الإصلاح والعقد الاجتماعي العربي – ج٦


 

لمفهوم الأمن ودلالته اختلاف كبير بين الدول الحديثة أو المسماة ديمقراطية وبين ما هو عليه في بلادنا العربية التي بنيت على القمع والقهر والتسلط الشمولي، حيث كان مفهوم الأمن المقصود في العالم العربي هو العمل على تأمين وضمان بقاء النخب الحاكمة في سدة الحكم لأطول مدة ممكنة، في حين يأتي العمل على تأمين حاجيات المواطن وتحقيق متطلباته المعيشية من أمان وكرامة في الدرجة الثانية.

فالأجهزة الأمنية في البلدان العربية عملت لعقود على حماية النخب الحاكمة وصرف أموال طائلة للحفاظ عليها وعلى التسليح، عوض التركيز على الإنفاق على التعليم والإستثمار في العلم والحث على الإنتاج والإبداع. فبالرغم من الثروات الهائلة التي توفرت للبلدان العربية إلا أنها لم يتم استثمارها بالشكل الصحيح الذي يعود بالنفع على المواطن، بل تم صرفها في أمور ثانوية وشكلية جعل من هته البلدان قابعة في قعر الدول المتخلفة.

الأمن كمنظومة نجده حتى في الدول المتقدمة لكنه يختلف من حيث الأسس والأدوات والفكر، في هته البلدان الأمن يسعى لحماية المواطن والحرص على سلامته ويمتلك الوعي الوطني والعلم وخاضع للمحاسبة والقانون والمراقبة المستمرة. في حين يستخدم دوما مفهوم الأمن في البلاد العربية كضرورة لحماية الوطن والمواطن لكنه في النهاية لا يحمي سوى الأفراد الحاكمين ويعمل على بقاءهم.

فالجهاز الأمني من المفروض أن يكون فقط في خدمة الوطن والمواطن وليس لفرد أو نخبة، ويكون خاضع لقوانين شفافة ومراقبة مستمرة ومحاسبة وليس مفروض بالقوة وتتحكم به جماعة معينة الهدف منه حينئذ جعل المواطن في حالة خوف مستمر من الأخر في حين الهدف الأسمى هو أمن وراحة المواطن.

المواطن العربي الذي لم يعش طويلا طعم الدولة الحقيقية لأن كل المحاولات لم تدم وباءت بالفشل، بحيث نجده شاكيا دوما وناقما على وضعيته ومهموما ويحس بالاحتقار، وينتهز أول فرصة للرحيل دون تردد وكأنه يفر من الجحيم إلى النعيم. فهي أنظمة أمنية استخدمت أحيانا القمع والقهر والإذلال والاستعمال الغير القانوني للعنف الجسدي واللفظي، فهو نظام يلغي الذات الفردية ويجد المواطن نفسه خارج المشاركة السياسية وكأنه غير مرغوب فيه.

فالأمن واجب وحق وطني كرؤية قانونية تهدف لحماية الفرد ضد القمع والتعذيب، ومسؤولية أيضا في بناء الوطن وحمايته ليتسنى للجميع العيش بكرامة وسلام بحقوق وواجبات .

ومعظم الأجهزة الأمنية في الوطن العربي تعمل فوق القانون وتعبر نفسها الأداة التشريعية والتنفيذية للدولة أي للنخب الحاكمة، لهذا يجد الفرد العربي نفسه في صراع يومي مع الذات فهو لا يشعر بالحماية القانونية وبحقه الطبيعي في الحياة والعيش الكريم لذا نجده دوما متذمرا وغير راض عن واقعه وعن نفسه.

وحتى في الدول العربية الغنية، فالفرد هناك لم يصل بعد إلى صفة المواطن الحقيقي المشارك والفاعل في الحياة السياسية وفي الحكم ووضع السياسات، فقد ضل مستهلكا بامتياز ومستفيدا من وسائل وإمكانيات العيش لكنه لم يحقق بعد ذاته وحقه في فرض أرائه وأفكاره والعمل على إيصالها للنخبة الحاكمة.

فمعظم الأنظمة العربية مارست منذ الإستقلال مختلف أنواع العنف الرمزي والمادي لديمومتها وبقاءها، وتناست الإصلاحات الضرورية لصيرورة المجتمع ودوامه أيضا. فهل كان هذا الخلط بين مفهوم الدولة الأمنية والدولة الوطنية مقصودا لإنشاء دولة قمعية لن تؤدي إلا للخراب، أم أن نخبنا السياسية لم تكن قادرة على فهم أصول الحكم والسياسة.

فهي أنظمة غالبيتها استبعدت الحوار والعقلانية السياسية والقيم والمبادئ الوطنية والتداول السياسي للسلطة الذي يهدف إلى مشاركة واسعة وتناوبية للفرد والجماعات خدمة للمجتمع والوطن كله.
سياسيات وسلط تم تسييرها بعقول تفتقر للوعي والبعد الإنساني وافتقدت الوطنية والمصداقية ولم تهتم إلا بشؤونها الضيقة وحساباتها السياسية النفعية.

فحين نستبدل هته العقول السياسية المسيطرة بعقول واعية لها حسها الوطني والغيورة على مصالحه وحقوقه والتي تعي جيدا الهدف من وجودها في السلطة، آنذاك يكون لنا أفراد وجماعات متحررة من الخوف من التغيير الإيجابي وتعي حقوقها الوطنية وواجباتها وتحترم القانون الذي شاركت في وضعه والعمل على تطوير وسائل عيشها وضمان راحتها وكرامتها.

يقال دوما أن الإنسان تصنعه التجارب، ونحن العرب عشنا تحارب شتى فهل حان الوقت لنصنع وطنا يليق بنا من ما تبقى من شتات، أم نواصل الخطابات الفارغة والأحلام الوردية والبكاء على الأطلال.

14 تعليقات

  1. مفهوم الامن في انظمتنا المتخلفة ينبع من مفهوم التحدي المسلح سواء الخارجي او الداخلي، وفي قضية الامن الداخلي يحسب فقط في كيفية حماية السلطة.. دون التفكير في ان مسالة الامن الاجتماعي تتعلق اساسا بسيادة القانون، وبالوضع الاقتصادي فبمقدار تحسن ونمو الاقتصاد تقل الجريمة ويستتب الامن، وايضا بطبيعة النشاطات الانسانية الاجتماعية التي تنفس كثيرا من ضغوطات الحياة وتعقيداتها، وايضا حتى بطريقة تعامل الدولة كمؤسسات مع المواطن، كل هذه القضايا تواجه اشكالات في عالمنا العربي ولذلك لايمكن تحقيق الامن مادامت السلطات والادوات القائمة على تحقيقه تعتبر نفسها أعلى من المواطن وهي الاحق بالحماية وليس هو..السلطة في اوطاننا طبقة مختلفة عن عامة الناس ولذلك كل النشاطات الحكومية يجب ان تقوم اساسا على خدمتها وراحتها دون النظر الى المواطن.. تحياتي لقلمك الجميل وهو يتعرض الى مسائل بالغة الاهمية وتحديات موضوعية في عالمنا العربي.. احسنت استاذ عبد الله العبادي

  2. التعليق: شكرا لمرورك الكريم اخي حسن اكيد المؤسسات الامنية والسياسية في الوطن العربي لم تهتم يوما بامن المواطن. الامن الداخلي بالنسبة لهم هو الحفاظ على مواقعهم وامنهم الخاص. فصنعوا هوة بينهم وبين الاسفل قابلة للانفجار في اي وقت.
    المواطن لم يدخل يوما في حسابات وسياسات انظمتنا للاسف.
    شكرا للاضافة القيمة اخي حسن

    • الاخ العزيز مصطفى. شكرا كثيرا لاهتمامك وتتبعك وفخور جدا بشهادتك.
      دمت وفيا صديقي العزيز.
      محبتي

  3. أمن المواطن والوطن مفقود في عالمنا العربي لأن مفهوم الوطن اولا غائب بمعنى لا يوجد وطن او دولة بالمعنى الحديث لمفهوم الدولة والوطن وانما هناك انظمة حكم منها من صنيعة الاحتلال ومنها من اتى بانقلاب عسكري على اراضي وشعوب لا يجمعها رابط سوى الدين أحيانا واحيانا اللغة لذلك تجد الناس لا يحبون اوطانهم بل يخضعون للحاكم او السلطة وهي بدورها تعتمد على ولاء هؤلاء الذين يمثلون فيما بعد اجهزة أمن قمعية للأخرين الذين يرفضون الحاكم … وتلك متوالية تنتج من نظام يسقط الى نظام جديد ينشأ …

    • شكرا اخي رياض لاضافتك القيمة
      هدا حالنا مند الاستقلال لم نتخلص من التبعية بعد ولم نستطع بناء دول بالمفهوم الحديث. دول وطنية حيث المواطنة الكاملة والحرية والكرامة. اكيد ما نعيشه اليوم من تحولات -اتمنى- ان يستثمر كتجربة في بناء وطن يتسع للجميع وبمشاركة الجميع.
      تقديري

  4. اكثر مايهدد امن المواطن العربي هو أمن الانظمة السياسية العربية نفسها الذي تأسس على أساس حماية المواطن لها وليس العكس، حيث أن مفهوم الامن القومي بشكل عام وكما لدى البلدان المتقدمة على سبيل المثال لاينحصر على امن الوطن والمواطن من التحديات الخارجية والتهديدات من الدول الاجنبية عسكريا بل أن الامن القومي يعني أمن الوطن والمواطن سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وبيئيا وما الى ذلك ، ولذلك فإذا اردنا ان ندرك بشكل قاطع اسباب انعدام وجود الأمن القومي العربي على غرار أمن البلدان المتقدمة فيجب أن لا نبتعد كثيرا عن القناعة التامة بأن جميع الانظمة السياسية العربية لاتدرك معنى الامن القومي بشكل عام والعربي بشكل خاص أولا وثانيا أن انعدم وعي الشارع العربي بماهية الامن القومي العربي وأنه يتعلق بدرجة اساس على وطنية وحنكة الانظمة العربية سياسيا ، مما صنع انظمة عربية هشة وضعيفة وعرضة للانهيار التام في اي حالة تهديد حتى أمام كارثة طبيعية إن حصلت وكذلك انعدام الامن القومي العربي بمفهومه الحقيقي الذي يطمح له .. موضوع مهم يلامس صميم المشاكل العربية التي يعاني منها المواطن العربي اليوم وغدا ، خالص اعجابي وتقديري

  5. اعتقد ان اكثر مايهدد الامن القومي للمواطن العربي اليوم هو امن الانظمة السياسية نفسها الذي اسس على اساس حماية المواطن ماديا ومعنويا له وليس العكس حيث ان مفهوم الامن القومي بشكل عام وكما لدى البلدان المتقدمة على سبيل المثال والحصر هو لايقتصر على التحديات العسكرية الخارجية فحسب التي يواجهها الوطن او الانظمة السياسية العربية وتجارب من هذا النوع كثيرة في الوطن العربي انما يعني مفهوم الامن القومي هو امن المواطن سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وصحيا وبيئيا وما الى ذلك وهو من مسؤولية الانظمة السياسية تجاه المواطن واذا عدنا الى واقع الحال نجد ان المواطن العربي يواجه تحديات وتهديدات كثيرة داخلية من نواحي الامن الاقتصادي والصحي والبيئي وامن الطاقة وبهذا فالمواطن العربي اليوم هو تحت تهديد الانظمة السياسية العربية ليس غير ، وإذا اردنا تشخيص العلل والاسباب لذلك يجب ان لانذهب بعيدا عن جهل الانظمة السياسية بمفهوم مصطلح الامن القومي اولا وثانيا انعدام الوعي لدى الشارع العربي الذي لم يدرك ماهية مفهوم الامن لدرجة انه صانع للانظمة السياسية العربية الهشة والعاجزة حتى عن حمايته في حال مواجهة كارثة طبيعة اذا ارادت تحدث .. موضوع مهم يلامس صميم المشاكل العربية التي يعيشها المواطن العربي اليوم وغدا ، خالص تقديري واحترامي

    • اولا شكرا لاهتمامك اخ عواد ومحاولاتك والحمد لله وصلنا كل ما كتبته.
      فكما تفضلت المشكلة ليس فقط في مؤسسات الدولة بل حتى في الوعي الجماعي وهي معادلة معقدة وثنائية مرتبطة ببعضها. الانظمة استبعدت المواطن والمواطن انزوى الى الركن واستسلم للقدر. فتباعدت الهوة واصبح المجتمع يعيش على صفيح ساخن.
      نحن بحاجة الى اعادة النظر في كل شيء حتى نستطيع بناء دول الغد
      تقديري واحترامي

  6. سمة المجتمع هي التي تفرض نوع الحكم و الحكام، لأن الحاكم هو إفراز المجتمع و نظام الحكم يستمد شكله من التقاليد المتداولة، ولكوننا ما زلنا مجتمعات قبلية ذكورية بدائية، لا نجد محاولات جادة للتوعية و فهم متطلبات الحياة العصرية التي تخدم المواطن و تحترم حقوقه كإنسان لذلك سنظل بتراجع مستمر، لا شك إن لدينا أعداد هائلة من المثقفين المتنورين ولكنهم فشلوا بقيادة حركة المجتمع وتوجيهه توجيها متطورا لأسباب كثيرة. فشلنا بأن ندع المجتمع يصل الى المستوى المطلوب لتحقيق التغيير وفشلنا بتوصيل النخبة الواعية المخلصة لمقاليد الحكم. فالتغييرات الإيجابية في المجتمعات إما أن تبدأ من القاعدة وتقلب الموازين أو تظهر فئة قيادية واعية تفعل التغيير.

    • شكرا سيدتي العزيزة ايمان لمشاركتك القيمة.
      كما تفضلت وهدا ما اومن به ان يبدا التغيير من الاسفل لان اي نخبة حاكمة هي صورة للمجتمع الدي افرزها فهي لم تسقط من السماء. ودور المثقف مهم في هته المرحلة وعلينا اولا توحيد خطاب المثقفين التنويرين على اختلاف مشاربهم على ضرورة وضع تصور لمجتمع ووطن الغد ليكون التغيير المجتمعي ايجابيا وفعالا ويؤدي لبناء دول وطنية تتسع للجميع ويكون المواطن عنصرا فعالا ومشاركا في البناء.
      تقديري واحترامي اختي الفاضلة

  7. تحدثنا عن شيء ربما لا نعرفه … قد يكون من الخطاء الاعتقاد ان مسالة الامن او عدمه محصورة داخل البلدان العربية فهي مسالة مرتبطة في الاساس بالوجود اكون او لا اكون …. فمنذ الازل والمرء يصارع البقاء من اجل الاستمرارية وحين تاتت له العشيرة والقبيلة وربما الوطن ….. اصبح مفهوم الامن من وجهة نظري مرتبط بالرضوخ والاستسلام واسقاط الذات والا لن يمكنك البثة العيش منفردا لان سنة الحياة تستوجب ذلك …. فاما ان تتنازل عن بعض حقوقك رغبة في الانضمام والا قاوم حتى تموت …. الامن بالنسبة للدول العربية بدون استثناء صعب الادراك لاننا لازلنا لم نفقه بان حريتك تنتهي عند بداية حرية الاخرين … فالنفس امارة بالسوء والانا من منا لا يعاني من ويلاتها فيوم نستصيغ المعاني ونفقه الحروف حينها سنعلم بان القمع احيانا مفيد لبعض الفئات ….وهذا لا يعني اني اناصره بالعكس ولكن ممارسته يجب ان تكون في حدود ما تمليه القوانين والا يستثنى منها الغني او المسؤول فالكل سواسية .

  8. شكرا الاخ اشعاب.
    ممتن للاضافة القيمة ومرورك الكريم. نحن بحاجة الى توضيح الكثير من المفاهيم التي تفهم معكوسة لدى العامة. نحن بحاجة الى تثقيف الفرد حتى يتسنى له معرفة ماله وما عليه. احسنت اخي
    شكرا.

اترك رد