الشعر والجمال


 
للفنان أ. د. نصيف جاسم

الفن جوهرة جمالية من نوع معين فهو لا يدرك بالحس فقط ولا بالعقلية فقط انما بالحدس فهو خبرة جمالية لا يمكن فهم حقيقته بمعزل عن ادراك وفهم طبيعة الخبرة الجمالية ذاتها وعليه فهو حدس وحس وعقل متفكر وخبرة جمالية متحدة بادراك ومنها صيغ الجمال بطبعه ..
فالشعر هو الكلمة الجميلة التي تنمو ضمن مفاصل الحياة ومن خلالها لتسجل اعمق بواطنها واعلى شواّفيها وتتردم حالاتها بين كل المتناقضات وتجمعها في بوتقة حلم جميل تسعد اليه النفس وتسمو اليه الروح حتى في حالة شقائها
فالشعر جزء لا يتجزا من الفن ورافد مهم من روافده فقد ألهم الشاعر هذا الجمال من خلال نظرته الحساسة في سبر اغوار نفسيته وما تنطوي عليه الحياة وما يترشح منها نبعا وفيضا على الطبيعة وحدسا راقيا والهاما جميلا . فالشعر جزء من إ صل الجمال، وعندما ينتج الشاعر الجمال في شعره يكون قد اكتسب حالة فنية وانسانية مبتعدة عن كل ما شاكل العالم و تحقق له توازنا كبيرا بين سعة الحياة وضيقها بما فيها من مفردات، وتجارب وقدرات وما درته الطبيعة فيها من جمال في ذاتها فهو يترجم عن حالة نفسية واقعة وكلما كان مساسها شديد ا كان اجمل .
فالبحث عن ايجاد جمالية الشعر يبقى من الأمور الصعبة لأن سمة الجمال في الشعر ليس جزءاً محدداً في ماهيته بل في كليته… فالجمال والكينونة الشعرية ربما امثلهما بمراّة قد تعكس المسار الآخر وليتبادل به وجود الاخر في سرية تامة وكينونة فريدة . فاذا قمنا بتحليل قصيدة شعرية – اية قصيدة – وجدنا الصور الشعرية والحدث الواقع في ظل الصياغة والوزن والقافية والأخيلة الواسعة والصور الشعرية الخلابة وتناسق حروف اللغة وبلاغتها . وبقدر وجودية هذه الامور في القصيدة يتمثل او يظهر الجمال جليا وقد نجد عنصر الجمال مخفيا غير ظاهر . فالحقيقة الأبدية والخالدة ان الجمال جوهر و أن من طبيعة الجوهر أن يختفي لنفاسته ، والاختفاء بحد ذاته هو جوهر الجمال أي أن جوهر الجمال يكمن في سره الخفي وكلما كان خفيا كان جميلا . واشبهه ايضا بفتاة جميلة جميلة محصنة في بيتها او في خدرها لم ترها الشمس فتحرقها او تصوحها فاذا ما ظهرت فجأة ابهرت الرائي وزادت في تشوقه بحيث تمنى ان تبقى مدة اطول لينعم بجمالها . وقد عرف الشعر في ذاته انه تلك القدرة العظيمة للتأثير في النفس الانسانية ولهذ ا فان بعض الشعراء ممن يتمكن من قلب احوال زمانه وله المقدرة في التاثير الكبير من خلال قصيدة واحدة او بيت شعري واحد من الوصول لهذا التاثير القوي من خلال الابداع والصياغة الحدسية .
وعليه فان ما يقف وراء هذا الشاعر دائماً في رحلة الإبداع ، هو امكانية التاثير وشدته .. وتعتبر المتعة الجمالية اسنى وسيلة للشعر في الوصول إلى الغاية المرجوة , فجمال القصيدة في غاية الشعر وطموحه إلى غاية الجمال هو إحد مسببات تكوين هذا الجمال في الوجود ولهذا فان هذه المسببات قد تعد من وسائل غرس الجمال الكبرى في الصورة الشعرية للقصيدة .
وقد اوجد المجتمع البشري الوسيلة الشعرية نزوعا لدوافع الحاجة الملحة في سبيل التلذذ النفسي فقد ولدها امران مهمان يعودان بالاساس إلى طبيعة النفس الإنسانية وهما: المحاكاة والتذوق فإن المحاكاة أمر فطري موجود لدى الناس منذ الصغر ، والتذوق او الالتذاذ بالأشياء أمر عام للجميع وهدف اسمى تصبو اليه الارواح .
ان الحالة الجمالية التي اوجدها المجتمع الانساني والتي تعتبر بحد ذاتها متعة جمالية تهدف لايجاد امور كثيرة تعتبر كأدوات فنية عالية الجودة ومتجددة وباساليب جمالية اشبه بتجليات نفسية في جوهر الفكر . والرسالة التي تعد في ايجادها او الوصول اليها . لذا فإن الجوهر الموجود في جسدية او بنية الفن عامة و الشعر خاصة والذي يعتبر جزءا من الفن له قدرة استثنائية على التلائم مع الجمال والاندماج به وهذا الجوهر يعمل بطريقة سحرية عجيبة يشد المتلقي شدا وثيقا وبطريقة طردية بحيث تكون وظيفته تقديم المتعة النفسية للشاعر والمتلقي في نفس الوقت وهذه المتعة تعتبر لدى الاخرين هي المنفعة الانسانية .وعليه فان الشعر يمكنه من امتلاك ما يراه حقيقة ا و وهما في التعبير الادبي والنفسي ، ويزاوج بينهما في خفاء واضح ويكون الكشف عن الجمال عبر هذا التبادل والتزاوج بحيث يشف عنه او يكشف عن كل منهما بمحاولة اخفاء الآخر، وهذا هو سر المتعة في الشعر . فاذا كان الشعر ترنيمة غنائية صادقة قد تولدت من الشعور المبدع، فإن هذه القصيدة ناشئة عما في نفسية الشاعر وتعبر عما في خوالجه من عاطفة نفسية . فهي تمثل صورة من صور الاستقرار النفسي الذي يحسه او يشعره بجماليته .
و المسيرة الشعرية في مواجهة الحياة قد لا تصل إلى لحظة انتصار بل هي على الأغلب لحظة انحسار , قد تعيش بالانبعاث و ربما يدرك الشاعر بحساسية مرهفة أنه يواجه حياة لا تكشف عن وجهها مرة واحدة . فوظيفة الشعر تتمركز في الانتصار الافضل فهي مرحلة دائمة في سبيل الوصول للغرض المنشود لذلك فهي تمثل حالة الغليان الداخلي في أعماق الشاعر ونفسيته حتى لو ظهرت عليه ملامح السكينة وعلى بعض قصائده مسحة الشعر المنبعث من اعماق نفس وقلب الشاعر .
فالشعر يثبت قدراته الأدائية في استكشاف حالة الإنسان ويربط ايحا آته بها ربطاً شمولياً، بحيث يتمكن- في الاغلب – من عزل نفسه عن المكان والزمان المقال فيه وربما يكون شموليا فيبقى خالدا وهذا سر من اسرار جماليته وخلوده. فقد يرى في مسرة الانسان وفرحته وانسياقه نحو التفاؤل سرا دائما في النفس البشرية وقد يرى في عذاب او تعاسة إنسان في موقع معين هو عذاب للانسانية كلها لذا فإن حالة الموت مثلا لدى الشاعر تغدو موتاً وحالة انسانية ليست شخصية وانما معاناة ومعضلة تكتنف الحياة في كل مكان، لا حياة شخص بعينه.
ومثل هذا التوجه الشمولي هو الذي يمس أعمق أعماق النفس البشرية منطلقة الموقع الخاص إلى العام، و من دائرة فقدان ضيقة بموت واحد من ملايين البشر إلى المصير الذي ينتظر هذه الملايين البشرية كلها . ولهذا فأن الشعر يعتبر من أهم أركان الفنون الهادفة في خلاص البشرية واستكشاف حالها ومآلها و سبل ارتقائها إلى مواقع جديدة خارج دائرة الالم والعذاب بما يمتلكه هذا الفن العظيم من رؤية وقوى حدسية تنبؤه بنتيجة المعاناة التي تبعث فيه قوة التشبث بالحياة والامل من داخل المعاناة النفسية .
ان معظم مفكري الجمال يميلون إلى القول بأن عمل الفنان هو وحده الذي يسمح بفهم الإنسان الحقيقي , فنفس الشاعر المتلهفة على حب المصير الإنساني بإحساساتها الإنسانية حتما تمكنه من ترجمتها إلى جمالية طاغية مثقلة حانية على الناس والأشياء والعالم .
وعليه استطيع ان اقول ان الشاعر يستكشف في الطبيعة ما لا تراه عين الإنسان العادية وهو في رؤيته هذه يفجر الضوء لينير ظلمة الحقيقة في النفس وينزع عنها كل أقنعتها القاتمة ويزرع فيها السناء والامل وهذا الشاعر قد يضع نفسه في مواجهة نفوس إنسانية مختلفة ربما يكون بعضها متعبة وبعضها معذَّبة والاخرى متألقة نحو السمو والارتقاء .
فالشاعر ليس مجرد إنسان يحيا لذاته ويعمل من أجل إشباع رغابته وحدسه الشعري . بل هو إنسان ذو رسالة معينة ويشعر أنه ينطق باسم قوة عليا قاهرة قد تعلو على شخصيته وتنفعل معها وتلهمه افضل ما عنده من ابداع ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الكثير من الشعراء يشعرون بأن لهم حياة أخرى تتعدى وجودهم الزماني والمكاني و الذاتي وهذه الحالة قد تصدق بقوة ان الجمال الذي لا يقف عند حد نزع الكره والبغضاء واستئصال كل ما يشوه جمال وجه البشرية الجميل . و إنه لينهض بالنفوس ويدفعها نحو حياتها واستقرارها.
والجمال الشعري يقد م او يثبت صلات لكل ما هو موجود من امور ربما تراها نفس وعين الشاعر وحده فيكون شعره صوت الحياة الصافية وسرها، بحيث تكون لها القدرة على التقاط او بعث اهتزازاته الكامنة في اعماقه وهذه الاهتزازات انما هي رعشة لخفقات قلبية او نفسية تصل إلى مسامع صاغية ونفوس متلهفة وافئدة متشوقة لتصل الى جوهر الحياة فيكون الشاعر قد اشتري فيها حريته الأبدية وما تسمو اليه نفسه الابية من قيم عليا طالما ظل يمني نفسه في الوصول اليها فيفرّغ شحناته الشعرية المنبثقة من نزعات نفسه فيها . في جمالية شعرية خلاقة .
ومن خلال ما تقدم تتضح حقيقة ازلية ان الشعر في جوهره خبرة انسانية من نوع معين وموهبة كامنة في النفس بل هو خبرة جمالية عالية الحدس وقد نفهم هذه الحقيقة العظيمة من خلال فهم اسس طبيعة الجمال ومساراته وطموح نفس الشاعر للوصو ل اليه والالتصاق به بحيث تبقى نفسيته متألقة معه في نتاجه الشعري حتى تكون جزءا من كل معاناته وما يعتمل في نفسه فينهمر شعره كثيفا ليروي النفوس البشرية العطشى .

لا تعليقات

اترك رد