة
    الف شكر للدكتورة خيرية المنصور على وصفها الجميل للمكان الذي يحمل عبق التاريخ .. اتخيل نفسي وانا أتجول في ارجاء الحوش واتلمس كل زاوية منه ..
    بوركت يا رمز العراق وفخر لنا جميعا كعراقيين .. أكرر شكري وامتناني

  3. البلاد العربية للاسف هي مقبرة الابداع والمبدعين والادباء والمثقفين يموتون فيها احياء ويحيون امواتا وهم محاربون من جميع البشر فيها حتى من اقرانهم وزملائهم بدعوى يرددونها ويؤمنون بها ، اذا ولد مبدع او فنان يموت آخر ، وهؤلاء هم اعداء النجاح والابداع ولذلك تجد الفنان والمبدع يموت في وطنه ويعيش في منفاه يتنفس هواء الحرية والطمأنينة والحب وتنمو سريعا في داخله جذور الابداع من جديد بعد ان احرقوها فوق سطح الارض كيما تموت معها البكتريا أو الديدان التي قد تسبب انتشار الثقافة والفنون والجمال في ارجاء الارض هناك ، فهناك في البلدان العربية عادة يحرقون السنابل بعد الحصاد.. شكرا للدكتورة خيرية المنصور لتسليطها الضوء على احد اعمدة الثقافة والفن والابداع الفنان عبد الرزاق حمودة.

اترك رد