الترامپزم العالمية !!

 

Global Trumpism
Why Trump’s Victory Was 30 Years in the Making and Why It Won’t Stop Here .
By : Mark Blyth
Foreign Affairs – Tuesday , November 15 , 2016

كاتب المقالة هو الپروفيسور مارك بليث وهو أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة براون الامريكية وهي من جامعات النخب الأرستقراطية في الولايات المتحدة وبالتالي يمكن القول ان للمقالة قيمتها المستمدة من وزن وقيمة مؤلفها .

مما لاشك فيه ان الجميع قد فوجئ بفوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة رغم ان ماعبر عنه من فظاظة وقلة لياقة غير مألوفة في الخطاب السياسي العام في الولايات المتحدة ، بغض النظر عن حقيقة النوايا ، جعل ظهوره امام جمهوره اقرب الى الفكاهة وصار مادة دسمة لرسامي الكاركاتير الساخر وللتنديد في اوساط العامة والخاصة في أحاديثهم ومجالسهم . رغم كل ذلك فقد فاز الرجل بفارق كبير في عدد المقاعد داخل مايعرف بالمجمع الانتخابي ؛ مع ذلك يجادل البعض بان هيلاري كلنتون كانت الاقرب الى التوقعات خاصة وانها فازت بفارق مليوني صوت لصالحها في عدد الأصوات الشعبية وان استحواذ ترامب على أغلبية مقاعد المجمع الانتخابي يعود الى تعقيدات النظام الانتخابي الامريكي الذي يتم على مرحلتين كما انها ليست المرة الاولى التي يحصل فيها ذلك . مع كل ذلك فقد كان فوز ترامب مفاجاة أذهلت اغلب المراقبين الذين ، كما يبدو ، كانوا ضحية التفكير بالتمني Wishful Thinking وان بوادر فوز ترامب كانت واضحة وما جرى من التوقعات بفوز كلنتون كان ثمرة قراءة غير دقيقة للواقع على مستويات مختلفة داخل وخارج الولايات المتحدة . ان ترامب ، وفقاً لبعض المحللين ومنهم الكاتب ، هو ذروة ظاهرة تنمو منذ عقود من الزمن وقد كان فوز الرجل إيذاناً بوصول الظاهرة الى نضجها .

يناقش المقال بشكل أساسي أزمات النظام الراسمالي ودورات التضخم والانكماش التي تولد بعضها بعضاً بشكل الي متكرر مع ما يترتب عن ذلك من انعكاسات سياسية تؤدي الى صعود التيارات المتطرفة سواء من اليمين ام من اليسار ثم يضع ظاهرة ترامب في مكانها في الصورة العامة .

رغم عدم شمولية المقال في تحليل ظاهرة التطرّف السياسي في العالم الغربي ، وفقاً لرأيي الشخصي ، الا انه يقدم اضاءة جيدة على جانب رئيسي من أزمة العالم الغربي ونظامه الراسمالي .

.بعض مقاطع المقالة كتبت بلغة عالية التخصص في مجال فلسفة العلوم والاقتصاد مما جعلها عسيرة على الهضم ، فحاولت جهدي في تبسيط المفهوم بلغة سهلة الفهم وفي متناول القارئ المتوسط .

فيما يلي خلاصة المفهوم العام للمقال ، فلنتابعه ….

لقد كان فوز ترامب في الانتخابات الرئاسة الامريكية الاخيرة قابلاً للتوقع ، بل وكان متوقعاً ، ولكن ذلك لم يكن ممكناً من خلال الاستطلاعات . هذه الاستطلاعات لم تعد موثوقة بعد الإخفاقات الاخيرة التي واجهتها في عدد من التطورات ؛ لقد فشلت في توقع فوز حزب المحافظين في بريطانيا ثم فشلت في توقع نتائج الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروپي وأخيراً فشلت في توقع فوز ترامب . يمكننا اجراء مناقشات مطولة حول أسباب فشل الاستطلاعات وماهية الخطأ الذي حصل ولكن الامر الواضح انها جميعاً تعاملت مع الأحداث باعتبارها أحداثاً منفصلة عن بعضها فيما هي ظواهر لحقائق كانت تختمر تحت السطح على مدى ثلاثين عاماً .

تعود مشكلة الاستطلاعات بالدرجة الاساسية الى كونها تعاني ممايسمى في علم الإحصاء بمشكلة غالتون ، وفحواها ان الإحصاءات تعجز عن رصد بعض الظواهر التي تشكل نوعاً من العدوى الدقيقة او التقليد التي تنتقل بين الأحداث مما يمكن ان يغير من ديناميات الصورة الكلية للأحداث . في هذا الإطار يمكن اعتبار ترامب ظاهرة ضمن جملة من الظواهر التي تشكل الصورة العالمية الكاملة لتطور الأحداث .

لنتصور ان هنالك العديد من نموذج ترامب في العالم المتقدم ، سواء في تيارات اليسار او في تيارات اليمين .

في احدى الجهات تكتسح احزاب اليمين الانتخابات وتستحوذ على الأصوات التي كانت تذهب تقليدياً الى احزاب الوسط في كل اوروپا ، على سبيل المثال : الحزب الفنلندي يكون الحزب الثاني من حيث القوة الپرلمانية في فنلندا ، وفي السويد يحتل حزب الديمقراطيون السويديون الموقع الثالث في الپرلمان السويدي . في هنغاريا فاز حزب رئيس الوزراء الهنغاري ڤيكتور اوربان والمسمى Fidesz بدورتين انتخابيتين . اما في فرنسا فانه من المتوقع ان يفوز الحزب الأكثر شعبية ، الجبهة الوطنية ، بالانتخابات الرئاسية مالم تتحالف جميع الاحزاب الاخرى في جبهة واحدة ضده ؛ ثم نكمل الصورة بتوقع تفوق حزب ” البديل من اجل المانيا ” وحلوله ثانياً بعد حزب ميركيل .

ولكن هنالك في الجهة الاخرى احزاب اليسار وهي النسخة المعاكسة لهذه الظاهرة . لنتصور فوز الحزب الوطني الإسكتلندي وانه أزاح جميع الاحزاب الاخرى كما نتصور فوز حزب Podemos في اسپانيا وان حزب Syriza سيحكم اليونان وDie Linke في المانيا ، وسيكون ذلك على حساب الاشتراكيين الديمقراطيين الذين يعانون من التراجع أصلاً في حصصهم من الأصوات الانتخابية .

هذه الاحزاب لديها مواقف سياسية متباينة الى حد كبير ، فاحزاب اليمين تميل آلى الوطنية على حساب المهاجرين كما ان حماسها للمفهوم اللبرالي لحقوق الانسان ضعيف نسبياً . اما اليسار الجديد فانه على العكس يحبذ اعادة التوزيع من القمة الى القاعدة واتباع سياسات تنموية تسعى لتشمل الجميع ؛ لكن هنالك الكثير مما هو مشترك بين الطرفين : كلاهما يسعى لتحقيق الرفاه العام ويعارض العولمة ويدعمان تعزيز سلطة الدولة . يعارض كلاهما سياسات التمويل المالي وان كانت نغمة اليمين في ذلك اقل حدة .

اعتبرت الولايات المتحدة وحلفائها ، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، ان البطالة العامة خطر وجودي يهدد الرأسمالية وان معالجة هذه المشكلة ينبغي ان تكون اولوية بغض النظر عن الكلفة ؛ تنفيذاً لهذه السياسة باشرت الحكومات باجراءات تهدف الى معالجتها بشكل يحافظ على إبقائها في جميع الأحوال بحدود ٤٪‏ . سياسة البطالة الجزئية كانت مقصودة من اجل السيطرة على التضخم . لاحظ اقتصاديون في اوائل أربعينات القرن الماضي ان العمالة الكاملة من شانها ان تقود الى التضخم ، اذ تقوم ادارات الاعمال بالاضطرار الى رفع الاجور من اجل الاحتفاظ بالعمال لان تسربهم من عمل الى عمل امر متيسر في ظل العمالة التامة ، وهو امر يزيد الضغط على التكاليف ويقود الى ظاهرة التضخم بسبب ضغط عامل الكلفة ، حيث يقوم عاملا الاجور والاسعار بمطاردة بعضهما . لقد تزامنت هذه الظاهرة في السبعينات من القرن العشرين مع إنهاء العمل باتفاقية بريتون وودز { ملاحظة : الاتفاقية التي اسست لقاعدة ارتباط الدولار بالذهب } ، أعقبتها الصدمة النفطية { جراء تخفيض انتاج العرب النفطي اثر حرب ١٩٧٣} مما أدى الى انتاج موجة تضخمية سادت العالم الغربي خلال عقد السبعينات . وهكذا اصبحت قضية السعي لتأمين العمالة التامة سبباً في ارتفاع الأسعار وتدني الأرباح . لقد تحول عقد السبعينات الى جنة المدينين ؛ مع ارتفاع التضخم انخفضت القيمة الحقيقية للديون فيما ارتفعت حصة العمالة من اجمالي الدخل القومي اكثر من اي وقت اخر في الوقت الذي تدنت فيه قيمة عوائد الشركات اضافة للضربة التي تلقتها هذه العوائد بسبب التضخم ، كمااصبحت النقابات اكثر قوة ً .

اذا كان عقد السبعينات جنة المدينين فقد كان سيئاً بالنسبة للمقرضين . لقد اصبح التضخم بمثابة ضريبة على عوائد الاستثمار والإقراض . من هنا جاءت الموجة الجديدة من ردود الفعّال من جانب ارباب الاعمال والمقرضين : تلخصت الموجة الجديدة بعبارة تثبيت الأسعار ومكافحة التضخم من اجل استعادة قيمة المقروض والسيطرة على العمالة من خلال البطالة ؛ لقد نجحت هذه السياسة ، وظهرت وفقاً لذلك ما اسمي بالنيولبرالية ( اللبرالية الجديدة ) { ملاحظة : من رموزها مارغريت تاتشر وريغان من اليمين وتابعهم بعدها توني بلير من اليسار } .

خلال الثلاثين سنة التالية تحول العالم من جنة المدينين الى جنة المقرضين . لقد ازدادت حصة راس المال من الدخل القومي الى اعلى مستوى في الوقت الذي تراجعت حصة العمالة فيه بسبب جمود الاجور ؛ ازدادت الإنتاجية لكن الفوائد المتحققة ذهبت الى راس المال ؛ تم سحق قوة النقابات فيما تضاءلت قدرة العمال على الضغط من اجل رفع الاجور تحت ضغط التشريعات وعولمة الانتاج ؛ تحولت البرلمانات الى منتديات للخطابة وتعززت هيمنة المصارف المركزية والاجهزة الپيروقراطية على الاقتصاد مبعدةً إياه عن سيطرة الممثلين المنتخبين .

السياسات الجديدة اثبتت فعاليتها . بلغ حجم انفاق المصارف المركزية الرئيسية في العالم منذ عام ٢٠٠٨ حوالى ١٢ تريليون دولار ، ولكن بالكاد نلحظ ان هنالك تضخماً جراء ذلك ؛ حوالى ربع السندات الأوروپية تسجل عوائد سلبية والفوائد في أقصى درجات الانخفاض ولولا تدخل البنك المركزي الاوروپي لتعزيز احتياطيات منطقة اليورو لوجدنا ان حالة الانكماش تكاد ان تصبح السمة السائدة .

إجمالاً يمكن القول ان العالم قد اصبح منتجاً للانكماش بدل التضخم ، وكان لذلك نتائج سياسية مهمة ؛ من هنا نعود الى ظاهرة ترامب .

في عالم اللاتضخم اصبحت القروض متيسرة للغاية وحيث يلعب القطاع الخاص دوراً اكثر نفوذاً وقوة ؛ بلغ اجمالي القروض الفردية في الولايات المتحدة حوالى ١٢,٢٥ تريليون دولار ، وهنا تتكرر القصة التقليدية : يتحمل متلقي الاجور الكثير من ضغط الديون في وقت يتعذر فيه رفع الاجور بوتيرة تساعد على تقليص حجم الديون هذا ، وفي بيئة يسودها الانكماش تتكرر قصة التضخم بشكل معكوس : ترتفع قيمة الديون فيما تتراجع القدرة على الوفاء بها .

مانراه الان هو انعكاس مواقف القوة بين المقرض والمدين . يسعى المقرضون الى تأمين استحصال اموالهم المقدمة كقروض من المدينين ، وعلى مستوى الاقتصاد الكلي فان ذلك يزيد الأوضاع الاقتصادية سوءاً :،المدينون عاجزون عن الوفاء بالديون ولكنهم يصبحون ، وهذا امر في غاية الأهمية ، أصلب من الناحية السياسية لانهم مع عجزهم او عدم رغبتهم بالوفاء بالديون مازالوا يمتلكون حق التصويت والانتخاب .

ان الاحزاب التقليدية من وسط – اليسار ووسط – اليمين وهي الاحزاب التي اسست النظام المضاد للتضخم تواجه الهزيمة في عالم كالذي عرضنا صورته طالما انهم يصنّفون من قبل المدينين بأنهم الداعمين السياسيين لقضية الوفاء بالديون في ظل نظام تسوده عدم المساواة . هذا الموقف ينتج موجة من حركات الدعم للمدينين معادية للمقرضين وهو مايعزز حركات التطرّف في اليمين وفي اليسار ويقدم لها ماتحتاجه من رافد بشري .

باختصار ومن اجل فهم قضية انتخاب ترامب Trumpينبغي ان ننصت لأصوات الابواق Trumpets تصدح في كل مكان في البلدان المتقدمة التي تضم اكبر عدد من من اصحاب الديون الفردية وللذين يصوتون لهذه الابواق { ملاحظة : يستخدم الكاتب هنا هذا التطابق اللفظي لاغراض بولاية والأبواق هي كناية عن اشخاص بذات المواصفات التقدمات ترامب عن نفسه خلال حملته الانتخابية } .

ان الثورة العالمية ضد النخب لا تسببها فقط العوامل المألوفة مثل العنصرية ولكنها قد تنجم عن العوامل الاقتصادية وهذه ظاهرة عالمية تؤشر أمراً مهماً وهو ان عصر اللبرالية الجديدة قد انتهى .

1 تعليقك

  1. Avatar حسن متعب

    موضوع يسلط الضوء على كيفية فهم ومتابعة الظاهر سواء الاجتماعية او الاقتصادية التي تقود بالنهاية الى تغييرات يظنها البعض انها مفاجئة، ولكنها في الحقيقية تمتلك جذور تمتد الى زمن ما وبانتظار محفزات معينة لتطفو على السطح، هذا الربط الذي قدمه المقال ايضا يعطينا فسحة لفهم كيف ان اصوات اليمين في مختلف البلدان الاوربية قد على وارتفع مع فوز ترامب، الذي بدا لهم انه ايذانا بظاهرة سياسية او بنمو فكرة ايديولوجية ربما ستسيطر على مجمع تحركات النظم السياسية والنشاطات الاقتصادية في العالم.. المقال يضعنا امام ما لم نكن نحسب له حساب في تناولنا لقضية فوز ترامب.. وهذه هي محاسن الاطلاع على ما يكتبه الغرب وينقله لنا بتصرفه الجميل الاستاذ فائز السعدون.. تحياتي لجهودك وقلمك الجميل

اترك رد