دفاتر عراقية عتيقة …


 

منذ عقود طويلة والعراقيون يتساءلون بشغف: أين تتسرب أموال العراق؟

وأخيراً، وبعد جهد مرير بذلته الحكومة العراقية الحالية. تطلب منها الوقت وسهر الليالي؛ لتكشف عن الجواب الذي دوخ علماء الاقتصاد.. والمختصين في التنقيب عن تسرب الأموال العراقية. وكان الجواب هو:

بسبب حيازة عدد خمس” بيك أب بغمارتين” من قبل عالمة الأحياء العراقية هدى صالح مهدي عماش..!!

إذ أن هذه السيارات الخمس، كانت السبب الأقوى في انهيار وتدهور الاقتصاد العراقي.. وهي سبب في كل ما آل إليه العراق اليوم.!! وقد تم تشكيل لجنة مختصة في مكافحة الفساد لرفع دعوى قضائية دولية في حق عالمة الأحياء هدى عماش، والحجر على أموالها المنقول والغير منقولة. وهي التي لا تملك في العراق كله سوى الإرث المتبقي لها من ذاكرة الوطن بيت طفولتها.. وحيطان رسمت عليها أحلامها..!!

بينما الحكومة العراقية الحالية لم ترفع قضية فساد، تتهم فيها نوري المالكي لأنها تدفع مليون دولار شهرياً إلى كوريا الجنوبية فقط كرسوم عن وقوف عدد 24 طائرة حربية من طراز T-50IQ التي اشتراها المالكي بقيمة مليار دولار أثناء ولايته..!!

لم نستغرب حين أتهم القضاء المصري الرئيس حسني مبارك بسرقة 70 مليار دولار. لأنه رقم يفوق احتمال الخيال. وكذلك الرئيس التونسي الهارب بسرقة كميات كبيرة من الذهب هي ثروة وطن بأكمله. لكن أن تشهّر الحكومة العراقية بسمعة إنسانة مثل العالمة هدى عماش لأجل حيازتها في فترة صدام لعدد 5 بيك آب أمر يدفعنا للسخرية للسذاجة التي ترغب الحكومة العراقية فرضها على العقول الواعية.

إن قيمة وليمة واحدة يقيمها أحد الوزراء.. أو كبار المسؤولين في الحكومة الحالية، كفيلة بأن تشتري اسطول من الــ ” بيك آب”

ثلاثة عشر عاماً.. ونحن في طريقنا إلى السنة الرابعة عشر من اغتيال العراق..! فما الذي قد تغير بعد الانتهاء من صدام حسين؟ كم من مشفى جديدة تم بناؤها خلال هذه الفترة، وكم من منشأة بنيُت، وكم من مدرسة وجامعة أنشأت ما بعد زوال البعث والحرس الجمهوري؟ هل أصبح العراق أجمل؟ هل عاش العراقيون في رغد ونعيم بعد الإطاحة بعرش صدام؟ وهل استعادة الــ 5 بيك اب بغمارتين سوف يجعل العراق منتعشاً اقتصادياً ويصير البلد الأول في النزاهة ومحاربة الفساد؟

كم من الأموال التي نُهبت، وتهربت خارج العراق، وكم زاد عدد المشردين واللاجئين.. وكم صار حجم الجوع والفقر.. والمواطن العراقي كان حتى أثناء الحرب الإيرانية والحصار المفروض عليه من كل الكون، يملك المؤونة الكافية.. لم يكن العراق يوماً من الأيام جائعاً.. ولا مشرداً.. وكان التعليم العراقي من أصعب وأنزه المناهج العربية، ومن كان يدرس من البلدان العربية في الجامعات العراقية ويتخرج منها كان يُحسب له حساب… وله مكانة فكرية عريقة..!

أن تعلن الحكومة العراقية بمحاربة الفساد يكون عليها أن تبدأ بنفسها.. وبمن يتقلدون المناصب دون أن يقدموا للعراق أي شيء؛ سوى نفقات السفر والفنادق الفارهة والولائم..!!

قبل أن تمتد أصابعهم إلى السيدة والعالمة القديرة هدى عماش عليهم أن يفكروا ملياً بماضي هذه الإنسانة وما قدمته للعراق من فكر إلى درجة أنها سميت من قبل الإدارة الأمريكية ” بالجمرة الخبيثة” لأنهم عرفوا قدراتها العلمية وبراعتها في علوم الأحياء.. واليوم يتم التشهير بها على أنها سرقت 5 سيارات.

لو فتحنا في الدفاتر العتيقة لكل مسؤول حالي وقلبنا في تاريخه وماضيه العريق لوجب على كل عراقي أن يقيم عليه ألف دعوى قضائية..

لم يكن العراق يوماً مرتعاً للأغراب ولم تكن حدوده مفتوحة لكل عابر ومتسول..!!

في الفترة التي يراها العديد من العراقيين أنها الحقبة السوداء وهي فترة صدام كان للعراق هيبة ومهابة من كل الدول سواء العربية وحتى الأجنبية.. لست هنا للدفاع عن صدام ولا الكلام عن مناقبه لكن لو جلس أي عراقي لعمل مقارنة ما بين العهد السابق للعراق والعهد الحالي؛ حتماً سوف يعترف بأن الحقبة السوداء هي الحقبة الأجمل وهي الذاكرة التي تحمل صورة العراق الجميل..!!

أن تجلس الحكومة على رصيف الماضي لتقلب “بدفتر اليهودي” عن أشياء لا تستدعي الاهتمام بقدر ما تستدعي الاستهزاء والسخرية؛ حين تنشغل بالدفاتر العتيقة، وتحاكم شخصية علمية ذات أصول عراقية، بتهمة هي ترفع من شأنها أكثر مما تقلل منه.! وأنا أهنئ الحكومة العراقية على نزاهتها بالتهمة إذ جاءت التهمة لحيازة عدد 5 ” بيك آب غمارتين” ولم تتجنى على السيدة هدى عماش بمليارات…!!

طالما أننا بارعون في نبش الدفاتر العتيقة؛ أليس من الأوّلى أن تمتد أصابعنا الطويلة إلى نبش كتب العظماء كالرازي – وابن هيثم – والكندى- والفارابي والباروني حتى وإن لم تكن أصول الأغلبية منهم عربية؛ لكنهم يمثلون الأمة العربية… ما زال العالم الغربي ينبش في علومهم ليستمدوا منها النظريات والاختراعات العظيمة. ننشغل في نبش المآسي وكتب التاريخ التي تثير الفتن والفرقة ما بيننا.. وكأننا خلقنا لنقرأ الأخبار الفاحشة والتي من شأنها التشويه وزج النفوس المحتقنة إلى حروب طائفية. الدفاتر العتيقة ذات القيمة الفكرية العظيمة مرصوفة على الرفوف يأكلها الدود وتنام فوقها سحابات الغبار.. وكتب الفتنة والمراجع المزورة ينالها التشجيع ولها بريق آسر ونصيب أوفر من القراءات والاهتمام والشغف الكبير.

إن خبر محاكمة السيدة ” هدى عماش” حتماً أثار فضول الإعلام ومواقع التواصل دون مراعاة لمشاعر هذه الإنسانة وعائلتها، حين تصحو على مثل هذا الخبر وتجد صورتها تتراشق على شبكات التواصل، وعلى ماذا؟ من أجل 5 سيارات قد يملكها إنسان أقل من العادي لا إنسانة تملك الفكر والعلوم. من المؤسف أن تترك الذئاب تنهش في لحم العراق وتلاحق الحمائم التي لم ترتكب من ذنب سوى أنها عراقية عاشت في الحقبة التي يراها الكثيرون أنها السوداء.. وتم وضع اسمها في اللائحة السوداء وملاحقتها بعد أن فقدت كل شيء واحتل الحرس الجديد أكثر مما احتله الحرس القديم.. أم أنها محاولة ذكية من الحكومة لصرف الأنظار عن الأحداث الأهم التي تجري اليوم في العراق ….!!

شارك
المقال السابقميلاد المصطفي (ص)
المقال التالىداعش والفكر المضاد

الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح.
الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد